في غرة الخريف، وعام سبعة عشر بعد الألف والخمسمائة المنيف، انبرى رجل يهودي، لكاهن اتخذ الدين وصكوك الغفران تجارة للغواية. فوقف أمامه ثابت الجنان، طلق اللسان، وهتف في جرأة تحار لها الأذهان: «بعني جحيمك، وتنازل عن لظاك!»
فبهت الكاهن واضطرب، واستبد به العجب؛ وهو الذي مرن على بيع سراب الجنان، وعهود الغفران، بحفنات من صفوة العقيان. بيد أن الطمع أغوى بصيرته، وأعمى سريرته، فظن السائل قد فقد رشده، وباعه "النار" بأبخس الأثمان، ومهر له صكاً بملكية النيران!
فانثنى اليهودي شطر الساحات، واعتلى منبراً ليسمع الجهات، وصَدَح في الملأ بصوت بدد السبات:
«يا أيها الناس، لقد حزت النار بأسرها، وقبضت على زمام حرها! فبدل أن تنفقوا كرائم أموالكم على الكاهن لشراء جنة موهومة، هلموا إلي؛ أبيعكم صكاً بأربع فضيات مرسومة، يحرمكم على ناري حرمة محتومة!»
فانقلب المشهد وتبدل الحال، وانفضت الجموع عن الكنيسة خفافاً وثقال، وتهافتوا على بائع النار تهافت الظمآن على الزلال، يشترون منه الخلاص بأيسر نوال.
وهنالك، طاش صواب الكاهن حين بارت تجارته، وانطفأت زعامته، وخوت من المريدين كنيسته. فخرج حيران يتخطى الرقاب، ليُبصر الخلائق وقوفاً على الأبواب، يلتمسون عصمة العذاب!
فهرول نحو اليهودي كسير الجناح، وصاح في استعطاف وإلحاح: «من أي فج جئتني بهذا البوار؟ أكسدت سوقي، وقطعت دون الجنة المسار! خذ ما شئت من خزائني، ورد علي النار!»
عند ذلكم المفترق المهيب، تمزق حجاب الوهم العجيب، وهبت أوروبا من رقدة الكهنوت العميقة، وثار الشعب ليُبصر الحقيقة؛ إذ تاجر الكاهن بالغفران والخطية، فاقتلعوا جذور الاستبداد والصليبية، وحرروا عقول العباد. ثم ولوا وجوههم شطر مشاعل النور، في حواضر الإسلام ومهد العصور؛ إلى رياض الأندلس الزاهرة، وبغداد ومكتباتها العاطرة.
فنهلوا من "مناظر" ابن الهيثم أسرار الضياء، وكيف يسري النور في الأرجاء، فصنعوا العدسات وقربوا القاصي من الأشياء.
واستلهموا من مخطوطات عباس بن فرناس جسارة التحليق، وديناميكا الريح في كل طريق، فأرسوا قواعد الطيران العتيق.
وجعلوا "قانون" ابن سينا للطب إماماً ومناراً، ولفهم الأدواء والتشريح مساراً.
ومن "تصريف" الزهراوي أخذوا مشارط الجراحة وأدواتها، فداووا العلل في أعتى حالاتها.
واستضاؤوا بعبقرية الجزري في حيل الميكانيكا الدقيقة، فبنوا محركات الثورة الصناعية لتصبح حقيقة.
واغترفوا من "جبر" الخوارزمي صفره والأرقام، وخوارزميات سيرت سبل الأيام، وغدت اليوم لعقل الحواسيب والذكاء الاصطناعي خير قوام.
هكذا، بحيلة رجل اشترى الجحيم، استفاق العقل من رقدته وهو سليم، ففُصلت فرية الخلاص والخطية عن كهنوت السياسة، وانقشعت غيابات الوهم والتعاسة. لتتجلى علوم المسلمين كأعظم ينبوع أضاء الظلمات، وأجلّ منار شُيدت عليه النهضات؛ فكانت عبقريتهم المعرفية هي الأصل الأصيل، والزاد النبيل، الذي اغترفت منه أوروبا زلال العلوم، واستقامت على هداه أركان الفهوم. غير أنه في عصرنا المشهود، وتحت بزوغ اليمين المتطرف المعهود، وعودة الخطاب الكنسي السائد؛ يلوح في الأفق أن القوم سيعودون كما كانوا في القديم، ينقادون للشعارات انقياد الهيم، ويشترون صكوك الغفران المجددة من جديد... من ذات التاجر المريب!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق