انتقد محمود أبو العيون، محافظ البنك المركزي المصري الأسبق، بشدة مقترح "المقايضة الكبرى" لديون مصر عبر نقل أصول مثل إيرادات قناة السويس للبنك المركزي مقابل الديون، واصفًا إياها بمناقلة محاسبية خطيرة. وحذر من أن هذه الخطوة تحول البنك المركزي من دائن إلى مدين، تقوض استقلاليته، وتعرضه لمخاطر عوائد غير مضمونة.
اعتبره ابو العيون الفكرة بأنها
مجرد "نقل ديون" من وزارة المالية للبنك المركزي، مما لا يحل أصل الأزمة المالية، ووصفها بأنها تهديد استقلالية البنك المركزي وأن تحويله من مؤسسة نقدية رقابية إلى مدين للمصارف أمر غير مسبوق وخطير، محذرا من الاعتماد على إيرادات قناة السويس لأنها متقلبة وتتأثر بالاضطرابات الجيوسياسية، مما يضع المركزي في مأزق تمويلـي.
دعا أبو العيون إلى رفع كفاءة التحصيل الضريبي، وضع سقف قانوني للدين العام، وضبط الإنفاق الجاري، بدلاً من المناورات المحاسبية.
وكان رجل الأعمال حسن هيكل بنقل ملكية هيئة قناة السويس إلى البنك المركزي المصري مقابل تصفير الديون المحلية، في ظل دين عام يقترب من 377.8 مليار دولار، ودين محلي تضخم حتى بلغ 11.057 تريليون جنيه بنهاية يونيو 2025، وفوائد تلتهم معظم إيرادات الموازنة.
هيكل، نجل الكاتب الشهير محمد حسنين هيكل وأحد رجال أعمال عصر حسني مبارك، طرح فكرته في منتدى اقتصادي بجامعة القاهرة ثم على شاشة قناة "القاهرة والناس"، مقدِّمًا مقترحه على أنه إعادة هيكلة جذرية للدَّين بدلًا من مواصلة تدويره.
لكن الطرح ما إن خرج للعلن حتى فتح بابًا واسعًا لتساؤلات حادة حول العلاقة بين إدارة الديون والسيادة على القناة، وربط الحاضر بمخاوف قديمة من تكرار سيناريو القرن التاسع عشر حين قادت الديون إلى تدخل أجنبي واحتلال مباشر.
يقوم المقترح على أن يتولى الجهاز المركزي للمحاسبات تقييم هيئة قناة السويس، مع ترجيح أن تصل قيمتها إلى نحو 200 مليار دولار، ثم تُنقل تبعيتها وملكيتها إلى البنك المركزي المصري.
وبموجب هذا التصور، يعتمد البنك المركزي على عوائد القناة السنوية المقدرة بنحو 10 مليارات دولار في سداد أقساط وفوائد الدين المحلي، بدل تحميلها للموازنة العامة ووزارة المالية، بما يعني عمليًا فصل عبء الديون عن الموازنة وتحويل القناة إلى أصل مالي مباشر في معادلة الدَّين.
في هذا السياق، يبرز طرح الخبير الاقتصادي هاني توفيق الذي دعا في يناير 2023 إلى طرح سندات دولية بضمان إيرادات قناة السويس لتوفير نحو 60 مليار دولار لسداد جزء من الديون.
ورغم أن هذا الطرح لا يمس ملكية القناة مباشرة، فإن مجرد استخدام إيراداتها كضمانة للدائنين الدوليين أثار وقتها موجة من القلق، واعتبره كثيرون خطوة على طريق تحويل القناة إلى “رهينة” في يد أسواق المال العالمية.
ما جعل مقترح حسن هيكل يبدو للبعض امتدادًا أكثر جرأة في الاتجاه نفسه، من ضمان الإيرادات إلى نقل الملكية ذاتها.
هذه المخاوف تتقاطع مع ذاكرة تاريخية ثقيلة: من امتياز فرديناند ديليسبس لمدة 99 عامًا، وما تبعه من تزايد الديون والتدخل الأجنبي، إلى بيع حصة مصر في القناة عام 1875، ثم احتلال إنجلترا عام 1882، وصولًا إلى عدوان 1967 على سيناء، ومرورًا بنقاشات حديثة حول مشاريع منافسة لحركة التجارة العالمية مثل طريق بحر الشمال الروسي، و”ممر بايدن”، ومشروع “طريق التنمية” العراقي–التركي، التي تهدد المكانة الاحتكارية للقناة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق