فادي وهبة يكتب: تباشير الفجر على أطلال التلقين: قراءة مجردة في سفر التكوين والتمكين

عتقا من ربقة التلقين الكنسي الذي كبل وعيي ردحا من الزمان، وانعتاقا في محاضن عقيدة خلعت نيرها ببرهان، وقفت على شرفة التاريخ متجردا من الهوى والعصبية، مستكشفا لسنن الكون الحتمية. وإن المرء ليلحظ بيقين لا يشوبه ريب، وحقيقة لا يحجبها غيب، هذا النبأ اليقين والأثر المستبين:
لو أن تلك الجحافل الصليبية بفيالقها اللجية، ووحشيتها الضارية العتية، انصبت على أمة غير أمة الإسلام، لأبادت خضراءها، وأسالت دماءها، ولجعلتها طريدة من الأوهام، ولطوت صحيفتها من الوجود طي السجل للكتاب؛ كما صنعت آلة الحتف الغربية بفلول الهنود الحمر، وأقوام الإسكيمو في الصقيع المر، وعذارى الأبورجين المنسية؛ حيث جرى استئصالهم عرقا وثقافة عبر العصور، تحت لواء زعموه مقدسا وهو عين الفجور.
بيد أن أمواج الصليب المتلاطمة تكسرت هيبتها، وارتد طوفانها خاسئا وهو حسير، لما صدم صخرة الإسلام العتيدة، وأمته الحية بروح الجهاد المجيدة؛ تلك المشحونة ببركات الخير والشهادة، المحصنة بسور القرآن، النص الإلهي الفذ الذي حسب اعتقاد المسلمين تكفل رب السماوات بحفظه رعاية وأمانة، فأعجز صروف الدهر أن تنال من جلاله، وأبى على القرون أن تبلي جدته أو تحرف كلماته.

🔹 غصص الهزائم وعبر الملاحم 🔹


لقد تجرعت عساكر الصليب غصص الردى المريرة، وذاقت وبال أمرها ذلا صراحا على أيدي حماة العقيدة النصيرة. ولئن رامت عين الباحث استشراف المقدور، عبر النبوءات المسطورة في مأثور الإسلام المنصور، لتبين لها أن الملاحم الكبرى، والكسر الأخير لصلف تلك القوى، لن يكون إلا بين يدي الساعة، في مشهد تؤول فيه العاقبة الحتمية لأهل الطاعة.
ودونك شواهد التاريخ ناطقة تزلزل الألباب؛ فتأمل في مخايل الحملة الصليبية السابعة التي اتخذت من أرض الكنانة مصر هدفا للنشاب:
▪️ الإعصار المالي: نزفت خزائن الغرب عسجدها، وامتصت هذه الحملة جهدها وعددها، بما عادل خراج العرش الفرنسي برمته لاثنتي عشرة سنة حسوما.
▪️ الزلزال السياسي: تهاوت كبرياء فرنسا بانتصار إسلامي ساحق مغنوما، حتى استحال ملكها المطاع "لويس التاسع" أسيرا يلهث في أغلاله، يرسف ذليلا بدار ابن لقمان بالمنصورة بعد عظم شأنه وحاله.
▪️ الحصاد البشري: ابتلعت لجج المنصورة دماء ثلاثين ألف جندي صليبي هلكوا من بين خمسين ألفا طغوا بغيا، إذ عجزت دروعهم أن تقيهم بأس إيمان زحزح الجبال سعيا.

🔹 ترانيم الزيف وحقائق الحتف 🔹


في دهاليز الفكر الغربي المعلول، عزفت ترانيم الزور بسحر مقبول، لتصوير تلك الحروب كرحلات فروسية حالية بالنبل والأمان، تذود عن حمى الإيمان! بيد أن مطرقة الحقيقة تهشم هذا الخيال الموهوم؛ إذ لم تكن إلا حملات استئصالية همجية، دثرت عارها بمسوح الدين النفعية، وسالت من فظائعها دماء يندى لها جبين الإنسانية خجلا، ولم تسلم من أنيابها حتى كنائس المسيحيين الشرقيين نهبا ووجلا!
ومن رحم هذا المشهد الوبيل، يتولد في وعيي تساؤل يؤرق الفكر بالعويل:
"كيف تسنى لهذا الغرب أن يبيد أمما وحضارات عن بكرة أبيها، بينما استعصت عليه أمة الإسلام، وارتد عنها كليلا كسيرا في مساعيها؟"
إذا قلبنا صفحات التاريخ بعين بريئة عن غواية التحيز والميل، وجدنا المنظومة الغربية حيثما حلت بركابها وسارت بالخيل، محت هوية الآخر وسحقت كيانه سحقا:
▪️ في القارة العجوز ذاتها: سفكت دماء القبائل الوثنية (كالساكسون) بحد السيف المصقول، وقهرت نفوسهم على اعتناق عقيدة الكنيسة بالقهر المجهول.
▪️ في مجاهيل العالم الجديد: دكت حضارات "الأزتيك" و"المايا" دكا، وعفر كبرياؤها بصكوك وفتاوى دينية شرعنت الاستعمار شكا، فحصدت أرواح الملايين في أعظم محرقة عرقية شهدها البشر.
▪️ في أقاصي أستراليا: نزع عن إنسان "الأبورجين" رداء الإنسانية والظفر، فجرت تصفيتهم جسديا وثقافيا في مجازر يخر لها الضمير صاعقا مفجوعا.
لقد كانت استراتيجية الغرب الصليبي مبنية على معادلة صفرية خائبة: (إما الإبادة المحضة وإما المحو الكامل للهوية). لكن جحافلهم حين تلاقت بالشرق الإسلامي، صدمت بطود أشم، وجدار عقائدي أزل أقدامهم وأورثهم الندم.

🔹 أسرار المنعة وحقائق الرفعة 🔹


إن يمينا أنصفت لتشهد أن سر منعة هذه الأمة لا يكمن في بأس السلاح ومضاء النصال الرفيعة، بل في بنيانها العقائدي والفكري الباهر للشريعة:
في المسيحية التي عهدت مراميها، تاهت العقول في غيابات المجامع المسكونية ومراقيها، وتبدلت العقائد تلو العقائد طمعا، واشتعلت خطوط النار بين الطوائف جشعا، وتلاعبت بأناجيلها أيدي التحريف والتصحيف. أما المسلمون، فيجمعهم كتاب فذ، لم يتطرق إليه التبديل حتى يهون، ولم يهتز فيه حرف واحد منذ فجر الرسالة المصون؛ ثبات أسطوري يمنح أمتهم مركز ثقل كوني يمتص أعتى العواصف والشجون.
كان الجندي الصليبي يقاتل مدفوعا بوعود واهية من صك غفران مكذوب, أو يلهث وراء إقطاعية وغنيمة يسلب بها حق المغلوب. أما الفارس المسلم، فكان يرى في فوهة الموت بوابة الخلود الرغيد، وفي الشهادة أسمى مراتب الوجود السعيد! لقد قلب مفهوم "الشهادة" نواميس العسكرية وقوانينها، فكيف لجيوش الأرض أن تكسر قوما يخطبون ود الموت كما يخطب الملوك ود الحياة وزينتها؟
▪️ انعتاق من أغلال الكهنوت: في منظومتنا الكنسية الكليلة، إذا وهت الكنيسة أو تاه البابا تفرقت الرعية العليلة. أما في الإسلام، فلا وسيط ولا كهنوت؛ العلاقة بين العبد وبارئه حبل ممدود لا يقطعه بشر، ونور مشهود لا يحجبه خطر. لذا، إن تداعت دولة أو سقطت حامية، انبعثت من رمادها أمة جديدة نامية؛ لأن جذوة العقيدة متقدة في سويداء قلوب الأفراد، وليست مأثورة في هيكل مؤسسة دينية تؤول للنفاد.

🔹 التباين الأخلاقي عند التمكين 🔹

ومما يثير دهشتي، ويهزني هزا عنيفا، ويحثني على إلقاء إرث التلقين نبذا خفيفا، هو ذلك التباين الأخلاقي الصاعق وقت التمكين والنصر الشاهق:
▪️ حين وطئت أقدام الصليبيين ثرى القدس عام 1099م، استعرت غريزة الدم والفساد، فخاضت خيولهم في دماء العزل من مسلمين ويهود حتى الركب في كل واد، ولم ترق قلوبهم لرضيع يصرخ، ولا لعجوز يستعطف ويجنح.
▪️ وفي المقابل، حين فتحها الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي الهمام، غمر الأرض بفيض عفو سماوي مع الإكرام، فأمنهم على أرواحهم وأموالهم بلا تعنيت، بل وسامح فقراءهم في الفدية والتثبيت، وسار فيهم ببر عجزت عن وصفه أقلام مؤرخي الغرب أنفسهم لما عاينوه من تثبيت!
إن هذا التباين الأخلاقي الشاهق، يستل من الأعماق شهادة حق ناطقة: أن أمة الإسلام كانت تحمل رسالة ربانية تهذب النفوس برقائقها، بينما كانت جحافل الصليب تسير بوهج المطامع وشغف الدماء في حقائقها. فلا جرم إذن أن تتكسر تيجانهم، وتؤول كبرياؤهم للأسر والذل على أسوار المنصور وفي فيافي الشام الشاهدة على أوثاقها.
وبناء على هذا، فإن مطالعتي لأحاديث المسلمين ونبوءاتهم حول "الملاحم الكبرى" وأشراط الساعة الحاسمة، لم تعد في عيني أساطير الأولين أو أضغاث أحلام هائمة؛ بل غدت في روعي بصيرة مستشرفة لسنن التاريخ المحتومة، وصراعا وجوديا لن تسدل أستاره إلا بانتصار هذه الأمة الشامخة المعصومة، التي استعصت على الفناء، وأبت إلا أن تبقى شامخة بالحق على جميع العالمين في الأرض والسماء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق