الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

زهير كمال يكتب: تطور نحو الخلف



لابد وأن يصاب المرء بالألم وخيبة الأمل عندما يرى الحروب تشتعل على نطاق واسع في الوطن العربي، فهناك ميادين مفتوحة في سوريا والعراق ، اليمن وليبيا ، ولكن المخفي أعظم فباقي الدول العربية مرشحة لنفس المصير المؤلم الذي تعاني منه الدول المذكورة . فعندها نفس الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتردية .
سياسياً: كل أنظمة الحكم ملكية أم جمهورية هي أنظمة دكتاتورية لا تمثل شعوبها وإن وجدت بعض البرلمانات في بعض دولها فهي برلمانات صورية تتماهى مع الحاكم وتصفق له وتؤيده فيما يفعل.
اقتصادياً : الفساد والمحسوبية والرشوة والبطالة الواقعية والمقنعة هي سمات كل الدول ، فنسبة بسيطة من الشعوب تتنعم بالثروة ، والباقي يلهث لتحصيل لقمة العيش ونسبة لا بأس بها لا تجد ما تأكله.
اجتماعياً: ازدادت الفوارق الطبقية في المجتمعات ، فنسبة بسيطة لا تتجاوز في أحسن الأحوال 10% تعيش مرفهة وتصل اليها الخدمات الضرورية للحياة ، والباقي يعيش في عشوائيات حول المدن الكبرى أو في قرى ما تزال في القرون الوسطى ، تدهور التعليم وتفشت الأمية والجهل في المجتمعات. ويتم بشكل مكثف هجرة أفراد الطبقة الوسطى الى دول أوروبا والأمريكتين ، وهكذا تتجرد المجتمعات من العقول الشابة، وبفعل الحروب الطاحنة يتم تهجير الطبقات الفقيرة التي لم تكن تفكر في ترك بيوتها في المدن والقرى لتعمل في أحط المهن في الدول الأخرى.
في أوضاع كهذه، فإن باقي المجتمعات العربية مرشحة للانفجار والتشظي ، ولا توجد أية دولة محصنة ضد هذا المصير ، حتى دول الخليج الغنية غير مستثناة من ذلك أ فالعمالة القادمة من خارجها والتي يزيد عددها بأضعاف عن عدد السكان الأصليين تعاني من أوضاع اقتصادية في غاية السوء إضافة الى المهانة والظلم الواقع عليها.
ماذا جرى في الوطن العربي ولماذا تدهورت الأوضاع الى هذا الحضيض ؟
قبل خمسين عاماً مضت، حصلت معظم بلادنا العربية على الاستقلال من الاستعمار الغربي وكانت مصر الناصرية تقود الأمة العربية ، وكان هناك تقدم تلمسه الجماهير في كل مجالات الحياة في الزراعة والتصنيع وفي مجانية التعليم ، أهم من ذلك أن الشعوب العربية كانت موحدة ولها هدف واضح هو الخلاص من الرجعية العربية التي تعيق حركة التقدم ، والقضاء على إسرائيل كونها جسماً غريباً زرعه الاستعمار في قلب الوطن العربي ، وتحقيق الوحدة العربية ، فالجميع يدرك أن هذه الحدود الموجودة هي من صنع الاستعمار ولا بد من إزالتها وكذلك القضاء على الجمود والتخلف الذي يعشش منذ مدة طويلة. 
في تلك الأيام كانت مصر تكتب وبيروت تنشر وبغداد تقرأ . ولن أخوض طويلاً في التغني بأمجاد الماضي ولكن:
في تلك الأيام كان هناك أمل في مستقبل أفضل .
في هذه الأيام مات الأمل ، فلا أحد يرى بارقة الضوء في نهاية النفق المظلم.
من يرغب أن يكون غراب شؤم ينعق؟
ولكن في نفس الوقت من يرغب أن يكون نعامة تخفي رأسها في الرمال؟
فما الذي أوصل الوطن العربي الى هذه المرحلة من الانهيار؟
كثيرون أدلوا بدلوهم يبحثون ويحللون ، فمنهم من ألقى اللوم على الغرب ، أو إسرائيل ، أو الرجعية العربية، وبعضهم يرى ذلك في جزيئات بسيطة فيقول مثلاً لولا تخلف الاقتصاد أو التعليم، البترول هل نعمة أم نقمة؟ البعد عن الدين؟ أو التطرف الديني؟ والى غير ذلك
يقولون لولا هذا السبب أو ذاك لما وصلنا الى ما وصلنا اليه .
ولكن هناك أمور تعتبر أساسية وبعضها إنما ناتج أو محصلة لأسباب أهم.
في تقديري المتواضع أن أحد الأسباب الأساسية في المشكلة هو طبيعة نظام الحكم القائم في الوطن العربي والذي لم يتغير منذ 1400 عام.
وعدم انتباه مثقفي الطبقة الوسطى لهذا الأمر ومن ثم عدم تنبيههم وتوعيتهم للمحيط هي المشكلة ، وهذا ناتج عن درجة تطور المجتمعات العربية.
فمنذ أربعة عشر قرناً أي بعد نهاية دولة الخلافة الراشدة ، يعتمد الحكم على الفرد الأوحد الذي يأمر فيطيع الناس. إذ ليس مهماً عندهم أن يكون الحاكم متديناً أو زنديقاً ، سفاحاً أو ماجناً ، عاقلاً أو مجنوناً ، فالناس لا ينظرون الى صفاته بل الى عصاته الغليظة التي يستعملها.
مثل بسيط :
كان هناك حكام لم يؤمنوا بالدين الذي قامت عليه الدولة ، الإسلام ، ولكن بعض شيوخه ، حتى هذه اللحظة، ما زالوا يقولون (رضي الله عنه ) عندما يذكرون معاوية بن أبي سفيان أو ابنه يزيد ، وأجهل كيف يستطيعون تفسير رمي يزيد بن معاوية الكعبة بالمنجنيق ، والكعبة هي قدس الأقداس في الإسلام. وفي نهاية تبريراتهم اللامنطقية يقولون الله أعلم.
هل هذا تدين شديد ؟ أم إلغاء للعقل؟ أو تسليم مطلق للحاكم وعدم محاسبته، بل وتبرير أفعاله؟
لن نخوض كثيراً في التاريخ ولكن تكرست لدينا عبره مفاهيم لحكم الفرد لا توجد لدى الشعوب الأخرى. وأحد الأمثلة الساطعة على أننا لا نبالي ولا نفكر، ونأخذ كمسلمات تسمية الدول باسم الأسر الحاكمة فيها.
ما زلنا نسمي الدولة الإسلامية الثانية باسم الدولة الأموية ، ثم سمينا الثالثة بالعباسية وتلا ذلك الفاطمية فالعثمانية ، حتى الممالك الصغيرة التي نشأت أثناء ضعف الدولة المركزية سميناها أيضاً باسم أسرها الحاكمة.
بينما نجدهم في الصين مثلاً عندما يتكلمون عن التاريخ يقولون تاريخ الصين الفترة من كذا الى كذا، الأسرة كذا.
أما في تاريخنا الحديث فقد سرنا على نفس المنوال ، فسمينا الدول باسم عائلات وقبائل ، فقد سمينا اليمن الملكي قبل الجمهورية بالمتوكلية اليمنية ونسمي الأردن بالمملكة الهاشمية ونسمي الجزيرة العربية باسم قبيلة واحدة فنقول العربية السعودية.
لم يفكر أو يسجل اعتراضاً أي مفكر أو شيخ أو مثقف. فجيناتنا تقبل ذلك ولا نجد حرجاً أو غضاضة وكأن الوضع بدهيّ كقوانين الطبيعة.
يا لها من تركة ثقيلة ورثناها عبر التاريخ : صفة الخنوع . فما الذي يمكن تحقيقه ونحن نمتلك هذه الصفة؟
في تحليل الأوضاع العربية الحالية كان تفكيري يقودني الى أننا لا نزال نعيش في عصر القبيلة ، ولكن التفسير المعقول والأقرب الى المنطق، أننا ما زلنا في المرحلة التي تشبه عصر الإقطاع الذي مر على أوروبا قبل أن تتوحد هذه الإقطاعيات ( أو بالأحرى توحّد) في دول كبرى. 
كانت العائلات الكبيرة تمتلك قلاعاً تسمى باسمها ولها أراض تحيط بالقلعة حيث يعيش السكان المحليون. 
الإقطاعية الأوروبية القديمة هي عندنا دول لا يخرج تفكير حاكمها عن الاهتمام بشؤونه المعاشية والصحية والمالية. يتحكم في اقتصاد الإقطاعية وثرواتها ، رغم أن الجميع معدوموا الدراية بشؤون الاقتصاد.
وفي كل دول العالم، فإن الاقتصاد يتحكم في السياسة ، إلا في عالمنا العربي فالحاكم الأوحد يتحكم في الاقتصاد وفي تحديد أسعار ثروات بلاده، والحق أنه تاجر غبي لا يفقه ما يفعل وتضيع الثروات وتستنزف فيما لا طائل فيه. 
يعرف الحاكم أن الناس تكرهه فيعتمد على الأجنبي في تثبيت شؤون حكمه بالحماية المباشرة أو غير المباشرة .
وليس غريباً أمر( الإقطاعيين - الحكام ) هؤلاء. فكلهم بلا استثناء لا يفكر في التقاعد أو التنازل مهما بلغوا من العمر عتياً. ولا أحد يستطيع إجبارهم على ذلك.
في موريتانيا أطلق الرصاص على الإقطاعي وقيل إن هذا الإطلاق حدث أثناء الصيد!! فذهب الى باريس للعلاج وبقي هناك حتى شفي تماماً ولم يفكر أحد بالحلول مكانه ، كانت موريتانيا تكاد تتحول الى دولة ديمقراطية بفعل المعارضة النشطة فيها ، لولا هذا الإقطاعي الذي حبس أصوات الناس وأنفاسهم. فأصبحت الدولة الشبح التي لا أحد يتذكر أخبارها أو وجودها.
في الجزائر ولضرورة الحفاظ على الشكليات رشح الإقطاعي نفسه لولاية رابعة ، هذا الإقطاعي المريض المصاب بأكثر من جلطة دموية لا يستطيع الظهور مرة واحدة حتى أمام الشاشة الصغيرة ليخبر الناس أنه مرشح ، ومع هذا فاز بجدارة واقتدار وبالطبع لا يستطيع أن يشكر الناس كعادة المرشحين على ثقتهم الغالية.
في تونس كان الإقطاعي يستعمل زوجته وأقاربه لتجميع المال وكأنه لا يكفيه ما عنده من ثروات طائلة، ولكن من يستطيع محاسبته؟ وعندما ثار شعبه هرب ليحتمي بإقطاعي آخر ويعيش الآن مرفها بعيداً عن المساءلة والحساب.
في ليبيا تحول الثائر الجاهل الى إقطاعي مجنون ، كان ينقل خيمته بطائرة خاصة لينصبها في الدول الأخرى بعد أن يستأجر أرضاً خاصة لها. بعد مقتله تفتتت الإقطاعية فلم يترك وراءه سوى الخراب والجهل.
في مصر كان الإقطاعي مغتراً بنفسه الى حد كتابة اسمه على بذلاته التي يطعم ثمن الواحدة منها ألف عائلة لمدة شهر كامل. وهو صاحب القول : إما أنا أو الفوضى ، وهو لسان حال كل الإقطاعيين كما شاهدنا على الطبيعة ، فعندما مات صاحب القلعة انهارت وراءه، رأينا ذلك في الصومال ونراه اليوم في ليبيا واليمن. 
في السودان فقد الإقطاعي نصف أراضيه وشجع الاقتتال الداخلي بين سكان اقطاعيته حتى وصل الأمر الى محكمة العدل الدولية التي طلبته للتحقيق ، ولكنه ما زال يصول ويجول ويزور الإقطاعيات الأخرى وبراءة الأطفال في عينيه. بينما نجد أن دولة مثل صربيا قدمت رئيسها ميلوسيفتش للمحكمة الدولية. وبغض النظر عن الكرامة أو الإهانة ، والنخوة العربية ، من الذي يستحق الحياة والاستمرار الشعب أم الرئيس؟ وهذا هو الفرق بين الدولة والإقطاعية.
في الأردن انتبه الإقطاعي الراحل الى أن ابنه أحق بالإقطاعية من أخيه ، بجرة قلم أمر، فأطاعت الإقطاعية. في سوريا تحركت الإقطاعية شعوراً بالوفاء للإقطاعي الراحل فقامت بتعيين ابنه صغير السن مكانه وتم تغيير الدستور من أجل ذلك.
لن نستطيع ظلم هذا الإقطاعي الصغير فهو الوحيد الذي يرفع راية الممانعة ضد الوجود الإسرائيلي ، تكالب عليه الإقطاعيون الذين يكرهونه واستطاعوا احتلال القسم الأكبر من الإقطاعية بعد أن تم تدميرها. الغريب في الأمر أن أعداءه بلا استثناء لا يطالبون بتغيير نظام الحكم بل يطالبون برحيله شخصياً ليُحلوا محله إقطاعي آخر.
في الجزيرة العربية مات الإقطاعي الجاهل ليحل محله جاهل آخر ، الجاهل الراحل ومع أنه يمتلك كل شيء إلا أن ثروته الخاصة قدرت ب 22 مليار دولار، أما الجاهل الجديد فقد أشعل حروباً في كل مكان وربما دون أن يعلم ستكون بداية النهاية للحكم الإقطاعي هناك
ولكن منتهى الغرابة، ومن نوع شر البلية ما يضحك، يصادفنا مع السلطة الفلسطينية التي يتوهم الإقطاعي الكبير فيها أنه يمتلك إقطاعية ، ولا شك أن تحول حركة ثورية مثل حركة فتح الى قطيع حراسة للاحتلال، ليستدعي الدراسة الجدية فهو يدخل في مجال علم النفس، في تأثير حياة المخيم على الجيل الثاني من الطبقة الوسطى المهجرة وحالة الفراغ والبطالة التي عاناها شباب المخيمات ، فلم يكن أمامهم سوى المذياع والمقهى ولعب الورق والاستماع بحسد الى قصص نجاح بعضهم الذي سافر الى الخليج واغتنى هناك، ولكن مما لا شك فيه أن ميوعة المباديء الثورية وعدم الضبط والربط فيها وتشجيع الفساد بغرض شراء الولاء كان السبب فيما آلت اليه حركة قاد زعماؤها الشعب الفلسطيني الى الهاوية. 
هذا غيض من فيض من مظاهر الإقطاعيات العربية التي تخلفت بسبب إقطاعييها ومعظمهم عملاء وموظفون لدى مخابرات الدول الكبرى.
وماذا عن علاقة الإقطاعي بالطبقة الوسطى ؟ إنها علاقة السيد بالمسود ، فهذه الطبقة ما تزال تقدم للإقطاعي الخدم والحشم عندما يطلب.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:
هل سمع أحد عن رئيس وزراء اختلف مع الإقطاعي فقدم استقالته؟
هل سمع أحد عن وزير اعترض على السياسة العامة فقدم استقالته؟
فيما عدا لبنان الذي يشكل حالة خاصة هي ديمقراطية توازن الطوائف وإقطاعية البحرين التي يحكمها رئيس الوزراء منذ خمسين عاماً (وهو الإقطاعي الحقيقي ).
والجواب : لا يوجد .
وللإنصاف فقد سرت إشاعة أن عصام شرف الذي كان وزيراً في إحدى حكومات مبارك قدم استقالته ، وعندما زار الميدان أثناء ثورة 25 يناير اصبح رئيساً لوزراء الثورة ولكنه كان مخيباً للآمال ، كيف لا وهو الذي اعتاد على تقبل الأوامر وإطاعتها ؟
في كل إقطاعية تجد عدداً كبيراً من الوزراء السابقين الذين تمت إقالتهم بسبب مزاج الإقطاعي وأهوائه وليس للأمر علاقة بالكفاءة أو النشاط أو الذكاء. فهذا ليس بمقياس للتعيين في الوزارة وإنما المقياس هو الولاء والطاعة العمياء.
ولهذا يستحقون صفة الخدم وليس هناك صفة أخرى تناسبهم، ولعل المثل الساطع على ذلك نجده في المغرب حيث تحول رئيس الوزراء الإسلامي القادم عن طريق انتخابات شهدتها الإقطاعية بسبب الخوف من أحداث الربيع العربي الى قط أليف في بلاط الإقطاعي.
زاد الفساد وزادت البطالة وزاد الفقر في الإقطاعية ، وبعد ذلك يلومون الناس على الثورة وحرق الأخضر واليابس.
بعد هذا الاستعراض المختصر لنظام الحكم العربي ينبغي أن نسأل أنفسنا سؤالاً في غاية الأهمية :
كم حاكم عربي عمل من أجل مصلحة شعبه ولم يفكر بمصلحته ومصلحة عائلته؟
وللأسف لن نستطيع أن نكمل عد أصابع اليد الواحدة !
وربما كانت أسهل طريقة لمعرفة إخلاص الحاكم وحبه لوطنه هي عند موته ، فإن مات فقيراً فهو ابن شعبه
ولكنه وحسب درجة التطور التي وصلنا اليها هو من نوع المستبد العادل على أكثر تقدير.
كان جمال عبد الناصر وهواري بومدين علامتين بارزتين على طريق تغيير مجتمعاتهما. ولكن هذه الشعوب في حاجة الى تتابع سلسلة من الحكام العادلين لتغيير الأوضاع البائسة .
قد يأتون أو لا يأتون في الغالب كما نرى على أرض الواقع.
كان الأمر يحتاج الى القيام بثورة ثقافية للتخلص من الموروثات القديمة ، فبناء الإنسان الحديث القادر على مواجهة تحديات العصر لا يقل أهمية عن بناء المصانع والمزارع.
لم يحدث هذا فرجعت الأمور الى وضعها السابق بعد موت الحاكم المخلص .
ما نشاهده اليوم نجاح أكثر الأنظمة العربية تخلفاً متمثلة في النظام السعودي وحلفائه في جر المنطقة وشعوبها الى أتون الحرب الطائفية ، وهو ما كانت تسعى له منذ فترة طويلة بالتعاون والتوجيه المباشر من إسرائيل والغرب.
ولأول مرة تصبح الشعوب نفسها في خطر محدق .
فعندما يتم تهجير الملايين وتجويع من تبقى وقتل الشباب بعضهم بعضاً ، بعد النجاح في حشو رؤوس بعضهم بأفكار متخلفة ، يصبح مستقبل الأمة في مهب الريح.
ما نلاحظه أن هناك قتلاً ممنهجاً يحدث كل يوم في كثير من المناطق العربية ويقوم النظام السعودي بإدارة هذا القتل إما مباشرة أو بتمويل أفراد ومجموعات تم غسل أدمغتها بعد أن أصابها اليأس في حياة كريمة حرة، فتقوقعت على نفسها ثم انفجرت في وجه مجتمعها، وبعد ذلك تتم تصفيتهم كإرهابيين .
لم نفكرأبداً في الأسباب الحقيقية لهذه الأورام المتفجرة في مجتمعاتنا، وهو وصول النظام العربي القائم الى طريق مسدود. 
وما يؤسف له أن كثيراً من المتعلمين ينجر دون تفكير الى المربع الطائفي فهو إما مؤيد أو معارض وتم نسيان هدف الأنظمة الرجعية الحقيقي وهو الحفاظ على ثرواتها المسروقة من شعوبها.
قبل التطرق لما يمكن عمله ، لا بد من تحديد الأخطار المحدقة بالأمة وما هو المستقبل المراد لها.
أولاً: استمرار الصراعات المسلحة الى ما لا نهاية ما دامت النتيجة مضمونة وهي أن يقتل الناس بعضهم بعضاً فلا تقوم للشعوب قائمة لأمد طويل.
ثانياً: أن تكون إسرائيل مستقبلاً هي القوة العسكرية والاقتصادية المسيطرة في المنطقة، ولعل أبرز مثل تم فعلاً هو الاتفاقية التي وقعها الأردن مع إسرائيل لوصل البحر الأحمر بالميت والتي جاءت لصالح إسرائيل بشكل كامل نظراً لأن الأردن الضعيف غير المحمي من أشقاءه العرب لا يستطيع عمل إتفاقية ندية. 
ثالثاً: أما الفسيفساء من الدويلات المتصارعة التي ستتكون، فإنما هي سوق للصناعات الإسرائيلية المتقدمة سواء كانت صناعة الأسلحة أم الحواسيب والتكنولوجيا المتقدمة ، وفي حالة تقهقهر إحدى الدويلات فإن إسرائيل تدعمها لتنهض على قدميها لتستمر في صراعها مع غيرها. وليس ببعيد مثل معالجة جرحى الفئات السورية المتصارعة في المستشفيات الإسرائيلية للزج بها ثانية في أتون الحرب المستعرة. ولن ننسى سماعنا لكلمات شكر الجرحى العرب لإسرائيل الحنونة التي عالجتهم، وزودتهم بالسلاح والعتاد.
هذا المخطط المعد بعناية من العالم الأول لرسم مصير المنطقة يجري تنفيذه بروية وباقتدار وبتدرج عبر مدة طويلة من الزمن وبمساعدة الأنظمة الرجعية الجاهلة التي لا يهمها سوى مصالحها الشخصية.
في هذه الصورة الضبابية الكالحة، لا زال الأمل قائماً لتغيير هذا المستقبل المظلم.
هذا الامل موجود في شعب مصر الذي عرف معنى وطعم الثورة لأول مرة في تاريخه في 25 يناير، ثورة شعبية شاملة ضد الفرعون. ومما لا شك فيه أن تأثير هذه الثورة سيظل يدوي لمدة طويلة في المستقبل وستظل شعارات الثورة (عيش حرية عدالة اجتماعية) حية الى الأبد.
ولكن نظراً لضعف القوى الثورية وتهلهلها فقد انتكست الثورة. ولكن الى متى يستطيع أحد مهما كان جبروته حبس المارد في القمقم؟
يراد لهذا المارد أن يظل مريضاً جائعاً مهلهلاً حتى لا يستطيع أخذ دوره الإقليمي ، فمصر هي القاطرة التي تجر العربات العربية وهذا ليس كلاماً من باب التمني أو الحلم. ولكنه وقائع التاريخ والجغرافيا والسكان .
ولكن سنظل ندور في نفس الحلقة إن لم نغير إتجاه البوصلة. فليس الهدف تغيير إقطاعي بآخر مهما كان عظيماً، ولهذا فالمطالبة بأن تكون رئاسة الدولة منصباً شرفياً (يملك ولا يحكم) إنما هي العلاج الوحيد لأزمة الحكم في مصر والعالم العربي.
ولنا في الهند التي يشبه وضعها أوضاعنا، المثل الأعلى وكيف تقدمت وبقينا نراوح مكاننا بعد أن كنا في نفس المستوى قبل خمسين عاماً.
وقد يكون نظام الحكم الحالي مقبولاً في العصور القديمة فهو يتماشى مع النمط السائد على الأرض ولكن استمراره الآن أصبح مسألة حياة أو موت في الوتيرة المتسارعة للحياة الآن في عصر الفضاء والبحث العلمي والأسلحة المتطورة.
ما يحدث اليوم وفي طبيعة النظام الحالي القائم، هو حرمان الطبقة الوسطى من الحكم. فهي أولاً الطبقة الوحيدة المؤهلة للحكم نظراً لعدم وجود طبقات أخرى، وإن وجدت فهي إما في غاية الضعف أو التشرذم.
وحكم الطبقة الوسطى يكون عبر رئيس وزراء مسؤول أمام مجلس نواب مع حرية كاملة في تكوين الأحزاب والنقابات واستقلال الصحافة. وعندما تكون مسؤولية رئيس الوزراء أمام مجلس النواب وليس الحاكم تختلف المعادلات كلية ، فرئيس الوزراء مهدد بالطرد من منصبه إن هو تهاون أو قصر ولن يكون المعيار الإخلاص والطاعة للحاكم كما يحدث الآن.
يحتاج الأمر الى اقتناع المثقفين بهذا التغيير الجوهري في طبيعة النظام ورغم أنه يبدو تغييراً بسيطاً إلا أن تحقيقه يحتاج نضالاً مريراً وطويلاً ، فهو بداية الثورة الثقافية التي نحتاجها للانطلاق الى المستقبل.
وخلاف ذلك فسوف نظل ندور حول أنفسنا نتلقى الصفعات ولا نعرف وليس لنا القدرة على ردها. 
إرسال تعليق