تخيّل حجم السذاجة والبلاهة المطلوبة لكي يقتنع إنسان بأن بضع مئات من الأعراب وفي زمن قياسي، خرجوا من صحراء قاحلة، استطاعوا وحدهم، "وبحدّ السيف فقط"، أن يُخضعوا أممًا ضاربة الجذور في الحضارة، متباينة الأعراق والعقائد، تمتد من تخوم الصين إلى شواطئ الأطلسي، ثم يفرضوا عليها دينًا وثقافةً وهويةً استمر أثرها قرونًا!.
مدهشٌ حقًا كيف يتغذى البعض لسنوات على مرويات معلّبة خرجت من سراديب التعصب الصليبي القديم، ليتحولوا إلى "مبشرين بالجهل"، يحاولون إقناعك بأن التاريخ الإنساني المعقد يمكن اختزاله في مشهد كرتوني رديء: "قومٌ غزوا.. فاستسلمت القارات"!
المضحك في هذه السردية الساخرة، أنها تفترض ضمنيًا أن مئات الملايين من البشر في فارس والشام ومصر والأندلس وآسيا الوسطى وشرق وغرب اوروبا وصولا لعمقها، كانوا مجرد كائنات بلا إرادة أو وعي؛ طابور طويل من الفراغ البشري ينتظر وصول "300 مقاتل خارق" ليغيروا عقائدهم، ولغاتهم، وأنظمتهم الاجتماعية بضغطة زر!.
أصحاب هذا الطرح لا يهينون الفاتحيين، بل يهينون دماء وعقول الشعوب التي يصورونها كقطعان مغيبة استسلمت لعابر سبيل في ليلة وضحاها.
| د.فادي وهبة |
*لما بقيت في البلاد المفتوحة كنيسة، ولا دير، ولا طائفة، ولا لغة محلية إلى يومنا هذا.
*ولما استغرق التحول الديني والاجتماعي قرونًا طويلة من الامتزاج والتأثر الفكري والتجاري.
والأطرف من ذلك كله، أن العالم القديم كله كان قائمًا على التوسع الإمبراطوري العسكري؛ من الرومان والفرس إلى المغول والأوروبيين، ولم تسلم حتى الكنيسة نفسها من تاريخ دموي حافل بمحاكم التفتيش والاستعمار الديني. لكن، حين يتعلق الأمر بالإسلام تحديدًا، يتوقف العقل فجأة، ويتحول التاريخ بقدرة قادر إلى فيلم أكشن طفولي ركيك، بطولته المطلقة لـ "DEADPOOL" عربي يحمل سيفًا طائرًا حكم به نصف الكوكب!
ليست هذه قراءة للتاريخ، بل اختزال سطحي وهروب من فهم حركة الحضارة وتعقيداتها. إنها رؤية تقوم على اجترار الروايات الجاهزة لشرذمة مازالت تعبد هرطقات ابائها بلا بحث وعجز عن الفهم النقدي، فالتاريخ لا يُختصر في سرديات المظلومية أو الشعارات العاطفية، بل يُقرأ في سياقه الاجتماعي والسياسي والديني الكامل.
أما تحولات المصريين بعد الفتح، فلم تكن مجرد أحداث قسرية كما يصورها البعض، بل عملية تاريخية ممتدة ومعقدة، تداخلت فيها القناعة الدينية والتحولات الحضارية والاجتماعية. واختزال كل ذلك في “قصة اضطهاد” أو “مؤامرة” ليس إلا تكرارًا لروايات سطحية يرددها من لم يتجاوزوا قراءة العناوين، ولم يمارسوا التفكير إلا في حدود التلقين والاجترار.
باختصار شديد:
من يفسّر تحولات التاريخ الكبرى بعقلية "الناس دي صحيت الصبح لقت السيف فوق رقبتها فأسلمت"، فهو لا يكشف عن جهل فاضح بالتاريخ الفعلي فحسب، بل يعلن عن عجز كامل عن نقد الوهم المعلّب الذي زُرع في قاع جمجمته، وجماجم "سلسفيله"!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق