سيد أمين يكتب: سقوط نظرية القوة المفرطة أمام تحديات القصاص

 نقلا عن عربي 21

هناك حكمة وراء كل شر حتى لو كانت إبادة جماعية لشعب أعزل في غزة؛ الحكمة أن إسرائيل لو اكتفت بما قضمته من فلسطين التاريخية عام 1948، وسعت للسلام لكانت الآن دولة طبيعية في المنطقة، لكنها لسوء حظها أو ربما لخير فينا؛ تصر بشكل دائم على تذكير ذهننا العربي والإسلامي -رغم ما فيه من تسامح وميل إلى التناسي متى وجد السلام- بأنها كيان مجرم غير مأمون الجانب وله أطماع تفوق قدراته الذاتية بكثير.
ولأن قدرة النظم الضعيفة كما هو الحال في النظم العربية بصيغتها الحالية تجنح إلى قطب الجراح مهما كانت موجعة، لجأت إسرائيل إلى إحداث جراح لا يمكن قطبها، وصنعت تذكيرا ببصمة لا يمكن أن ينساها العقل العربي والإسلامي ولا حتى أحرار العالم، وهي الإبادة الجماعية في غزة ولبنان. وكأنها تصر على إرسال رسالة للعرب والمسلمين والعالم أجمع بأنها جسم خبيث ليس في قلب العرب وحدهم، ولكن في قلب كوكب الأرض برمته.

فشل النظرية الميكافيللية


الإجرام الصهيوني لم يلتفت كثيرا لخطورة قيامه بتمديد وتجديد مطامعه بشكل مستمر دون الاكتراث بكلفة الأمر في الجهد أو في السمعة، معتمدا على انتهاج قاعدة ميكافيللية معاكسة تقول بأن تبعية الخوف أهم كثيرا وأضمن من تبعية الولاء والمحبة، وأن المرء قد يخون من يحب ويتعلل له بالأعذار، ولكنه أبدا لن يخون من يخاف، ولذلك فإن ضرب العدو ضربا يعجزه عن الرد نهائيا وانتهاك جميع محرماته سيصنع منه تابعا مخلصا.
هذه القاعدة الانتهازية والمتوحشة التي تتبعها إسرائيل تعتمد في الأساس على معيار واحد وهو القوة المفرطة، واعتقادها بأنها طالما كانت تمتلك تلك القوة فلا خوف مطلقا من فشل تلك الاستراتيجية ونجاحها في تحقيق الردع.
ولذلك فإن فشلها في تحقيق أهدافها من الحرب على إيران ولبنان ومن قبلهما غزة، بل ومواجهتها مقاومة مؤلمة أصابت قلب الغيتو الحصين في قلب الكيان، بعدما كانت جولاتها دائما في ملاعب الآخرين، هو في حد ذاته يعد فشلا ذريعا لتلك الاستراتيجية وانهيارا لمنظومة الخوف التي سعت لتنشئتها في الأذهان منذ عقود بأنها الكيان الذي لا يقهر، والمصان الذي لا يُمس، والأفدح فيه أن ذلك الفشل لم يطلها هي فقط، بل امتد حتى وصل لركنها الركين والحائط الذي تستند عليه على الدوام؛ الولايات المتحدة الأمريكية.
فلأول مرة سمعت الولايات المتحدة الأمريكية لأصوات أخرى في الشرق الأوسط غير أتباعها، وجلست تتفاوض معهم لا تملي عليهم الشروط، ولهذا دلالات بليغة ومؤثرة، قد تمتد لعقود مقبلة، وتؤثر بشكل بالغ في إسرائيل وسياساتها الخارجية وحدودها ومستقبلها ذاته.
نعم، استمرار إسرائيل في اتباع أسلوب الأرض المحروقة، قد ينجح مؤقتا في تهدئة الأجواء، تهدئة سلبية، لكنه أبدا لن يؤدي لإفناء من تعاديه أو استسلامه التام، كما لا يمكن تكرار ما حدث في الحقب الاستعمارية المتقدمة، لأسباب كثيرة؛ منها البشري ومنها التقني ومنها المادي والإعلامي، فضلا عن تمدد المنظومات الحقوقية وغيرها. ولعل صِداما دام عدة عقود يثبت أن هذا الهدوء لم يؤد في النهاية إلا إلى 7 أكتوبر وليس إلى الاستسلام، ولا أظن أنه سيكون اليوم الأخير من أيام أكتوبر.

جرح نازف.. تذكار دائم


وطالما أدرك العالم أن القوة المفرطة يمكن أن تجابه أيضا بقوة مؤلمة، فهي إذن نظرية قد فقدت وهجها ومنطقيتها، والاستمرار فيها لن يؤدي إلا إلى ترسيخ الحاجة العالمية لإجراء علاج ناجع لهذا الجرح ومسبباته، وهو إجراء لأسباب كثيرة سيؤدي لإنقاذ المظلوم من ظلم الظالم، وليس قتل المظلوم كما يطمح الظالم، خاصة بعدما انكشفت طبيعته وتهدمت أركان سرديته التي غذاها إعلامه والإعلام الموالي له منذ نشأته في تبعات الطوفان.
وعلى إسرائيل أن تدرك أنه كما تتطور قدراتها الحربية القادرة على تحقيق عنصر القوة المفرطة، فإن قدرات من تعاديهم هي الأخرى تتطور أيضا، وأنه قد يكون بإمكانهم ذات تاريخ الوصول لقوة مفرطة تكافئ قوتها أو تزيد عنها. وقتها ستندم ندما شديدا، حيث كان بإمكانها أن تقبل بما احتلته وقامت عليه دولتها، ولكانت تجنبت خوض المزيد من الصدامات مع العالم العربي، ولسعت أن تتحصن بها، وتقنع العرب بقبول سياسة الأمر الواقع، وقتها كان سيقبل قادة العرب حتى وإن رفضوا صوريا، وكان الأمر سينتهي بالتسليم بالأمر، فلا لاجئين يحتاجون العودة لديارهم، ولا شهداء يطلبون القصاص، ولا مقدسات إسلامية أو حتى مسيحية تدنس، ولا مآسي إنسانية يمكن للعالم أن يغض الطرف عنها كثيرا.
لكن الوقت نفد.. فمنظومة الخوف تهاوت، أو في سبيلها للتهاوي، وصورة الوحشية الإسرائيلية في الأذهان ترسخت، وصار إصلاح الحال المائل مطلبا عالميا، وممكن تنفيذه قسريا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق