في آخر الغرفة ثلاث كنبات، جلست في أقربها كي أتابع التحقيق، وأتمكن ولو قليلاً من رؤية وجه زميلي، وإرسال رسائل تطمين له بالرغم من علمي اليقين بأنه لا اطمئنان.. لا اطمئنان على الإطلاق.
يبدأ التحقيق؛ الصمت أقسى من الحديث، والكلمات رصاص صامت. أتدخل مرات فيطلب المحقق عدم الحديث إلا بعد انتهاء التحقيق. أمازح زميلي، أحاول بكل جهد أن أشغل مساحة الصمت والأسئلة التي ليس لها إجابات.
تمر ساعات وأنا أحاول أن أتجاوز إحساس الصقيع في جسدي والذي لا أعرف مصدراً له: هل هو المكيف، أم صوت زميلي وهو يبكي عندما سأله المحقق عن أطفاله؟
تتساقط الدموع من عينيه زخات، يدور بوجهه في الغرفة ويسرق نظرات قليلة لنا، يريد فقط أن يطمئن على صغاره: ماذا يفعلون؟ هل ذهبوا لمدارسهم؟ أكلوا أم اعترضوا على الأكل؟ ماذا قالت لهم أمهم عنه؟ هل أخبرتهم أنه سافر ولا تعرف موعد عودته، أم أنها لم تجد إجابة عن أسئلتهم؟
يستكمل المحقق الأسئلة؛ السؤال ذاته بعشرين صيغة، والإجابة واحدة: "لم أفعل إلا أنني صحفي".
تمر الساعات وأتذكر أن ابنتي هي الأخرى لا تعرف عني شيئاً. تتوالى الأسئلة على ذهني؛ أنا التي أعرف أنني لحينٍ سأعود إليها، وأنني تركت لها أكلاً مجهزاً في الثلاجة وأعلم جيداً أين هي الآن، لكني مؤقتاً ليس لدي هاتف كي أتصل بها. يشرد ذهني هرباً من ملل الثماني ساعات، أتذكر آخر نكتة قالها لي ابني شادي ليلة أمس، أبتسم لكني في أقل من الثانية أتراجع على الفور، أتذكر دموع زميلي وأحبس نفسي مرات، وكل مرة تغلبني الدموع أتذكر: "أنا هنا لأسانده، ليس لأبكي!".
تمر الساعات ويطلب لنا المحقق البوفيه، فأطلب القهوة حيث دماغي أصبحت لا تتحمل أكثر من ذلك، فقد فتك البرد بجسدي ودموعي تغالبني. تذكرت: كيف لي أن أتذمر وأنا بعد ساعات كثيرة أو قليلة يمكنني الخروج وطلب القهوة ورؤية ابنتي والاتصال بابني، بينما زميلي جالس أمامي وأنا أعلم أنه لن يعود الآن.. ليس الآن؟
تتردد في ذهني عشرات الأسئلة: لماذا كل هذا؟ هل تستحق الصحافة الحرة كل ذلك؟ هل يدرك الناس ما ندفعه من أعمارنا وحريتنا كي تظل الصحافة؟
أستأذن في كوب شاي لزميلي، يأخذه ويداه ترتعشان، يقترب بأنفه من الكوب كأنه التقى حبيبته بعد سنوات، يشم رائحتها، يشربها على مهل، يخشى أن ينتهي الكوب. أقطع التحقيق وأسأله: "ما قصة الحب بينك وبين كوب الشاي؟"، يجيب: "16 يوماً لم أذق كوب شاي واحد".
يزداد البرد في جسدي، وينتهي التحقيق. أخرج من هذه الجدران الصماء التي لا تحمل إلا ذكريات العجز، أستنشق الهواء لكن صدري أُغلق لا أستطيع التنفس، فالهواء يحمل قمعاً، يحمل صوت بكاء زميلي، قلقي الذي لا ينتهي، الخذلان من الحياة، وعشرات الأسئلة: هل تستحق؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق