06 يوليو 2018

محمد سيف الدولة يكتب: حكايتنا مع ريالات آل سعود


Seif_eldawla@hotmail.com
توقفت طويلا أمام حالة العداء للمملكة، الواضحة فى كثير من تعليقات المشاهدين العرب على مباراة الافتتاح فى كاس العالم بين روسيا والسعودية، فكتبت التدوينة التالية معقبا على هذه الحالة:
 ((لو كنت سعوديا، لاهتممت كثيرا بتحليل ودراسة وفهم وتدارك أسباب كل هذه الكراهية الشعبية العربية من المحيط للخليج، لمملكة آل سعود، التى كشفتها الانحيازات والتشجيعات والتعليقات العربية فى مباراة السعودية مع روسيا اليوم.))
فجاءنى ضمن الردود، الرد التالى من حساب سعودى يعرف نفسه بانه: مُطبِّل للوطن .. راقص على جراح الخونة والطابور الخامس ـ الجيش السلماني الإلكتروني. اما تعليقه فكان كما يلى:
((كل اللي يكرهونا نُطف عجم وقرنّشع (لا أعلم من هم القرنشع) ولا لهم ذاك التأثير او الثقل السياسي او الإقتصادي لذلك اشوف كرههم مؤشر ايجابي، واكثر ما يميّزهم ان الريال يجيب اشرف شريف عندهم .. دولتنا تشتري ذممهم وشعبنا يشتري شرفهم.))
***
لم أتعاطف بالطبع مع انحياز غالبية الجماهير العربية ضد فريق السعودية، لأنه مهما كان موقفنا من أنظمة الحكم والحكام والعائلات الحاكمة، فان اهل المملكة سيظلون اشقاء لنا، كما ان وضع كل الشعب فى أى من بلدان العالم فى سلة واحدة هو موقفا عنصريا كريها ومزموما، ولذلك عنونت تدوينتى بما يلى: "نحب الشعوب ونكره حكامهم".
ولكن جاء تعليق عنصر اللجنة الالكترونية السعودية السلمانية، ليجيب بدون قصد على اهم اسباب المشاعر العدائية لمملكته، حين قال ((ان الريال يجيب اشرف شريف عندهم .. دولتنا تشتري ذممهم وشعبنا يشتري شرفهم.))
وهو للاسف ليس تعليقا خاصا من احد صبية محمد بن سلمان او مخبريه، وانما هو موقف واسع الانتشار داخل العائلة الحاكمة تجاه الشعوب العربية الشقيقة، وأخشى ان تمتد جرثومته الى آخرين من داخل الشعب السعودى نفسه.
ويتلخص هذا الموقف العنصرى فيما يلى: ((نحن الاغنياء وانتم الفقراء، نحن الأسياد وأنتم الأجراء، تستجدون منا المنح والقروض والمساعدات وعقود العمل. فمن أصغر اصغركم الى كبير كبيركم لستم سوى سلع نستطيع ان نشتريها ونبيعها ونتصرف فيها كيفما نشاء. ومن يتمرد منكم او يعترض، سنخرجه من جنة عطايانا.))
***
هذه فى تصورى، هى فلسفة الرؤية التى يتبناها امثال هؤلاء تجاه باقى الشعوب العربية، وهى قريبة الشبه بعلاقات الاستغلال التى تمارسها الطبقات الرأسمالية على الطبقات العاملة المشهورة باسم البروليتاريا، وفقا للأدبيات الماركسية.
ولو كان الماركسيون العرب يؤمنون بالعروبة وبوحدة المجتمع العربى وبوحدة تناقضاته وصراعاته، لاعتبروا ان استئثار بضعة مئات من ملوك وامراء السعودية والخليج بالثروات العربية دونا عن باقى الـ 350 مليون مواطن عربى، كانوا سيعتبرونها أكثر اشكال الصراعات الطبقية حدة فى المنطقة العربية. وربما قدموا الاجتهادات والتحليلات والدعوات والشعارات عن وحدة الطبقة العاملة العربية، او وحدة الشعوب العربية فى مواجهة هؤلاء.
***
ورغم ان حكام الخليج، ولا أستثنى منهم أحدا، يعيشون على الارض الطاهرة التى هى موطن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، وارض الحرمين الشريفين، ومهبط ديننا الحنيف الذي حرم العبودية لغير الله، وحض على إعتاق الرقاب وتحريرها، الا انهم لا يزالوا يستغلون باقى خلق الله على طريقة ملاك العبيد فى العصور القديمة والوسطى.
فمن غيرهم فى العالم يعرف نظام الكفيل، الذي لا يعدو أن يكون أحد أشكال العبودية المبطنة، والذي كان له على امتداد عقود طويلة، بالغ الأثر فى صناعة الكراهية الشعبية العربية لأثرياء النفط فى السعودية والخليج.
ولدينا فى ذلك سجلات سوداء تتضمن ملايين الوقائع والحكايات التي يرويها العائدين الى ديارهم من المتعاقدين المصريين والعرب وغيرهم عن اشكال العنصرية والاذلال والمعاناة التى يعانون منها على ايدى كفلائهم فى المملكة والخليج.
***
وما يفعلونه مع المواطنين العرب يفعلوه ايضا مع حكام الدول العربية الفقيرة، فمن منا يمكن ان ينسى ذلك المشهد المهين لكل من لديه ذرة من الكرامة، والمسيء اساءة بالغة لصورة الشعوب العربية والاسلامية لدى بقية شعوب العالم، حين هرول واحتشد كل هذا العدد من الملوك والرؤساء فى مايو 2017 للقاء وارضاء ومبايعة ترامب، هذا المقاول الامريكى العمومى، وكأنهم عمال تراحيل جمعهم له مقاول الانفار السعودي.
وما زلت أتذكر تصريح محمد بن سلمان متفاخرا كالطاووس فى عام 2015 بان المملكة العربية السعودية هى الدولة الوحيدة فى العالم بعد الولايات المتحدة الامريكية التى استطاعت فى المائة سنة الاخيرة (هكذا) ان تؤسس وتقود تحالفا عسكريا وتحشد له كل هذا العدد من الدول العربية والاسلامية فى اشارة الى التحالف الاسلامى الدولى الذى اعلنته السعودية فى 15/12/2015 ويضم 41 دولة من بينها مصر.
***
انهم يقدمون انفسهم اليوم للأمريكان وللعالم كله، بصفتهم قادة الامتين العربية والاسلامية وحاملو رايتها والمتحدثون باسمها والمتحكمون فى قراراتها وبوصلتها.
وكيف لا يفعلون ذلك وهم يرون أكبر واقوى دولة عربية فى المنطقة والتى يبلغ تعداد شعبها ثلث الامة العربية تقريبا وهى تتنازل لهم عن جزء من اراضيها فى تيران وصنافير مقابل بضعة مليارات من الدولارات.
***
لقد اصبحت هذه العائلات المالكة فى السعودية والخليج اليوم وامثالهم من الانظمة العربية التابعة المستبدة أشد خطرا على مستقبل الأمة العربية وحريتها وما تبقى من استقلالها، من كثير من اعداء الأمة التاريخيين، فالعدو المتخفى والمستتر اشد خطرا ألف مرة من العدو الظاهر، خاصة اذا تحالفا معا، وأكبر مثال على ذلك ما نراه اليوم مما يدفعونه من قرابين وأثمان فادحة للاحتفاظ بالحماية الأمريكية لعروشهم وثرواتهم، بدءا بتصفية القضية الفلسطينية والتطبيع والتحالف مع العدو الصهيونى، ومرورا بقيادتهم للحروب الامريكية بالوكالة وتمويلهم للمرتزقة والميليشيات وامراء الحروب، وانتهاء بدفع الاتاوات بمئات المليارات تحت اقدام ترامب، واغراق الاسواق بالبترول تنفيذا لتعليمات السيد الامريكى، بدلا من توظيفه كسلاح ردع فى مواجهة الضغوط الامريكية والغربية، على غرار ما حدث خلال حرب اكتوبر 1973.
***
وحتى حين قامت ثورة يناير فانها اصطدمت بعنجهيتهم منذ اللحظات الاولى حين اشترطوا خروجا آمنا لمبارك ثم انهمرت الشروط والقيود والأموال كالطوفان، الى ان نجحوا فى اجهاض الثورة؛ أتتذكرون حين حاصر شباب الثورة السفارة الصهيونية عام 2011، ثم تسربت بعض العناصر المشبوهه لمهاجمة السفارة السعودية المجاورة بإيعاز من اجهزة الامن بغرض الاساءة للثورة وشبابها وتشويه حصارهم البطولى للسفارة، فما كان من السفير السعودى وقتها الا انه اغلق السفارة واوصد ابوابها وعاد الى بلاده غاضبا، فى رسالة لا تخفى مغزاها من انكم انتم الذين تحتاجون  السعودية، اما نحن فلا حاجة لنا بكم. فاذا بغالبية القيادات السياسية حينذاك تهرول الى السعودية لاسترضائه ومصالحته واستجدائه للعودة الى القاهرة.
***
بل لقد كشفت لنا الثورات العربية فيما بعد، عن حجم النفوذ والسطوة التى يتمتعون بها فى المنطقة كلها، والتى انتصرت على ارادة الشعوب العربية وقواها الثورية والوطنية مجتمعة بكل تاريخها ونضالاتها واحزابها وتنظيماتها وكوادرها ومفكريها.
فلقد نجحوا بأموالهم ونفوذهم فى اجهاض أو احتواء أو افساد أو انحراف أو عسكرة الثورات العربية واحدة تلو الأخرى ربما باستثناء وحيد هو تونس التى لا تزال تقاوم حتى اليوم.
لقد انتصر الريال على النضال وانتصرت الثروة على الثورة كما كان يقال منذ نهاية حرب 1973.
وهى الحقيقة المرة التى أضافت عقبة كبرى جديدة أمام اى مشروع مستقبلى للاصلاح او للتغيير الثورى فى بلاد العرب. وبدون حلها، لا خلاص لنا ولا أمل فى المنظور القريب، وهى عقبة الهيمنة المالية النفطية على القرار العربى الرسمى وعلى كافة انظمة الحكم ومؤسساتها فى غالبية الدول العربية.
***
ولم يقتصر تدخلهم على اقطار الثورات العربية، وانما امتد الى بلدان مثل لبنان الذى تحكمه معادلة محاصصة خاصة منذ عقود طويلة، تحافظ على توازنه واستقراره وتجنبه السقوط مرة أخرى فى أتون الحرب الاهلية، فاذا بهم يخطفون رئيس الوزراء اللبنانى، ويمارسون اقصى انواع الضغوط المالية والاقتصادية، فى خطة لا تخفى على أحد تستهدف تفجير الوضع الداخلى.
***
حتى الرياضة المصرية لم تنجُ من اعتداءات اثرياء النفط، فنجد مسئولا سعوديا يقوم باختراق مجال الكرة المصرية بادرا ملايين الجنيهات، وحين يختلف مع ادارة النادى الاهلى يصدر بيانا مهينا يتفاخر فيه بكم الاموال التى وهبها له على طريقة ((كله بفلوسى)).
ثم يتمادى فى الثأر والانتقام، فيقوم بشراء أحد النوادى المصرية ويضخ فيه ملايين أخرى نكاية فى النادى الاهلى وفى تاريخ الكرة المصرية وعراقتها، ويجد للاسف من القامات الكروية الكبرى من يقبل عطاياه ويساعده فى تحقيق أغراضه.
***
وفى مجال الاعلام، ورغم انه من النادر جدا ان نجد مثقفا او كاتبا او مفكرا، ينتمى الى العائلات المالكة، له وزن او قيمة فكرية كبيرة، الا ان اموال السعودية والخليج تحتكر وتسيطر على غالبية منابر الاعلام العربى المرئى والمقروء، وتوظف قطاعات واسعة من الاعلاميين والصحفيين والكتاب والمثقفين العرب فى صحفها وقنواتها وبرامجها الفضائية.
وهو ما ينطبق كذلك على مجال الانتاج والتوزيع التلفزيونى والسينمائى، الذى يلتزم على الدوام بتوجهات وتعليمات ومحاذير المال السعودى والخليجى. وليس ما حدث لمسلسل "ارض النفاق" سوى مثال واحد فقط على ذلك.
***
ان أمتنا وشعوبنا الحرة الكريمة التى تحمل حضارة عظيمة، تؤمن بان الارزاق بيد الله، وانه لا اله الا هو، فاذا بمن يحكمون اليوم هذه الارض الطيبة التى أنزل فيها رسالته، يقولون لنا ان الارزاق والمصائر والمصالح بأيديهم هم.
فكيف يمكن ان تحبهم أو تحترمهم الشعوب العربية؟ وكيف يمكن أن تأمن شرهم؟
*****
القاهرة فى 6 يوليو 2018

هيام فؤاد ضمرة تكتب: صفقة العصر وطبائخها


من المؤكد أن سيكون هناك مبالغة فيما لو وضعنا أنفسنا في موقع رصد المقارنة في المواقف بين دولتي المركز الأمريكية والروسية تجاه قضايا العالم العربي في الزمن الماضي والزمن الحالي، ففي حين وضع العرب ذات زمن مضى ثقته بدولة الروس فقد خاب أمله بمواقفها اللا مبالية حين المواجهة الحقيقية بين العرب ودولة الاحتلال، في حين أن دولة الاحتلال وجدت حليفتها الأمريكية بكل ثقلها إلى جانبها عام 1973م حين مال الوضع ضدها وكانت على شفا السقوط النهائي حين عبور (الدفرسوار) في عهد السادات، فقامت أمريكا بإنزال طواقمها العسكرية داخل دباباتهم وسط أرض المعركة فيما طائراتها كانت تقوم بالتغطية والحماية وربما بضرب مواقع الجيش العربي المصري.
واليوم نشهد وقفة عسكرية شديدة الأثر تحصد الأرواح وتدك المباني بلا رحمة من الروس لنجدة رئيس دولة عربية ضد شعبه الأعزل، فهل هذا وجهاً جديداً من التغير، أم شكلا مبسطا من التعاون، فقد تراجع الروس حين الأمر كان حرباً بين جيشين مسلحين، واليوم هي تلعب وحيدة في الأجواء في مواجهة طرف غير مسلح أو تسليحه بسيط بالقياس مع ما تملكه هي من قوة. 
والعرب ما أشعرونا أبدا أنهم يتعلمون من تجاربهم واختباراتهم الماضية، فنراهم كالسائر في نفق مظلم وعيناه مغمضتان بساتر مظلم، يتخبطون وأيديهم الفارغة تمتد أمامهم، أقول هذا وأنا لا أملك في داخلي أي تحامل على أمة العرب، فالعرب في القرن الماضي كانوا كأي جهة مخدوعة بالدنيا قد فاجأتهم ألاعيب وخبائث الغرب الاستعمارية، وما كانوا مستعدين أمام مرحلة التغيير وبدء تحمل المسؤوليات لأي مفاجآت خبيثة استعمارية، وكانوا يظنون الغرب أمة حضارية الجوهر تصدق القول وتحترم المعاهدات والاتفاقيات وحقوق الآخرين؛ كالعرب تماماً، ولا تتصرف بما لا تملك ولا تمون، ولا تستغل حسن النوايا بالطعن بالظهر بخنجر الغدر وعلى هذا مدوا أيديهم للغرب، ولست أدري كيف نسوا ما فعله الإسبان بالمسلمين في الأندلس رغم توقيعهم اتفاقية مع عبدالله الأحمر تضمن سلامة المسلمين وعدم التعرض لهم هناك حتى يجدوا وسيلة لخروجهم أو يخيروا ببقائهم، فكان مصيرهم رغم التعهد المبروم بين الطرفين المجازر اللا إنسانية البشعة التي راح ضحيتها مئات الآلاف، ومحاكم التفتيش القذرة والرهيبة التي كان يعقدها الرهبان والقساوسة رجال الدين الذي يتصف بالرحمة والسلام.
الغرب الذي استغل الوضع بتحقيق انتصاره على الدولة العثمانية آنذاك، تلك التي حافظت بكل قوتها على تماسك الدولة الإسلامية كما حافظت على الدين الاسلامي، في وقت كانت فيه تواجه ظروفاً صعبة للغاية، حين كان جيشها يواجه جيوش الغرب في أوروبا ويحقق عليهم الانتصار تلو الانتصار، ليندحروا أمامهم كالفئران الهاربة من حريق، وفي ذات الوقت ما توقف فيه الطاعنون غدراً في ظهرها في أقصى غرب الدولة وفي أقصى شرق الدولة، ليشغلوها عن الاستقرار بسلام والنظر بأمور الدولة والعباد واحتياجاتهم، ووضع اللبنات في البناء الحضاري، وكل هذا كانوا يفعلونه الكائدين والمخربين بقصد إنهاكها وإضعافها.
ورغم ذلك ظلت الدولة العثمانية المسلمة تواصل البناء الحضاري لمستقبل التقدم بدليل مدها لأعظم وأطول سكة حديد في العالم في ذلك الوقت بين اسطنبول ومكة المكرمة مروراً بالأراضي التركية عرضاً، ومن ثم باتجاه الجنوب نحو العواصم ومدن الموانئ العربية حتى مكة المكرمة في نهايات القرن التاسع عشر، قبل السقوط الذريع والسريع لبلاد العرب في شبكة الصيد الاستعماري.. دول أوروبية استعمارية ما انفكت مطامعها تتواصل بدول العرب والإسلام، ولا توقف كيدها على مرِّ العصور، مستخدمة في ألاعيب خبثها كل وسائل الاحتيال وهو ديدن الضعفاء الذين يتقاوون على من هم في وضعهم الأضعف بالحيلة والغيلة
ليصحوا العرب بين ليلة وضحاها وإذا هم دولاً تقطعت أوصالها، لا يربطهم ببعض إلا تاريخ غابر، ولغة ودين، وقلوب غُلف غيّبها الجهل همها الوحيد الحفاظ على سلطة في الدول المقسمة.
وها هم بعد أكثر من مائة عام والتخريبات العظيمة قد طالت مسافات من سكة القطار العثمانية يعودون لإحياء ذات خط سكة الحديد إياه إنما بين المدن الفلسطينية المحتلة على ساحل البحر الأبيض المتوسط والمملكة العربية السعودية والعراق ودول خليجية أخرى مروراً بالأردن كنقطة توزيع على ما كان عليه الخط الذي مدته الدولة العثمانية في وقت يدعي الغرب فيه كذباً وتلفيقاً أنها الدولة المريضة متناسين مرضهم العضال في موت الضمير واصابتهم المباشرة بفيروس الخيانة والغدر، إنما اليوم يتم إحياؤه لأهداف مغايرة تماما لما كانت عليه أهداف الأمس وتحقيقا لأحد بنود صفقة العصر.
ليس هذا وحسب بل يعود من جديد إلى الصدارة مشروع قناة البحرين التي كان مفترضا تحقيقه عام 2007م، تلك القناة التي تربط البحر الأحمر من جهة خليج العقبة بالبحر الميت ومن ثم تتجه بقناة أخرى نحو البحر الأبيض المتوسط لتحقيق أهداف عديدة لسنا في محل ذكرها كلها ونكتفي بذكر هدف ربط محطات الكهرباء ومحطات تحلية المياه ومجرى مائي تجاري لثلاث دول مرة واحدة من باب الشراكة.
هي واحدة من تفاصيل صفقة العصر التي تتبناها حكومة ترامب لإرضاء حكومة رابين الاحتلالية في تأمين وضع آمن لاسرائيل في المنطقة، وتشد الخطى لأجل خلق واقع عربي مغاير لما هو الحال عليه، ولأجل هذا تجتمع القوتان الروسية والأمريكية في هلسنكي في 16تموز الجاري لبحث الأوضاع ولتقاسم الحصص على ما تعودنا من الغرب المخادع، فليس من سبب آخر يدعو لاجتماع القوتين في هذا الوقت بالتمام، خاصة لما تركه الوجود الروسي في سوريا من أثر مرض عند الأمريكان بالقضاء على ما يسمى الدولة الاسلامية.
وحسب المتوقع فيما سيجري بحثه بينهما، فمن المؤكد أنهما في البداية سيبحثان في صور علاقتهما الثنائية فيما بينهما، وفي طرق وأساليب شراكتهما في حكم العالم والتحكم بمصير دوله وحكامها، خاصة أن روسيا على وشك فتح أربع قواعد عسكرية لها في أربع دول عربية، ثم ايجاد طريقة لإنهاء الحرب في سوريا، وطريقة لإخراج بشار من الحكم بطريقة غير مهينة، ثم الوصول للاتفاق المشترك لإنهاء نفوذ ايران في سوريا ولبنان وإبعادها عن حدود دولة الاحتلال الصهيونية، وطرح مشروع صفقة العصر الترامبية على روسيا، وتقسيم حصص الفائدة يتطلب أكثر من قمة مع أكثر من طرف لدول أخرى غير روسيا همها الأول على الاطلاق ملف النازحين السوريين.
واضح جداً أن أمريكا بعدما حققت دمار الدول التي كانت عثرة في طريق تحقيق السلام مع دولة الاحتلال على طريقتها هي، تحاول اليوم إقفال كل الملفات المفتوحة للاتجاه نحو ايران، وتحاول الانفراد بالروس لاقناعهم بضرورة اقصاء ايران وأذرعها عن سوريا ولبنان، لتحقيق السلام بشرق أوسط جديد لا تدخله ايران لأنها تشكل تهديداً على دولة صهيون، ولتفرد أمامها المنافع التي سوف تجنيها من ذلك.. إن صفقة القرن هي أخطر صفقة ممكن أن تحدث في التاريخ الحديث لتسهيل احتلال اليهود لدولة فلسطين ورفض عودة اللاجئين لوطنهم ولا حتى عودة النازحين.
وتجري هناك على الهامش لقاءات مع شخصيات عربية وأخرى دولية لذات الهدف، بحيث يتم الحديث مع كل شخصية بحدود دوره ودور بلاده وإظهار منافعه من تحقيق العملية، دون أن يعرف بالتحديد ماذا يتم من اتفاقيات مع غيره، وهي اللعبة الجديدة القديمة التي اعتادت أن تلعبها دول الاستعمار الحديث كما القديم تماماً.
ومن المتوقع أن يقوم وزير خارجية الولايات المتحدة إلى بعض العواصم العربية في الشرق الأوسط بما فيها تل أبيب في أعقاب قمة دولتي المركز أمريكا وروسيا، وهذا يذكرنا بجولات كيسنجر المكوكية.
وقد سرب بعض المسؤولين مضامين صفقة القرن أنها تتضمن إنشاء (كيان) فلسطيني يضم قطاع غزة والمناطق المصنفة (أ)و(ب) وبعض المناطق المصنفة تحت البند (ج) من الضفة الغربية مع سيطرة أمنية اسرائيلية وبقاء المستوطنات على حالها وبقاء الأراضي التي تم الاستيلاء عليها عنوه من أصحابها ملكا للدولة المحتلة، وتقديم الساعدات المالية الكبيرة اتحسين الوضع الاقتصادي والبنى التحتية في فلسطين.
أما بخصوص مدينة القدس وقضية حصص المياة وأشكال السيطرة الأمنية فيقول المصدر نفسه أن الخطة تنص على تأجيل مناقشتها إلى وقت لاحق، بمعنى أنه من الجائز أن تغلق بعض القضايا تماماً، وبعضها يمنح بالقطارة.. بمعنى آخر لا تغيير عما كان مطروحاً بالسابق ومرفوضاً جملة وتفصيلاً من الجانب الفلسطيني، ليتضح بعد كل هذا أن صفقة القرن ما هي إلا هوس حماسي ضيق الأفق من الرئيس الأمريكي على أنها لا تزيد عن كونها مشروع لا عدالة فيه لإنشاء كيان فلسطيني منقوص السيادة، وليس بدولة بأي شكل من الإشكال، ولا يحق للفلسطينيين في هذه الحالة أن يقيموا حياة سياسية عادية، كما تمنع عنهم العديد من الوزارات والكثير من حرية التحرك وحرية القرار.. أي أنه حل صوري بائس لا يعدو عن كونه حالة تخدير متواصل أو مؤقت لا أحد يدرك حجم الحقيقة في ذلك إذا ما مورست خطط بديلة.
وترامب الذي أخذه الحماس بخطته الجهنمية كما أخذته عنجهيته لأبعد من امكانياته وقدراته يواجه اليوم قدرا كبيرا من الصعوبات في إقناع الأطراف على مثل هكذا حل الذي كان وما زال مرفوضاً من طرف الفلسطينيين، لكنه للغرابة الشديدة هو مقبول من بعض الأطراف العربية التي ما زالت تخفي حقيقة موقفها خوفا من انقلاب شعوبها عليها.
وهناك من الجلسات ما قد عقدها ترامب نفسه مع الفريقين الفلسطيني والاسرائيلي في واشنطن ونيويورك وبيت لحم والقدس، وجلسات أخرى جرت مع جاريد كوشنر ومبعوث الرئيس الأمريكي للاتفاقيات الدولية جيسون غرينبلات في رام الله وعمان وواشنطن،والجلسات تتواصل مع كل الأطراف المتوقع حاجتها لاتمام الصفقة، لكنه من الواضح أن إشراك فئة التجار والمحامين في المحادثات يكشف عن مخطط أكبر من المتوقع في تغيير الطريقة في عرض الحلول لإحداث التغيير بالمواقف وقبول غير المقبول.
ودعونا ندخل في معنى كلمة (صفقة) لنفهم الطريقة التي يتم بها العرض والإقناع لدى كل الأطراف.. فصفقة تعني عملية تبايع أي بيع وشراء، أو عملية مقايضة الشيء بالشيء، ولأن الصفق يذكر لصوت إغلاق الباب بقوة فيصدر عنه صوت قوي، فالصفقة سميت كذلك لأن عقد المبايعات عادة ما تنتهي بصفق الأيادي بين الشاري والبائع وهو دليل اتمام الصفقة، فكانت هذه العملية هي الصفقة، وهذا ما يحصل الآن في صفقة القرن إذ هي مقايضة لفرج المسائل المعلقة والتي باتت ترهق المتعرضين لها، ولقد تم خلق هذه الظروف من باب الضغط على الطرف العربي الفلسطيني إلى حدود اللا إنساني للقبول بالصفقة لهدف الخلاص من أزمة لا يبدو أنه من الممكن الخروج منها بدون عقد صفقة المبايعة أو المقايضة، وذكاء بعض حكام الدول أخذها لأبعد من ذلك في إقناع شعوبها أنها كانت مضطرة بقبول المقايضة لتخلص نفسها من حصار الأزمة الوهمية التي أظهرت نفسها على أنها تعايشها بكل صعوباتها.
لا أحد يمكنه أن يستوعب اللعبة الاسرائيلية التي يدعمها بكل قوته ترامب، تلك الخاصة بمدينة القدس ومحاولة جعلها كعاصمة لدولة الصهاينة المحتلين، فالقدس الغربية كانت أصلا تحت الاحتلال الصهيوني منذ العام 1948م حين تم احتلال الجزء الغربي من فلسطين، ذلك المطل على البحر الأبيض المتوسط بما فيها غرب القدس أو ما يعرف بالقدس الجديدة، وما فكرت حينها ولو للحظة اسرائيل أن تجعلها عاصمة لدولتها المنهوبة، وحين تم لها احتلال بقية المدينة بعد انسحاب الجيش الأردني من الجزء الشرقي للقدس القديمة صارت القدس مثار قضية كبرى تخلقها اسرائيل ويدعمها المسمى ترامب بهدف تعقيد محادثات السلام، هذا إن كانت فعلا ستؤول إلى سلام وهو المشكوك بأمره، لأن الخوف قد يصل مداه إذا ما تم التخلي عن القدس التي هي قضية كل العرب وكل المسلمين لقداسة القدس عند المسلمين.
لهذا وغيره كان على الفريق الفلسطيني تذكير ترامب وفريقه بمبادرة السلام العربية التي أكدت على أنه في حال انسحبت دولة الاحتلال من الضفة الغربية لنهر الأردن التي احتلتها اسرائيل عام 1967م، وتم إقامة دولة فلسطينية وتوفير وضع عادل يستند على قرار هيئة الأمم رقم 194 فإن الدول العربية والفلسطينيين سوف يقيمون علاقات جوار حسنة مع اسرئيل.
وفي الجانب الاسرائيلي فإن نتنياهو يصر أن لا عودة إلى حدود 1967م نهائياً، ولا عودة للمهاجرين الفلسطينيين إلى فلسطين أيضاً نهائياً، ولا عودة للقدس للحكم العربي بشطريها الشرقي والغربي، وأن اسرائيل قررت بعد احتلال شقيها أن تجعلها عاصمة لدولتها المحتلة لوطن الفلسطينيين.. ليس هذا وحسب بل يريد النتنياهو اعترافا عربيا بيهودية دولته المحتلة وهي النقطة الأخطر في الصفقة، إذ سيترتب عليها كما سيعرضون لاحقاً ايجاد وطن بديل للفلسطينيين، والفلسطينيون لا يبدلون طين بلادهم بجنات الدنيا وما فيها، فهو أمر مرفوض بكل الأحوال.. على أثر هذه المطالب الاسرائيلية ومحاولات الجانب الأمريكي الضغط على الطرف العربي لقبولها أوقف الفلسطينيون اتصالاتهم مع الجانب الأمريكي، ورفضوا استقبال نائب ترامب مايك بيتس لمواصلة الحوار.
واعتراف ترامب بلا أي مقدمات بالقدس عاصمة لليهود كان بمثابلة القنبلة النووية التي فجرت رفض الشارع العربي والاسلامي على حد سواء، وأثبتت انحياز الولايات المتحدة مع دولة الاحتلال، لتثبت في نهاية المطاف أنها لا تصلح البته أن تكون وسيطا عادلا لحل القضايا المعلقة بين الفلسطينيين والاسرائيليين.. وإن كان د.نبيل شعث مستشار الرئيس الفلسطيني محمود عباس للشؤون الخارجية والعلاقات الدولية وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، يطالب بنقل عملية السلام من الرعاية الأمريكية إلى الرعاية الدولية، فهو كمن يطالب بنقل برميل النفط من جانب البركان إلى جانب بركان آخر، فالقرار الدولي تسيطر عليه الولايات المتحدة الأمريكية ومعها الدول الأوروبية الخمس المركزية، يعني بكل بساطة لكونها تملك حق الفيتو داخل هيئة الأمم، القرار المحطم لكافة الاتفاقيات التي لا تريد الوصول إليها، ولا أمل لحصول الفلسطينيون على العدالة تحت رعاية أي منهما، وبالتالي لا أظن أن مواصلة الحوار في حضور هذه التعقيدات سيكون مجديا.
وإذ تقول حكومة دولة الاحتلال حول الموضوع.. أن المنتصر وحده من يحدد الشروط وعلى الطرف الخاسر أن يقبل بأي حل يعرض عليه، هي مقولة لا أساس لها من العدل ولا يجوز أبدا استخدامها إذا ما أراد الطرفين السلام فعلاً فإسرائيل مثلها مثل الفلسطينيين هي الأخرى تعاني من جوانب كثيرة تضغط عليها وعلى أمنها كمثل الوضع الاقتصادي الذي لولا الدعم الأمريكي لانهار انهياراً شديداً، والهجرة اليهودية المعاكسة، وانقلاب اليهود أنفسهم على مصداقيتها في قدرتها على توفير الأمن.
قبول شروط نتنياهو هي ما يجعل صفقة القرن بمثابة الصفعة الهائلة للسلام في منطقة الشرق الأوسط والتخريب الحقيقي لأمن المنطقة، وعدم القدرة على احلال العدالة الإنسانية، وعدم الرغبة الحقيقية عند نتنياهو على احلال السلام نفسه... وكل صفعة وأنتم بخير

عزالدين القوطالي يكتب: حول القابليّة للإستعباد في الوطن العربي



يقال إنه كان لإبن الرشيد حاكم نجد السابق أحد العبيد يسمّى : مبيرك ( تصغير لإسم مبروك ) ، وبمناسبة زيارة مبعوث الحكومة البريطانية للمنطقة أهداه إبن الرشيد ذلك العبد كي يقوم بشؤونه خلال الزيارة التي من المفروض أن تنتهي في الكويت ... وعند وصول المبعوث البريطاني الى الكويت وهي محطّته الأخيرة قرّر تحرير العبد مبيرك جزاءا له على تفانيه في خدمته وكتب له صكّ التحرير ...
وبعد سنوات طويلة شاء القدر أن يقوم المبعوث البريطاني بزيارة ثانية الى حاكم نجد ، وكانت مفاجأة مذهلة أن يجد مبيريك مجدّدا يمارس مهامه كعبد لابن الرشيد ....
القصّة تحمل في طياتها معاني متعدّدة أهمّها أنّ العبيد أنجاس مناكيد كما يقول شاعرنا المتنبّي ، فالذي رضع العبودية من ثدي الإستعباد لا يمكن أن يفكّر في الحرية أو يهضمها حينما تقدّم له على طبق من ذهب ... وتراه بالمقابل في قمّة السعادة وهو يفترش الزبالة في إصطبلات الخنازير ويلحس بصاق سيده وهو يقول : ما أحلاه من عسل ...
بعض العبيد في بلادنا مثل السّمك لا يستطيعون العيش خارج مياه الذلّ والهوان وإن خرجوا منها عادوا إليها زاحفين بإرادتهم ودون أن يجبرهم على ذلك أسيادهم من الملوك والسلاطين ...
فئة خانعة خاضعة تربّت على السمع والطاعة وسوف تبقى كذلك الى قيام الساعة ، فلا يهمّها حريّة ولا تعنيها القضية وإنما همُّها كُلّه أن تظلّ تحت الأقدام وأن تجلد بالسِّياط وأن يعصر دمها في خدمة أسيادها وهي تنادي بنشوة ما بعدها نشوة وكـأنها في يوم عيد : هل من مزيد ؟؟؟ هل من مزيد ؟؟؟
يذكّروننا بقصة العبيد في أمريكا حيث إنقسموا الى قسمين : عبيد المنازل وعبيد الحقول ، فكان عبيد الحقول يعيشون القهر والإذلال وهم يزرعون الأرض القاحلة ويبعثون فيها الحياة فيكون جزاؤهم مزيدا من القهر والإذلال ، وكان عبيد المنازل مدلّلون يأكلون بقايا طعام حكامهم ويلبسون ملابسهم القديمة ويعيشون معهم كالحيوانات الأليفة ...
فإذا إجتمع عبيد الحقول على السعي من أجل تحرير أنفسهم ، سارع عبيد المنازل الى إخبار إسيادهم والوشاية بأندادهم ... وإذا قبض على عبد ثائر تسابق عبيد المنازل الى تسلّم السّياط والإستمتاع بجلد العبد الذي تجرّأ على رب النعمة وصاحب الأرض وما عليها .... يفعلون ذلك ليس لهدف أو حكمة ، بل لأن بقايا طعام من يدوسون عليهم بالجزمة هو عندهم أغلى من الحرية وأهمّ كثيرا من القضيّة ...
ومن المشاهد العجيبة أن الآلاف من العبيد تطوعوا للدفاع عن العبودية في سنة 1861 حينما إندلعت الحرب الأهلية في أمريكا بين الشمال والجنوب بسبب إصرار الولايات الجنوبية على إبقاء العمل بنظام العبودية رغم قرار الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن بحظره وإلغائه ...
نعم أيها السادة .... عبيد تطوّعوا للقتال ضدّ العبيد ، وعبيد حملوا السلاح مع الجنوبيين الذين يريدون الحفاظ على نظام العبودية ،وضدّ الشماليين الذين يحاربون من أجل حريّة العبيد...
قصّة في الحقيقة لا تقتصر على العبيد الفعليّين الذين ولدوا وعاشوا عبيدا بل تمتدّ لتشمل العبيد بالإكتساب والذين إختاروا أن يكونوا عبيدا رغم أنهم أحرار مثل القائد العسكري الأمريكي بنيديكت آرنولد، الذي كان أحد أبطال وقادة الثورة الأميركية ضدّ الإستعمار البريطاني ، ولكنّه تآمر لاحقاً على الثورة ذاتها التي ضحى من أجلها وأنضمّ إلى الجيش البريطاني العدو، وانخرط في صفوفه عام 1779، بل وأكثر من ذلك قاد بنفسه الهجوم على مواقع رفاقه السابقين...
ولو أحصينا عدد العبيد على هذه الشاكلة في بلادنا العربيّة لأدركنا بسر ودون عناء لماذا بقيت أمّتنا على هذه الحال من الذلّ والهوان ، ولماذا تجرّأ عليها الأنذال وأستباحوا أعراضها في الجنوب والشمال ...
وصدق أفلاطون حينما قال : لو أمطرت السماء حرية ... لرأيت بعض العبيدً يحملون المظلات...