في المسألة الأرمنية بقلم د. فادي وهبة

خلال الحرب العالمية الأولى، اتخذت الدولة العثمانية قرارًا بنقل جزء من الأرمن من مناطق القتال إلى مناطق أخرى داخل الدولة؛ أولًا لحمايتهم من ويلات الحرب، وثانيًا كإجراء عسكري احترازي لحماية الجبهة الداخلية في مواجهة التقدم الروسي. وتؤكد الوثائق العثمانية والدولية أن هذا الإجراء سُمّي رسميًا “النقل” و“الإسكان”، وهي نقطة جوهرية تعمّد خصوم الدولة طمسها، إذ أعادوا تسميته لاحقًا بـ“التهجير” في مخالفة صريحة للحقائق التاريخية والسياسية الموثقة.

ولم يكن القرار معزولًا عن سياقه، بل جاء نتيجة تمردات دامية وأعمال مسلحة نفذتها جماعات أرمنية سبقت القرار بسنوات، في ظل سعي حثيث لبعض الحركات القومية الأرمنية—بدعم قوى خارجية—لإنشاء كيان مستقل في شرق الأناضول، وهو ما أسفر عن مقتل آلاف المسلمين من الأتراك والأكراد والعرب على أيدي تلك العصابات. كما تشير الوقائع إلى تعاون مجموعات أرمنية مع الجيش الروسي أثناء الحرب، وتنفيذ هجمات على خطوط الإمداد والمناطق الخلفية، في خضم معركة بقاء كانت تخوضها الدولة.

وفي هذا السياق، تبرز محاولة اغتيال السلطان عبد الحميد الثاني في 21 يوليو 1905، عبر تفجير استهدف موكبه عقب صلاة الجمعة في إسطنبول، وأسفر عن مقتل 26 شخصًا وإصابة العشرات، بينما نجا السلطان. وتُعد هذه الواقعة شاهدًا صارخًا على تصاعد العنف المسلح لبعض التنظيمات الأرمنية قبل الحرب بسنوات.

أما تاريخ 24 أبريل 1915، الذي يُستدعى سنويًا، فلم يكن بداية التهجير كما يُروَّج، بل اقتصر

د فادي وهبة

على قرار بإغلاق منظمات أرمنية متحالفة مع العدو الروسي، واعتقال نحو 235 من قياداتها في إسطنبول، بعد تورطها في أعمال قتل واعتداء على قرى متتالية من الأتراك والأكراد. ثم جاء قرار النقل في 27 مايو 1915، في سياق تصاعد تلك الجرائم وخطرها المباشر على الأمن الداخلي.

ما جرى بين 1915 و1917 كان جزءًا من حرب طاحنة لا ترحم، شهدت خسائر بشرية فادحة من جميع الأطراف. وتشير الروايات إلى أن أعدادًا من الأرمن لم يشملهم النقل، وأن الدولة أصدرت أوامر صريحة بحمايتهم ومعاقبة المتجاوزين. كما يؤكد عدد من الباحثين أن ما حدث لا ينطبق عليه تعريف “الإبادة الجماعية” وفق الأمم المتحدة عام 1948، الذي يشترط وجود نية مبيتة للإبادة الكلية أو الجزئية.

وفي هذا الإطار، يصف أوليغ كوزنيتسوف مزاعم الإبادة بأنها “تلفيق”، معتبرًا أن النقل كان إجراءً عسكريًا شبيهًا بما اتخذته دول أخرى في زمن الحرب، وأن الوثائق لا تثبت نية للإبادة. كما ينفي ماكسيم غوان وجود مذابح ممنهجة، مشيرًا إلى إعفاء أعداد كبيرة من الأرمن ووجود أوامر بحمايتهم. بينما يذهب شهرت بارلاس إلى وصف الرواية الأرمنية بأنها “أكبر كذبة”، مؤكدًا أن الوثائق لا تدعمها. ويرى سيمون كوبادزي أن ما حدث كان صراعًا في زمن حرب لا إبادة مخططة، فيما يؤكد ميشيل غونتر أن المرحلة شهدت عنفًا متبادلًا وخسائر للطرفين، وأن تجاهل هذا السياق يُفرغ التوصيف من دقته.

وبحسب هذه القراءة، فإن تعاون بعض الجماعات الأرمنية مع القوات الروسية، وتصاعد التمردات والهجمات الداخلية، دفع الدولة العثمانية لاتخاذ إجراءات أمنية متدرجة بدأت في 24 أبريل 1915، ثم تُوِّجت بقرار النقل في 27 مايو.

أما ما يُعرف بملف “المذبحة”، فقد استُهلك بحثًا وإعلامًا، وغالبًا ما يُستدعى بتوظيف سياسي مكثف. بل إن إعادة فتحه بهذا الشكل تكشف، في كثير من الأحيان، عن تناقضات لا تخدم الرواية الأرمنية بقدر ما تضعها تحت مزيد من التدقيق. وعلى سبيل المثال فإننا في مصر اضطررنا إلى إحياء الحقيقة القائلة بأن الأرمن كانوا هم الطائفة الوحيدة التي خانت المصريين في ثورة ١٩١٩ بينما كان الإنجليز المقيمون يلتزمون الحياد ولم يساعدوا عسكر الإنجليز المحتل، 

كانت خياناتُ الأرمن لتركيا وللشرق الاوسط متكرّرة عبر التاريخ.

هل تعلم أنّ الأرمن انضمّوا إلى جيش المغول في غزو الدولة العباسية وصولا حتي شرق اوروبا؟

هل تعلم أنّهم ساعدوا في سقوط دولة السلاجقة في آسيا الصغرى أمام الجيوش الصليبية؟

... هذا فضلًا عن خياناتهم للأتراك خلال حروب القرم مع الروس.

ما أهمية استدعاء المسألة الأرمنية؟

تكمن أهميتها في أنها تُقدَّم كنموذج يتكرر كلما ضعفت الدول، حيث تُستَخدم بعض الأقليات في بلادنا كأدوات في صراعات أكبر، فتتشكل تحالفات لهم موصومة بالخيانة مع قوى خارجية معادية لأوطانهم، لتتحول إلى معاول هدم داخل أوطانها.

يتكرر المشهد ذاته: روايات متضاربة، كثير منها مُحرَّف أو منزوع من سياقه أو مُضخَّم، يقابله توظيف سياسي وإعلامي للتحريض، وضخ للأموال لإشعال الفتن وصناعة صدام يفتت بنية المجتمع.

وليس هذا بجديد؛ فالتاريخ يعجّ بنماذج مشابهة، مثل خيانة #المعلم_يعقوب مع الحملة الفرنسية في مصر، وضلوعه هو وأتباعه في قتل المصريين ومحاولة تسليم البلاد المصرية للغزاة ومازلنا نري من هم علي شاكلته في الخيانة حتي الان في من يطلقون علي انفسهم #اقباط_المهجر، في واحدة من أكثر صفحات التاريخ إثارة للاشمئزاز حول معنى الولاء والخيانة وحدود الصراع.

الخلاصة أن قراءة التاريخ ليست ترفًا، بل ضرورة؛ لفهم كيف تعيد الوقائع نفسها بأقنعة جديدة. وكما يُقال: من لا يقرأ التاريخ، يُحكم عليه أن يعيشه من جديد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق