الاثنين، 9 نوفمبر، 2015

بلال فضل يكتب: النسخة الإجرامية من حب الوطن


كم كارثةً يحتاج مؤيدو الحكم العسكري، لإدراك أن موديل الوطنية الهستيرية الزاعقة، الذي أدمنوا استخدامه، يهدد بتدمير مصر، بأسرع وأقسى مما يحلم به أي خائن أو متآمر؟
لا يبدو أن كارثة قنبلة الطائرة الروسية ستوقظ مؤيدي عبد الفتاح السيسي من غيبوبتهم الاختيارية، ولا أظن أن كارثة أخرى ستفعل، فحين تلغي عقلك، وتسلم قرارك لقاتل، سيصبح مصيرك مرتبطاً بمصير القاتل، ومرهوناً بقدرته على ممارسة مزيد من القتل، من أجل حماية نفسه ومصالحه، وحين لا يكون ذلك القاتل مرتبطاً بشخص، بل مرتبطاً بمجموعة مؤسسات أصبحت تمارس القتل وتحميه، من أجل الدفاع عن مصالحها، تكون المسألة أعقد من رحيل شخص أو بقائه، ويكون على من بقي محتفظاً بعقله وضميره أن يتصرّف بحذر شديد، لتقليل حجم الخسائر، ومحاولة التفكير في بدائل للخروج بمصر من ثنائية "العسكرجية والإسلامجية"، لكي لا يظل فيلم (ما بعد يوليو 52) الدامي والماسخ يُعاد إلى الأبد، من دون أن يتغير في تفاصيله شيء، سوى عدد الضحايا ووطأة الألم.
خلال الأيام الماضية، شهدنا محاولات "سيساوية" ضارية لإنكار وجود قنبلة في الطيارة الروسية المنكوبة. والآن، نشهد محاولات أشد ضراوة للتملص من مسؤولية وصول القنبلة إلى متن الطائرة، بتقديم إجابات مضللة على سؤال "كيف زُرعت القنبلة"؟ ليتم عزل كارثة القنبلة عن المناخ السياسي والأمني والإعلامي الذي ساهم في وقوعها، فينجو المتسببون في الكارثة برؤوسهم ومصالحهم، وتشهد البلاد حالة مؤقتة من التشديد الأمني، تعود بعدها إلى حالة الرخاوة والبلادة المعتادة التي تنتج كارثة جديدة.
حجم المصيبة كبير هذه المرّة، ويمس ملايين العاملين في قطاع السياحة، كان الله في عونهم على مواجهة الأيام الصعبة المقبلة. ومع ذلك، لا يبدو أن هناك رغبة في تغيير طريقة التعامل الرسمي والشعبي مع الكارثة على المستويات كافة، فكما لم نعدم من يحاولون استثمار المصيبة للتغطية على فشل السيسي المنقطع النظير، وتصوير ما جرى ضريبة لمحاولته إنقاذ العالم من خطر "الإخوان"، لم نعدم من يحاولون استثمار المصيبة من أجل وهم استعادة شرعية محمد مرسي، كأن مصر لم تكن وطناً منكوبا في عهد مرسي، وكأن أنصاره لم يكونوا، عقب كل كارثة، يرددون المبررات نفسها التي يرددها الآن أنصار السيسي، ويتشدّقون بالحديث نفسه عن المؤامرات الكونية ضد الدين والوطن والأيدي المتوضئة.
أخطر ما في الكوارث المدوية، أنها تنتج حالة من الهستيريا، تخيف الراغبين في طرح الأسئلة الحقيقية، وتمنع تسمية الأشياء بمسمياتها، ولعل هذا ما جعل كثيرين ممن يفترض أنهم أصحاب عقول وألباب، يندفعون في الأيام الماضية، إلى إعتماد سيناريوهات المؤامرة الدولية في تفسير ما حدث من تطورات متلاحقة، وفي مقدمتها سيناريو أن هناك "لعبة أمم" تجري بين أميركا وبريطانيا من ناحية وروسيا من ناحية أخرى، وأن قضية الطائرة ليست سوى تصفية حسابات بين الأطراف المتصارعة في سورية، وحين أصدر فلاديمير بوتين فجأة قراره تعليق الرحلات الجوية الروسية إلى مصر، لم يسكت مروجو سيناريو المؤامرة خجلاً أو أسفاً، بل اعتمد كثيرون منهم منطق "ما فيش صاحب بيتصاحب"، للتأكيد على أن روسيا انضمت إلى المؤامرة، من دون أن يقدموا أسباباً محددة لذلك، ولو حتى القول، مثلاً، إن الجنرال عبد الفتاح رجل مؤمن، والمؤمن "متصاب بطبعه".
المؤسف أنه كان لدى بعض مروجي سيناريو المؤامرة الدولية، طوال الفترة الماضية، انتقادات حقيقية لأداء السيسي وانتهاكات نظامه، لكن "موديل الوطنية الستيناتي" الذي ما زال الأكثر تداولاً في مصر يرى أنه حين تقع كارثة قومية، فمن الأفضل أن يصطف الجميع خلف صانع الكارثة، لمنحه فرصة أخرى، حتى وإن كانت كل المؤشرات تفيد بأن إمكاناته الضئيلة لا تعد إلا بكارثة جديدة، وحتى لو تأكد أن المشكلة ليست في شخصه، أو أسماء معاونيه، بل في منهج التفكير الذي يقود به البلاد، ما يجعل السماح له بالبقاء على قيد القيادة، مشاركة له في صنع جريمة كاملة جديدة.
لي أصدقاء يعملون في الإعلام يمتلكون تجارب شخصية مع كوارث الأمن والإدارة في المطارات المصرية، حيث يسود شعار "بفلوسك وبمالك هتنول اللي في بالك"، تماماً كما يسود في كل مكان آخر في مصر. ومع ذلك، دفعتهم حالة الهستيريا الوطنية، ليتحولوا إلى أسود ضارية على مواقع التواصل الاجتماعي، تنهش كل من يسخر من سيناريوهات المؤامرة، وتخوّن من يطالب بمحاسبة الذين أشاعوا في مصر مناخاً من الفساد وانعدام الكفاءة وقتل روح الانتماء، يتغذّى عليه الإرهاب، ويتعملق في ظله. والمؤسف أن بعض هؤلاء سبق أن أقاموا في دول أجنبية تحترم مواطنيها، ويعرفون جيداً أن حكومات تلك الدول يمكن أن تقلب الدنيا رأسا على عقب، لحماية مواطنيها، ليس فقط حباً فيهم، بل للإفلات من مسؤولية التقصير في حمايتهم. ومع ذلك، استسهل هؤلاء ترويج سيناريوهات التآمر الدولي الهادف لإسقاط مصر، من دون أن يقدموا تفسيراً للتناقض الذي يجعل دولا تتآمر على مصر، ومع ذلك ترسل لها آلاف السياح لكي ينفقوا فيها ملايين الدولارات، فضلاً عن تقديم تفسير لاستمرار هذه الدول في منح مصر مزيداً من المساعدات والمنح والدعم السياسي اللازم لإبقاء السيسي على قيد الحكم.
الأخطر أن نظرية المؤامرة في مصر لم تعد اختيارا، بل صارت ملاذاً أخيراً للتماسك من أجل البقاء. ببساطة، لا أحد يحب أن يواجه حقيقة أنه بذل كل هذا التأييد والتفويض والتطبيل، من أجل شخص محدود القدرات، لا يمتلك أي مشروع أو خطة إنقاذ للوطن، وكل ما في الأمر أن الظروف أتاحت له تحقيق حلم النط على الكرسي، فنطّ على الكرسي. لكن، بعيداً عن شخص القائد المقلب، دعنا نقول إنه لا أحد يستطيع أن يعيش مرتاح البال تحت سقف دولة، يعرف أنها ليست حقاً دولة. لذلك، سيكون الأفضل له كمواطن أن يتخيّل أنها دولة قوية ومرغوبة، وأن قوى الشر تتآمر عليها، طمعا فيها وخوفا منها، فذلك الخيال أكثر راحة من التعايش مع حقيقة أنك محكوم بدولة شائخة "مخوّخة"، استطاعت قتل آلاف الناس، وحبس أضعافهم، لكنها فشلت في تأمين مطار. وبالطبع، تتعقد المأساة، حين يتعلق الأمر بمواطن منكوب، ينتظر من هذه الدولة المفترضة أن تعوّضه عن خسائره التي حدثت بسبب تقصيرها في أداء واجبها، فعندها يكون التوحش في تبني سيناريو المؤامرة بمثابة إعلان نيات حسنة من المواطن، وعربون تأييد لقائدها. وهنا، لن يكون مطلوباً من المواطن أن يرقص أمام لجنة انتخابية، أو يبتكر أسلوباً جديداً في النفاق والتطبيل، بل عليه فقط أن يتحول إلى جندي مجند مرابط في موقعه، للبطش بكل من يرفض شماعات المؤامرة، ويطالب بضرورة التغيير، لعل الدولة تلتفت إلى معاناته، وتساعده على الخروج من مآسيه. 
هناك من يعتقد أن كوارث من هذا النوع الخطير ستجبر السيسي على إصلاح نفسه ونظامه، فيفتح، مثلاً، المجال العام الذي أغلقه بالضبة والمفتاح، أو يدعو إلى مصالحة وطنية غير دعائية، أو يقوم بتنحية صناع الهستيريا الإعلامية الذين اعتمد عليهم في تقوية نظامه، وهي أحلام، مع تقديري لطالبيها، تنسى أن هذا كان ممكناً، قبل أن تتلطخ يدا السيسي بالدماء، لأنه أصبح بمجرد ذلك جزءاً من المشكلة، تماماً كما أصبح مرسي جزءاً من المشكلة بعد ما جرى في الاتحادية وما تلاها. وعلى الرغم من أن جرائم مرسي لا يمكن لمنصف مقارنتها أبداً بجرائم السيسي، إلا أن ما لا يرغب كثيرون من أنصار مرسي والسيسي فهمه هو أن المسألة أصبحت تتجاوز شخصي الاثنين، إلى عقم فكرة الحكم العسكري، واستحالة فكرة حكم الشعارات الدينية، وهو ما يجعل مشكلات مصر المعقدة تحتاج إلى أفق مختلف وخيال جديد، لكن ذلك لن يتم إلا بعد محاسبة الذين تورطوا في سفك الدماء، والبدء في إنصاف المظلومين، وليس فقط إيقاف مظالمهم، فبذلك وحده يمكن أن تسير مصر في طريق العدالة والمصالحة، الذي لن يكون بدوره طريقاً سهلاً، لأنه يحتاج، أولاً، أن نقر بأهمية البحث عن الحقيقة، وهو أمر يصعب حدوثه، في ظل سيادة النسخة الإجرامية من حب الوطن التي لا ترضى من الأصوات إلا بصوت الهستيريا.
طيب، إلى أين يصل بنا حاصل ضرب توحش النظام بتوحش مؤيديه؟ لا أحد يعلم. لكن، ربما كان في وسع كل منا، أن ينأى بنفسه عن المشاركة في صنع مزيد من التوحش، وأن يتوقف عن تكرار أخطاء الماضي، ولو بحسن نية، وأن يبدأ الراغبون في تحقيق مطالب ثورة يناير، ببلورة مشروع سياسي ثوري يرفض ظلم أنصار "الإخوان" وقمعهم، لكنه يرفض مناصرة مشروعهم المغلق والمفلس ودعمه، ويرفض الحكم العسكري، لكنه يرفض أيضاً التورط في صراع أهوج مع الجيش، سيطيل أمد الحكم العسكري أكثر. وحين يأتي صناع التوحش وهواته، في كل الجبهات، بآخر ما عندهم، سينفتح مجال ما لصوت العقل، ربما يكون لهذا المشروع، على اختلاف تياراته ومكوناته الفكرية والسياسية، فرصة حقيقية لإنقاذ مصر، وتحويلها إلى وطن صالح للحياة الكريمة، يمكن أن يختلف فيه الناس بقوة. لكن، بعد أن يتفقوا على قيم مشتركة، أهمها ألا يشرعنوا قتل وقمع بعضهم البعض.
ولعله، على الرغم من كل شيء، لم يفت الأوان للاستعانة بدعاء الأجداد: يا خفيّ الألطاف.. نجّنا مما نخاف.
إرسال تعليق