فادي وهبة يكتب عن سرابُ اللغة القبطية


هل فعلاً القبطيةُ وريثةُ الغزاة؟

​تسللت بخبثٍ أسطورةٌ حاولت جاهدةً خداعَ الكثيرين، مفادُها أن اللسان القبطي هو النقاءُ الفرعوني في أبهى تجلياته. غير أن النظرة الثاقبة لمُتُون التاريخ تكشف عن حقيقةٍ أكثر صرامة: إن ما يُدعى اليوم "اللغة القبطية" ليس سوى

هجينٍ لغوي، تشكّل في أرحام بضع مئات من الأعوام تحت الاحتلال البطلمي ثم الروماني؛ فجاء صدى لغربةِ الوطن تحت أقدام الغزاة، في مواجهة عشرة آلاف عامٍ من الهوية المصرية الأصلية.

كيف فقدت اللغة المصرية أصالتها حتى اختُزلت في حروف الإغريق؟ لقد تشكّلت القبطية بتبنّي الأبجدية اليونانية بالكامل، مع إضافة سبعة حروف فقط من الخط الديموطيقي المصري القديم لنطق الأصوات التي عجزت اليونانية عن التعبير عنها. ولم يتوقف الأمر عند رسم الحروف، بل امتدّ ليتغلغل في عمق اللغة؛ فامتلأت المفردات القبطية بالكلمات والمصطلحات الإغريقية، وخضع البناء النحوي وقواعد الجملة للتأثير اليوناني المباشر. لم تكن تلك مجرد استعارة عابرة، بل كانت تحولاً جوهرياً جعل اللسان المصري يرتدي ثوباً يونانياً صريحاً، ويتحدث بأدوات المحتل في موطنه الأصلي.

وهنا تتجلى واحدةٌ من أشدِّ مفارقاتِ التاريخِ إثارةً للذهول والاستغراب: كيف استحالت لغةُ المحتلِّ البيزنطيِّ والرومانيِّ إلى لسانٍ مقدّسٍ تعتصمُ به الكنيسةُ الأرثوذكسيةُ وتجعله وعاءً لطقوسها وصلواتها؟ إن الكنيسة المصرية، في لحظة ذهولٍ تاريخي، احتضنت هذا النتاج اللغوي! كيف تُصانُ وتُرَدَّدُ في القداساتِ لغةٌ صِيغَت أحرفها ومفرداتها في أكاديمياتِ الغزاة الذين ساموا المصريين سوء العذاب، واضطهدوا إيمانهم؛ سواءٌ المسيحيَّ منه أم إيمانَ الأغلبية التي بقيت على دين أجدادها القديم والأصلي؟ إنه تناقضٌ يبعث على العجب؛ إذ تحوّل الوعاءُ اللغوي للجلّاد إلى رمزٍ مقدّسٍ لدى الضحية!

إن اللغةَ ليست مجرد أداةٍ للتواصل اليومي، بل هي لسانُ المعرفة، والمعرفةُ هي العمادُ الأوحد لبناء الحضارة. وحين نزنُ التاريخ بميزان المنتج البشري والفكر الإنساني، تبرز الحقيقة الجلية: عندما تحدث المصري باللغة المصرية القديمة، صاغ إمبراطوريةً هندسيةً وفكرية غيرت مجرى التاريخ وعلّمت العالم كيف يُشرق نور الحضارة. وعندما أتقن اللسان العربي، شاد صروحاً من العلم والفلسفة والعمارة، وقاد القاطرة الإنسانية في أزهى عصورها.

وعلى النقيض التام، تحت مظلة العصر القبطي ومحدودية لسانٍ كبّله الضعف الركيك وافتقر إلى الثراء التعبيري، انحسرت الفاعلية الحضارية للمصري؛ فلم يضف هذا اللسان الهجين شيئاً يُذكر للإنتاج الإنساني، ولم يُسهم في فتحِ آفاقٍ علميةٍ أو معمارية تعيد رسم وجه التاريخ. لقد كانت تلك اللغة وعاءً ضيقاً كسيحاً لم يتسع لرحابة الفكر والعلم، ليثبت التاريخ أن اللسان المحدود لا يصنعُ أمة، وأن العقم اللغوي يثمر حتماً عقماً حضارياً.

وعلى النقيضِ من هذا الرقاع الملتصق بقشرة الإغريق، تبرز الحقيقةُ اللغوية الأزلية: إن اللسانَ المصري القديمَ في جوهرِ بنياه وشدوِ صوتِه أقربُ إلى العربيةِ منه إلى تلك القبطيةِ الممزوجة باليونانية.

تجمعهما رَحِمٌ لغويةٌ واحدة تنتمي إلى شجرةِ اللغاتِ الأفروآسيوية؛ حيث تتلاقى أنفاسُ الحروفِ الحلقية من عينٍ وحاء، وتتشابكُ الجذورُ الثلاثيةُ في نسيجٍ بنائيٍ واحد، لا عهدَ للسانِ الإغريقي الهندوأوروبي به.

ومن هذه القرابةِ المديدة، انبعثت سلاسةُ الانصهار؛ فلم يكن تعريبُ مصرَ واعتناقُ غالبيةِ أهلها للإسلام قسراً ولا طفرةً منبتة، بل كان انحيازاً للسانٍ يلامسُ العمق الصوتي والفطري لأجدادهم.

لقد وجد المصري في بيانه العربي صداً لأصوله الأولى، فنفضَ عن كاهله غبارَ ألفِ عامٍ من الرطانة البيزنطية، وانصهر طواعيةً في أفق الحضارة الجديدة، مستعيداً سيادتَهُ اللغوية تحت سماءٍ تنطقُ بجنسِ أفكاره وتفتح له باب المعرفة الحضارية من جديد

#العَوْدُ_إلى_النَّبْع

إن البحثَ عن الذاتِ المصرية الصافية لا يستقيمُ بالوقوف عند أعتابِ محطةٍ صاغها البطالمةُ والرومان على مقاسِ هيمنتهم، ولا بخلطِ الرمزيةِ الدينية بالهوي ة التاريخية. من أراد روحَ مصر الأصيلة في طهارتها الأولى، فليقرأها فوق جدرانِ المعابد الشامخة وفي سحرِ البردياتِ التليدة، حيث الهيروغليفية والهيراتيقية تشهدان أن المجدَ لا يُصاغُ بأحرفِ الغزاة، وأن الأرومةَ الحقيقيةَ أعمقُ وأبقى من هجينِ السنين.

​ولم تكن العربيةُ إلا الروحَ التي أعادت للمصرية بَهاءها وعمقَ أصالتها؛ إذ استعاد اللسانُ المصري بها بلاغته وعبقريته الشرقية. فمن أراد أن يعرفَ مصر على حقيقتها، فليغص في أمهاتِ الكتب العربية التي أبدعها الفكرُ المصري عبر العصور؛ ففيها استقرت حقيقةُ الهوية، وعليها كُتِب السِّفرُ الخالد لروحِ هذا الوطن.


#فادي_وهبه

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق