في يوم السبت 14 يونيو سنة 1800 ذهب الجنرال كليبر إلى دار الجنرال داماس رئيس أركان الحرب، الذى أعد وليمة غداء للقائد العام، دعا إليها طائفة من القادة وأعضاء المجمع العلمي ورؤساء الإدارة، فتناول كليبر الغداء مع المدعوين ، استمرت الوليمة إلى الثانية بعد الظهر، ثم عاد كليبر بصحبة المهندس بروتان إلى دار القيادة العامة ليستأنفا تفقد أعمال الترميم والإصلاح فيها، وكانت حديقة السراي تتصل بدار الجنرال داماس برواق طويل ( ممر ) تظلله تكعيبة من العنب.
سار كليبر وبجانبه بروتان في هذا الرواق يتحدثان ، وفي أثناء سيرهما خرج عليهما رجل كان يكمن وراء بئر عليها ساقية، فاقترب من الجنرال كليبر كمن يريد أن يستجديه أو يتوسل إليه ، لم يرتَب ( يشك ) الجنرال في نية ذلك السائل، لكنه لم يكد يلتفت إليه حتى عاجله السائل بطعنة خنجر مميتة أصابته في صدره، فصاح الجنرال: إليّ أيها الحارس، ثم سقط على الأرض مضرّجاً في دمه، هنا أسرع المسيو بروتان في تعقب الجاني، فلما أدركه تماسك ( إشتبكا ) الإثنان، فطعنه الجانى ست طعنات سقط على أثرها على الأرض بجوار كليبر، وعاد الجاني مرة ثانية إلى كليبر، فطعنه ثلاث طعنات ليجهز عليه، بيد أن الطعنة الأولى كانت القاضية لأنها نفذت إلى القلب.
لاذ الجاني بالفرار وتوارى عن الأنظار مختفياً في حديقة السراي، ولم يبق في مكان الجريمة ما يدلّ على القاتل سوى جزء من عمامته التي تمزقت أثناء صراعه مع بروتان.
أقبل الحارس الذي سمع الصيحة، ولما رأى هذا المنظر الرهيب ولّى مسرعاً إلى دار الجنرال داماس وأخبرهم بما رآه، فأقبل من كانوا موجودين إلى مكان الحادثة، فرأوا الجنرال كليبر مضرّجاً في دمه وبجانبه بروتان مغمياً عليه، من شدة الطعنات التي أصابته، فهالهم ما أبصروه، ونقلوا الجنرال كليبر إلى دار الجنرال داماس، وجاء الطبيب ديجنت كبير أطباء الجيش لإسعافه، فوجده ميتاً.
انتشر الخبر في القاهرة بسرعة البرق، فتلقاه الأهالي بالدهشة والجزع الشديد لتوقعهم الانتقام والنكال، وتلقاه الجنود الفرنسيون بالغضب والسخط والتحفز للوثبة على الأهالي الأبرياء.
ضرب النفير العام ( الطوارئ ) في أحياء القاهرة جمعاً لشتات الجنود، فأقبلوا ميدان الأزبكية يتنادون بالانتقام والأخذ بالثأر ويهددون بإحراق المدينة، فاستولى الفزع على الناس وأقفلت الدكاكين، وخلت الطرق من المارة، وذهب كل إلى داره يطلب النجاة، من عواقب هذا الحدث الجلل، وأخذت دوريات الجنود تطوف الشوارع والأحياء، خصوصاً المجاورة لمنطقة الأزبكية، للبحث عن القاتل الذي كان متوارياً عن الأنظار، وأخذ جماعة الحراس يبحثون في حديقة السراي لعلهم يعثرون عليه مختبئاً فيها.
بعد ساعة عثروا على الحلبى مختفياً في الحديقة الملاصقة لدار القيادة وراء حائط مهدّم. أدركه اثنان من صفّ ضباط الحرس من الملازمين لدار الجنرال كليبر، فحاول الهرب لكنهما قبضا عليه، وساقاه إلى دار رئيس أركان الحرب حيث كان قادة الجيش مجتمعين.
كانت دلائل الحادث بادية في المكان الذي قبض عليه فيه، فعلى الحائط الذي كان مختفياً وراءه آثار دماء، وملابسه ملوثة بدم ، وعثروا على الخنجر في المكان الذي قبض عليه فيه وعلى نصله دماء القتيل.
لما سيق الحلبى إلى منزل الجنرال داماس استجوبه الجنرال مينو، وواجهه بالمهندس بروتان، فتعرّف إليه وأرشد عليه من جماعة من العمال وضع بينهم خصيصاً للتأكد من صحة التعرف ( وضعوا الحلبى بين مصريين وعرضوهم على بروتان كما يحدث الأن فى طابور عرض الإشتباه ) ، وشهد الشهود بأن الحلبى كان يتبع خطوات الجنرال كليبر منذ أيام عدة، فقد رأوه في الجيزة يسعى إلى الدخول إلى مقر القائد العام بحجة تقديم عريضة إليه، ولكن المسيو بيروس، سكرتير كليبر الخاص، رفض الإذن له بالمقابلة.
وفي صباح يوم الحادث اندسّ الحلبى بين جماعة من الخدم، ورآه الياور ديفوج أحد ياوران كليبر، فظنّ أنه من العمال الذين يشتغلون في عمارة السراي، فأمر بطرده من الحديقة.
مع هذه البيانات القاطعة كان الحلبى ينكر الإتهام ، فاتبع معه برتلمي الرومي طريقة التعذيب لإكراهه على الاعتراف، وأخذ في ضربه وتعذيبه حتى اعترف ، وكشف عن شخصيته، فإذا هو طالب علم من حلب في الرابعة والعشرين من عمره اسمه سليمان الحلبي، أبوه تاجر من حلب اسمه الحاج محمد أمين، غادر بلدته في سورية وذهب إلى بيت المقدس، ثم حضر إلى القاهرة خصيصاً لقتل كليبر وقضى فيها واحداً وثلاثين يوماً.
وأفضى ( صرح ) بعزمه إلى أربعة من الطلبة، وهم: أحمد الوالي، ومحمد الغزي، وعبدالله الغزي، وعبدالقادر الغزي، (ليسوا أشقاء، بل ملقبون باسم بلدهم غزة) فأنكر الأربعة عليه هذا العزم ورموه بالطيش والجنون، ونصحوه بالإقلاع عن عزمه، فلم يسمع لنصحهم. ذهب مساء 13 يونيو إلى الجيزة حيث كان كليبر، واستفهم من النوتية ( السكرتارية ) الذين في خدمة الجنرال عن موعد خروجه، فأخبروه أن هذا الأخير يتروض في مساء كل يوم في حديقة سراي القيادة العامة بالأزبكية.
حاول سليمان الحلبي دخول الحديقة في ذلك المساء فلم يفلح، وقضى الليلة في أحد المساجد، وفي صباح 14 يونيو تتبع خطوات الجنرال، فسار إثره إلى الروضة (منطقة المنيل) ثم عاد وراءه إلى القاهرة، وتمكن من التسلل إلى حديقة القيادة العامة، ووصل إلى الرواق ( الممر ) الذي ارتكب فيه الجناية.
أُمر بالقبض على الأزهريين الأربعة الذين وردت أسماؤهم في أقواله، فاعتقل منهم ثلاثة وفرّ الرابع (عبدالقادر الغزي)، واستجوب الثلاثة فأنكروا ما نسبه الحلبى إليهم.
أصدر الجنرال مينو (كان قومندان القاهرة وأقدم جنرالات الحملة الفرنسية في مصر وخلف كليبر في قيادتها) في اليوم نفسه أمراً بتشكيل محكمة عسكرية لمحاكمة قتلة كليبر، مؤلفة من تسعة أعضاء من كبار رجال الجيش برئاسة الجنرال رينيه ، وانعقدت المحكمة يوم 15 يونيو .
أخذ في سماع أقوال الشهود. قال جوزيف بيران، من فرسان الحرس، إنه هو والفارس روبرت عثرا على القاتل مختبئاً في الحديقة وراء حائط متهدم عليه آثار الدماء، وأن القاتل كان ملوثاً بالدم أيضاً، فقبضا عليه وهو في هذه الهيئة، وأنهما عثرا بعد ساعة من اعتقال الجاني على خنجر مدفون في المكان الذي كان مختبئاً فيه وعلى نصله دماء.
انتقل المحقق بعد ذلك إلى دار المهندس بروتان الذي كان يرافق الجنرال كليبر وقت الجريمة، وكان طريح الفراش بسبب الإصابات التي لحقت به، فشهد برؤيته القاتل يرتكب الجناية، وقال إنه ضربه بعصا ليدافع عن الجنرال كليبر، فانقضّ عليه القاتل وطعنه طعنات عدة، فسقط بعدها على الأرض مغشياً عليه، وأشار إلى أنه بعد صياحه وصياح الجنرال كليبر بقي عشر دقائق قبل أن تصلهما النجدة، وأنه تعرّف على القاتل بعد القبض عليه.
سمع المحقق أقوال الملازم ديفوج، ياور الجنرال كليبر، فقال إنه في يوم الحادثة كان القاتل تعقّب الجنرال بعد أن خرج من حديقة السراي قاصداً دار الجنرال داماس، رئيس أركان الحرب، فسأله عما يريد وأمر بطرده، وطرده الخدم فعلا، وبعد ساعتين وقعت الجناية، وسجل ديفوج في أقواله أنه لاحظ وجود جزء من ملابس القاتل تركه في مكان الجريمة فتعرّف عليه، وتأكد من ملابس هذا الأخير بعدما قبض عليه ووجد جزءاً من ملابسه ممزقاً.
أعاد المحقق استجواب سليمان الحلبي، وكان يتولى الترجمة المسيو براسفيش كبير مترجمي القائد العام، فكرّر المتهم اعترافاته السابقة، واقر بأن المحرّضَين له على القتل هما أحمد أغا وياسين أغا، من ضباط الجيش العثماني، وأن أحمد أغا اختاره لأنه يعرف القاهرة معرفة تامة حيث قضى فيها ثلاث سنوات في طلب العلم بالأزهر، وأنه كاشف الأزهريين الأربعة بعزمه، وكان يفضي إليهم به يومياً، لكنهم كانوا ينصحونه بالإقلاع عن عزمه لاستحالة نجاحه.
أمر المحقق بمواجهة سليمان الحلبي بالأزهريين الثلاثة المقبوض عليهم واستجوبهم في ما قرره بشأنهم، وكان يرتاب في مسلك علماء الأزهر خصوصاً الشيخ الشرقاوي، شيخ الجامع، في أن يكون لهم دور تحريضي، وكان سير التحقيق متجهاً إلى جمع البيانات لإثبات علم الشرقاوي بنية القاتل قبل ارتكاب الجناية، لكن التحقيق لم يسفر عن إدانة الشيخ الشرقاوي أو غيره من كبار علماء الأزهر.
أسفر التحقيق عن اتهام سليمان الحلبي والأزهريين الأربعة الذين أفضى إليهم بعزمه على ارتكاب الجناية، كذلك مصطفى أفندي البروسلي الذي بات لديه سليمان حين حضوره إلى مصر، فكان عدد المتهمين ستة، ولما كان أحد الأزهريين الأربعة وهو عبدالقادر الغزي هارباً، حوكم غيابياً.
طلب المدعي العمومي من المتهمين أن يعهدوا بالدفاع عنهم إلى رجل يترافع أمام المحكمة فأجابوا أنهم لا يعرفون أحداً، فانتدب للدفاع عنهم المترجم لوماكا.
انعقدت المحكمة العسكرية يوم 16 يونيو، وأخذت في سماع مرافعة المدعي العمومي ودفاع المتهمين، وطلب المدعي العمومي بتوقيع العقاب على القاتل وشركائه، ونسب الجريمة إلى الصدر الأعظم يوسف باشا، وقال إن الذي تولى إغراء سليمان على القتل هو أحمد أغا الذي كان مغضوباً عليه من الوزير، فأراد التقرّب منه بهذا العمل الفظيع لينال رضاه، وإن القاتل اندفع إلى القتل تحت تأثير هذا التحريض، وإن تهمة المشايخ الأربعة بعلمهم بنية القاتل وتصميمه عليها، ومع ذلك لم يخبروا ولاة الأمور بعزمه، فهم يعتبرون شركاء للقاتل في جريمته، وطلب البراءة لمصطفى أفندي لأنه لم يثبت علمه بالجريمة، وطلب الحكم على سليمان الحلبي بحرق يده اليمنى التي باشر بها القتل، ثم إعدامه على الخازوق وترك جثته تأكلها جوارح الطير، وبالنسبة إلى المشايخ الأربعة طلب قطع رؤوسهم.
وبعد أن تمت المرافعة طلبت المحكمة من المتهمين أن يدافعوا عن أنفسهم فلم يردوا بشيء، فأعيدوا إلى السجن، وأمرت المحكمة بإخلاء القاعة، واختلت للمداولة.
ثم أصدرت المحكمة حكمها باعتبار سليمان الحلبي وشركاءه الأربعة مذنبين، وبراءة مصطفى أفندي وإطلاق سراحه، وحكمت بإحراق يد سليمان الحلبي اليمنى، ثم إعدامه على الخازوق وترك جثته تأكلها الطير، وبراءة سليمان أفندي وإطلاق سراحه، وإعدام شركائه الأربعة بقطع رؤوسهم وإحراق جثثهم بعد الإعدام، مع مصادرة أموال المتهم الغائب عبدالقادر الغزي.
المصدر .. عبد الرحمن الجبرتى "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"..اعاد كتابة وصيلغة المقال الأستاذ الدكتور ممدوح أنيس فتحي (أستاذ تكنولوجيا التعليم بجامعة عين شمس والكاتب والمؤرخ المعني بتبسيط التاريخ).
على الهامش ..
كتب المؤرخ الفرنسى لوتسكى " وقد قابل سليمان الموت ببسالة ، إذ وضع يده بجرأة في النار الملتهبة ، ولم ينبس ببنت شفة حينما كانت تحترق ، كما كان باسلاً طيلة الساعات الأربع والنصف الذي قضى من بعدها نحبه وهومخوزق ".
وترقد جمجمة سليمان الحلبي ( عليها أثار تعذيب شديد ) حالياً في قفص زجاجي في أحد متاحف باريس وتحتها كتبت عبارة ( جمجمة المجرم : سليمان الحلبي ) , حيث تنقلت بين عدة متاحف كان أحدها " متحف للحيوانات " .
تجرى الأن محاولات من ناشطين لجمع توقيعات من العرب تطالب بعودة رفات البلطل سليمان الحلبى الذى عجل بخروج الحملة الفرنسية من مصر ، رفات الرجل الذى نجح فيما فشلت فيه جيوش العثمانيين والمماليك وإستطاع أن يثأر من كليبر بسبب قمعه الدموى لثورة القاهرة الثانية .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق