الخميس، 25 يونيو، 2015

د. عبدالوهاب الأفندي يكتب: تهافت الإستئصاليين: إسقاط مصر نموذجا

وفر علينا الأحبة في مصر العزيزة أطناناً من الحبر عندما أثبتوا عبر «البيان بالعمل» صحة ما ذهبنا إليه في مقال الأسبوع الماضي بأن أهم سبب لفشل مشاريع استئصال الإسلاميين، خلافاً لاستحالة أي مشروع من هذا النوع من ناحية المبدأ، هو أن القائمين على هذه المشاريع هم أعداء أنفسهم. فما أن ينجح هؤلاء في تنحية الإسلاميين من الساحة السياسية ـ علماً بأن الإسلاميين ظلوا أصلاً أقلية معارضة في كل هذه الدول- حتى يتوغلوا في مجاهل الانحطاط السياسي والأخلاقي، ويبنوا نماذج سياسية-اقتصادية تصبح تجسيداً للفساد والظلم والفشل والهزائم. ولأن هؤلاء أصلاً قدموا أنفسهم على أنهم الترياق ضد الإسلاميين، فإنهم يتحولون بالضرورة إلى أفضل دعاية للإسلاميين.
وقد تصدق علينا قراقوش القضاء المصري بعد ساعات من نشر المقال بأنصع الحجج على صحة ما ورد فيه، ليس فقط حين أصدر أحكاماً جماعية بالإعدام على قادة البلاد المنتخبين ديمقراطياً، بل بما ساقه من حجج هي أقبح من الذنب لمثل هذه «الأحكام» المأساوية-الهزلية. فبحسب قاضي العدالة، فإن المعتقلين الإخوانيين لم يهربوا فقط من السجن، ولكنهم نجحوا، وهم داخل زنازينهم، في استنفار جيوش غازية من غزة المحتلة ولبنان النائية، احتلت مصر، وشردت جيشها، وهزمت شرطتها، واجتاحت سجونها وأسقطت نظامها. ولو صح هذا الاتهام، فإن الواجب هو دعوة هذا الثلاثي من حماس-الإخوان-حزب الله إلى حكم مصر. فإذا كانت حماس قادرة، وهي محاصرة في غزة، على هزيمة أكبر جيش عربي وإسقاط النظام في أكبر دولة عربية، فأي إنجازات يمكن أن تحققها لو تملكت موارد مصر وإمكاناتها التي يحتكرها الجيش المصري الذي هزمته حماس وأذلته، بعد أن أذلته وهزمته إسرائيل، وحولته إلى شركة حماية خاصة لحدودها تحت إمرة نتنياهو، وبأجر مدفوع من دول عربية؟
وحتى نوضح حجم هذه المعجزة التي اجترحها تحالف حماس-الإخوان، والعهدة على القضاء المصري الشامخ، لا بد أن نذكر بالحقائق المعروفة حول هذه القضية، بداية باعتقال أربعة وثلاثين من قيادات الإخوان عشية «جمعة الغضب» التي دعي لها في 28 كانون الثاني/يناير 2011. وبحسب روايات تواترت، فإن احتجاز قيادات الإخوان بغرض تعويق الاحتجاجات التي اعتقد النظام المصري أنها لن تنجح بدون مشاركة الإخوان تم في مركز اعتقال بمنطقة 6 أكتوبر في القاهرة ابتداءً من فجر الجمعة 28 يناير. وبعد اعتصام المعتقلين احتجاجاً على اعتقالهم بدون إجراءات قانونية، أبلغوا يوم السبت 29 يناير بأنهم سيعرضون على النائب العام. ولكنهم فوجئوا بأن السيارة أخذتهم إلى سجن وادي النطرون الصحراوي، حيث أودعوا إحدى زنازينه. وفي أثناء الليل سمعوا أصوات صدام وإطلاق نار في السجن، وفي الصباح علموا ممن بقي من المعتقلين أن قيادة السجن وجميع حراسه فروا.
بقي معتقلو الإخوان وحدهم في زنزانتهم، عاجزين عن فتح الباب من الداخل، حتى أعانهم مساجين محررين وبعض أهالي المنطقة الذين حضروا لمشاهدة الحادث بكسر الباب.
ولدى خروجهم، حصلوا على هاتف نقال استخدمه محمد مرسي للاتصال بقناة الجزيرة، وتأكيد أنهم لم يهربوا، ولكنهم لم يجدوا سلطة لا في السجن ولا في خارجه حتى يستفسروا منها عن «موقفهم»!
أذكر هنا ـ سامحني الله- أنني سخرت من مرسي في مقالة كتبت بعد أشهر من الحادث، ونشرت في مجلة أكاديمية بريطانية في مطلع 2012، قائلاً أن الرجل كان يشبه أصحاب الكهف، لأن اليومين اللذين قضاهما في المعتقل شهدا انهيار السلطة وتغيير المشهد، بينما ظل هو يتوهم أن النظام الباطش الذي خبره ما يزال موجوداً. وقلت أن عرضه تسليم نفسه لنظام أطاحت به الثورة فعلياً يعكس الرعب الذي بثته تلك الدولة في نفوس ضحاياها، حتى أن الرجل لم يصدق أنه حر، وظل يبحث عن من يسلم نفسه له!
وبحسب مدير سجن وادي النطرون فإن مرسي ورفاقه عندما سلموا للسجن لم يتم إيداعهم بأوراق رسمية. وبحسب شهادة أحد حراس السجن، فإن جهات مجهولة بدأت إطلاق النار على السجن، مما دفع حراسه وكل طاقمه للهرب بعد أن نفدت ذخيرتهم. 
وإذا جمعنا خلاصة هذه المعلومات والشهادات، نصل إلى النتائج الحالية.
إن مرسي وصحبه أودعوا سجن وادي النطرون مساء السبت 29 يناير، بدون أوراق رسمية، وأنهم لم يكونوا يعلمون وجهتهم مسبقاً. وهذا يعني أن أي جهة بخلاف الأجهزة الأمنية لم تكن تعلم عن مكان اعتقالهم، خاصة وأنه لم تكن لديهم أجهزة اتصال. ومع ذلك فإن حماس علمت بهذا السر، وقامت خلال سويعات من استنفار جيش عرمرم من المغاوير، واستنجدت بأنصارها من حزب الله الذين تمكنوا بنفس السرعة من استنفار جند سليمان، وعبور الأراضي والأجواء والبحار وإسرائيل المسكينة غافلة، واجتياح مصر واستباحة أراضيها وسجونها، قبل أن يرتد للأمن المصري طرفه. 
وإذا أضفنا إلى هذا شهادة حراس السجن، فإن قوات حماس الباسلة أرعبت الحراس بإطلاق طلقات قليلة، ففروا تاركين السجن ومن فيه. ولا يخبرنا الشهود كيف يكون الحل لسجن محصن يتعرض لهجوم من بالخروج لمواجهة المهاجمين في الخارج، بدلاً من التحصن داخل السجن (كما يفعل حراس سجن حلب المركزي المحاصرون منذ قرابة أربع سنوات) وطلب النجدة من جيش مصر الهمام؟ وكيف سمح لهم المهاجمون بالفرار؟ ولماذا نسي مغاوير حماس إطلاق سراح مرسي وصحبه، إذا كان هذا هو ما قطعوا كل هذه الفيافي لأجله في طرفة عين؟
ولعل اهم سؤال هو: لماذا تنسج المخابرات المصرية ودولتها (فمصر دولة مختطفة حالياً من قبل جهاز المخابرات) كل هذه الترهات للتغطية على انهيار وتداعي آلتها القمعية غداة ثورة الشعب الكاسحة؟ وأليس هذا دليلاً عن غباء مزدوج لهذه المخابرات المتهافتة، حيث أنه لو صحت رواياتها المضحكة فإنه حقاً عذر أقبح من الذنب، وإعلان فشل وعجز أفدح مما لو تقبلت الحقيقة، وهي أن مؤسسات القمع انهارت، لأنها حقاً أجبن من أن تواجه شعباً أراد الحياة؟ وفوق ذلك، فإن الانهيار تمثل كذلك في تصادم هذه المؤسسات المتباغضة المتنافسة، ومساهمة بعضها عمداً أو جهلاً في تسريع الانهيار عبر استراتيجيات إجرامية مثل فتح السجون ثم الادعاء بأن حماس هي التي فتحتها!!
مهما يكن، فإن هذه الادعاءات بأن الإخوان وأنصارهم من الخارج، يعلمون الغيب، ويتحركون بسرعة الضوء، ويجترحون المعجزات، ويهزمون أجناد مصر ويمرغون أنفهم في التراب، كل ذلك في الفترة بين صلاة العشاء ووقت السحر، هي دعاية مجانية للإخوان وقدراتهم. وقبل ذلك ذهب بن علي ومبارك والقذافي والأسد وعلي عبدالله صالح إلى مزابل الخزي وكلهم يصرخ: أكلوني الإخوان! فالإخوان هم من يحاصرون دمشق، ويزلزلون القاهرة، وينتقلون بين بنغازي وعدن بأسرع من هدهد سليمان.
وقد زاد أجناد مصر الذين انتقلوا من إمرة كتشنر إلى إمرة نتنياهو فأصبحوا يتهمون كل شريف ومناصر للحرية وداعية للحق بأنه إخواني. فأوباما إخواني لأنه لم يتحمس بما يكفي لتأييد الانقلاب، ورئيس البرلمان الألماني إخواني لأنه يتعفف من تلويث يديه بمصافحة قتلة المصريين، وأمنستي وهيومان رايتس ووتش إخوانيتان لأنهما تنكران تعذيب وقتل المصريين (وليس الهنود الحمر!). فكل غيور على كرامة شعب مصر ورافض لإذلاله وتحويل مصر إلى مزرعة يملكها الطاغية، هو «إخواني».
وبعد هذا يستغرب هؤلاء أن يسارع الشباب إلى الانضمام إلى كل منظمة يذمونها بسبب هذا الذم، وليس رغماً عنه؟ فكل مذمة من ناقص فاسد عاجز هي مدح بدون الحاجة إلى الاستشهاد بأبي الطيب. فحماس لم تهاجم أو تسقط مصر، ولكن من أسقط مصر معروف وماثل أمامنا.
إرسال تعليق