الجمعة، 6 يوليو 2018

عزالدين القوطالي يكتب: حول القابليّة للإستعباد في الوطن العربي



يقال إنه كان لإبن الرشيد حاكم نجد السابق أحد العبيد يسمّى : مبيرك ( تصغير لإسم مبروك ) ، وبمناسبة زيارة مبعوث الحكومة البريطانية للمنطقة أهداه إبن الرشيد ذلك العبد كي يقوم بشؤونه خلال الزيارة التي من المفروض أن تنتهي في الكويت ... وعند وصول المبعوث البريطاني الى الكويت وهي محطّته الأخيرة قرّر تحرير العبد مبيرك جزاءا له على تفانيه في خدمته وكتب له صكّ التحرير ...
وبعد سنوات طويلة شاء القدر أن يقوم المبعوث البريطاني بزيارة ثانية الى حاكم نجد ، وكانت مفاجأة مذهلة أن يجد مبيريك مجدّدا يمارس مهامه كعبد لابن الرشيد ....
القصّة تحمل في طياتها معاني متعدّدة أهمّها أنّ العبيد أنجاس مناكيد كما يقول شاعرنا المتنبّي ، فالذي رضع العبودية من ثدي الإستعباد لا يمكن أن يفكّر في الحرية أو يهضمها حينما تقدّم له على طبق من ذهب ... وتراه بالمقابل في قمّة السعادة وهو يفترش الزبالة في إصطبلات الخنازير ويلحس بصاق سيده وهو يقول : ما أحلاه من عسل ...
بعض العبيد في بلادنا مثل السّمك لا يستطيعون العيش خارج مياه الذلّ والهوان وإن خرجوا منها عادوا إليها زاحفين بإرادتهم ودون أن يجبرهم على ذلك أسيادهم من الملوك والسلاطين ...
فئة خانعة خاضعة تربّت على السمع والطاعة وسوف تبقى كذلك الى قيام الساعة ، فلا يهمّها حريّة ولا تعنيها القضية وإنما همُّها كُلّه أن تظلّ تحت الأقدام وأن تجلد بالسِّياط وأن يعصر دمها في خدمة أسيادها وهي تنادي بنشوة ما بعدها نشوة وكـأنها في يوم عيد : هل من مزيد ؟؟؟ هل من مزيد ؟؟؟
يذكّروننا بقصة العبيد في أمريكا حيث إنقسموا الى قسمين : عبيد المنازل وعبيد الحقول ، فكان عبيد الحقول يعيشون القهر والإذلال وهم يزرعون الأرض القاحلة ويبعثون فيها الحياة فيكون جزاؤهم مزيدا من القهر والإذلال ، وكان عبيد المنازل مدلّلون يأكلون بقايا طعام حكامهم ويلبسون ملابسهم القديمة ويعيشون معهم كالحيوانات الأليفة ...
فإذا إجتمع عبيد الحقول على السعي من أجل تحرير أنفسهم ، سارع عبيد المنازل الى إخبار إسيادهم والوشاية بأندادهم ... وإذا قبض على عبد ثائر تسابق عبيد المنازل الى تسلّم السّياط والإستمتاع بجلد العبد الذي تجرّأ على رب النعمة وصاحب الأرض وما عليها .... يفعلون ذلك ليس لهدف أو حكمة ، بل لأن بقايا طعام من يدوسون عليهم بالجزمة هو عندهم أغلى من الحرية وأهمّ كثيرا من القضيّة ...
ومن المشاهد العجيبة أن الآلاف من العبيد تطوعوا للدفاع عن العبودية في سنة 1861 حينما إندلعت الحرب الأهلية في أمريكا بين الشمال والجنوب بسبب إصرار الولايات الجنوبية على إبقاء العمل بنظام العبودية رغم قرار الرئيس الأمريكي أبراهام لنكولن بحظره وإلغائه ...
نعم أيها السادة .... عبيد تطوّعوا للقتال ضدّ العبيد ، وعبيد حملوا السلاح مع الجنوبيين الذين يريدون الحفاظ على نظام العبودية ،وضدّ الشماليين الذين يحاربون من أجل حريّة العبيد...
قصّة في الحقيقة لا تقتصر على العبيد الفعليّين الذين ولدوا وعاشوا عبيدا بل تمتدّ لتشمل العبيد بالإكتساب والذين إختاروا أن يكونوا عبيدا رغم أنهم أحرار مثل القائد العسكري الأمريكي بنيديكت آرنولد، الذي كان أحد أبطال وقادة الثورة الأميركية ضدّ الإستعمار البريطاني ، ولكنّه تآمر لاحقاً على الثورة ذاتها التي ضحى من أجلها وأنضمّ إلى الجيش البريطاني العدو، وانخرط في صفوفه عام 1779، بل وأكثر من ذلك قاد بنفسه الهجوم على مواقع رفاقه السابقين...
ولو أحصينا عدد العبيد على هذه الشاكلة في بلادنا العربيّة لأدركنا بسر ودون عناء لماذا بقيت أمّتنا على هذه الحال من الذلّ والهوان ، ولماذا تجرّأ عليها الأنذال وأستباحوا أعراضها في الجنوب والشمال ...
وصدق أفلاطون حينما قال : لو أمطرت السماء حرية ... لرأيت بعض العبيدً يحملون المظلات...
إرسال تعليق