الجمعة، 17 فبراير، 2017

الباحث القومى محمد سيف الدولة يكتب: سلام ولكن بدون فلسطين

سلام بدون فلسطينيين ولا دولة فلسطينية ولا انسحاب من الاراضي المحتلة فى ١٩٦٧، ولا من أى جزء منها. سلام بين العرب و(اسرائيل) من أجل "مصالح مشتركة" ليس من بينها فلسطين والحقوق المشروعة للشعب الفسطينى ومركزية الصراع العربى الصهيونى، وكل هذا الكلام الذى عفا عليه الزمن!

فاسرائيل لم تعد دولة احتلال وفصل عنصرى وكيان استيطانى عنصرى ارهابى دأب على ارتكاب جرائم حرب وإبادة فى حق الفلسطينيين والشعوب العربية، وانما اصبحت دولة طبيعية صديقة من دول المنطقة تتعرض لذات التهديدات والمخاطر الارهابية التى تعانى منها دول الجوار العربى (وليس دول الطوق)، وهو ما يخلق فيما بينها مصالح مشتركة فى مواجهة هذه المخاطر.

***

هذه هى النسخة الحديثة من الموقف الامريكى الاسرائيلى المصرى العربى الموحد، الذى يتم التلميح به منذ فترة طويلة، الى ان تم تتويجه وإعلانه رسميا وصراحة فى المؤتمر الصحفى المشترك بين ترامب ونتنياهو.

ولقد كان أول من دعا الى هذه الفكرة هو عبد الفتاح السيسى فى حديثه مع وكالة أسوشيتدبرس على هامش الدورة 70 للجمعية العامة للامم المتحدة عام 2015، حين طالب بدمج اسرائيل فى المنطقة وتوسيع بتوسيع السلام معها، لتشمل دولا عربية أخرى، لمكافحة الارهاب الذى يهدد الجميع. ليكون بذلك اول عربى على وجه الإطلاق يفصل بين السلام مع اسرائيل وبين انسحابها الى حدود ٤ يونيو ١٩٦٧.

قبل ذلك كان الموقف الرسمى العربى الوارد فى مبادرة السلام العربية الصادرة فى مارس ٢٠٠٢، هو مبدأ الأرض مقابل السلام؛ فالانسحاب الاسرائيلى وإعطاء الفلسطينيين دولة على أرض 1967، هو شرط للسلام العربى مع اسرائيل والتطبيع معها. وكان هذه هو ايضا الموقف الرسمى المصرى حتى بعد معاهدة السلام. أما اليوم فالمبدأ المصرى/العربى الرسمى الجديد هو "أمن الأنظمة العربية مقابل السلام العربى الاسرائيلى."

ورغم ان الرأى العام الشعبى العربى والفلسطينى، عارض على الدوام موقف حكامه وأنظمته ورفض مبدأ الاعتراف بشرعية اسرائيل والصلح والسلام والتطبيع معها، وتمسك بكل ارض فلسطين التاريخية من النهر الى البحر، ولم ينخدع أبدا بشعارات السلام الزائفة ولم يتورط فى الرهان على جدوى مسارات التسوية فى اوسلو وأخواتها، الا ان سقف التنازلات المصرية الفلسطينية الاردنية العربية، لم ينخفض ابدا عن دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧ عاصمتها القدس الشرقية.

ولكن تصريحات السيسى وتوجهاته ومواقفه هو وغيره من الانظمة العربية فى السعودية والخليج، أكدت ما كان يتردد كثيرا فى أحاديث وتصريحات نتنياهو عن حلفائه من الدول العربية الكبرى، وآخرها ما ورد فى مؤتمره الأخير مع ترامب حين قال بكل تفاخر أنه "لأول مرة فى حياته وفى حياة اسرائيل، ينظر العرب لهم كحلفاء وليس أعداء." وهو ما أثنى عليه ترامب فورا فى ذات المؤتمر، ليتفقا على ضرورة الاستفادة منه وتوظيفه والبناء عليه فى المرحلة القادمة، ولم ينسيا بالطبع ان يعلنا على هامش اللقاء وبكل تعالى وتجبر واستخفاف، انهاء حل الدولتين، فأمن الدولة اليهودية لا يحتمل وجود دولة فلسطينية الى جوارها، تحمل كل هذه الكراهية لاسرائيل.

***

هذه التمهيدات التى أطلقها السيسى و نتنياهو وغيرهما بمباركة ورعاية وتوجيه الولايات المتحدة بإداراتها المختلفة، اصبح لها اليوم مشروعات وتفاهمات وتطبيقات وخطوات محددة على الارض:

منها تلك الورقة التى أعدها الجنرال "مايكل فلين" مستشار الامن القومى المستقيل بمشاركة عدد من الشخصيات العسكرية والإستخبارية من أعضاء مركز لندن لأبحاث السياسات فى العاصمة الأمريكية واشنطن، ونشرتها جريدة الاهرام فى عددها الصادر بتاريخ 20 نوفمبر 2016 ، والتى تتحدث عن تأسيس منظمة جديدة باسم ((منظمة اتفاقية الخليج والبحر الأحمر)) لتكون بمثابة حلف عسكرى جديد تحت قيادة الولايات المتحدة الامريكية وعضويةمصر والسعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وسلطنة عمان والأردن، تحتل فيها اسرائيل صفة المراقب، وتكون لها ثلاثة أهداف محددة هى القضاء على داعش، ومواجهة ايران، والتصدى للإسلام المتطرف. وهى بمثابة إتفاقية دفاع مشترك، يكون الإعتداء على أى دولة عضوا فى المعاهدة، بمثابة إعتداء على الدول الأعضاء جميعاً، كما ورد بالنص فى الورقة المذكورة.

ولقد نشرت جريدة "وول ستريت جورنال" عرض وتحليل لهذا المشروع فى عددها الصادر 15 فبراير الجارى، ونقل عنها "معهد ستراتفور الامريكى للدراسات الاستخبارية والامنية" فى منشور تقدير موقف نشره فى ذات اليوم.

***

وعلى ذات المنوال نشرت جريدة الشروق المصرية سلسلة من المقالات لأحد الباحثين وثيقى الصِّلة بالأجهزة السيادية المصرية يدعو فيها صراحة الى شراكة مصرية اسرائيلية تحت القيادة الامريكية الجديدة! (شراكة وليس مجرد تطبيع!)

ناهيك عن سيولة التصريحات والمقالات المصرية التى تحتفى بالادارة الامريكية الجديدة، وتبشر بما سينال السيسى ونظامه من خير على يديها، الى درجة وصلت الى وصف بعضها للرئيس ترامببالمهدى المنتظر!

***

ولا يزال غالبية المراقبين فى مصر يفسرون لغز التفريط الرسمى المصرى فى جزيرتى تيران وصنافير للسعودية، بانه لم يكن سوى خطوة على طريق بناء تطبيع سعودى اسرائيلى برعاية مصرية من بوابة التدابير الامنية الواردة فى اتفاقيات كامب ديفيد، كمقدمة ضرورية لبناء محور مصرى اسرائيلى سعودى فى المنطقة، وهو المحور الذى يصفه نتنياهو فى تصريحات متعددة بأنه تحالف قائم بالفعل.

***

وهو تحالف لم يبدأ اليوم، بل قبل ذلك بعدة سنوات، ولقد ظهر فى عشرات المواقف المصرية الرسمية، بدءا بالانحياز الى اسرائيل فى عدوانها على غزة 2014، ومرورا باغلاق المعبر فوق الارض رغم هدم الانفاق تحت الارض التى رفض مبارك نفسه هدمها، وكذلك تنفيذ المطلب الاسرائيلى القديم الذى رفضه مبارك أيضا بإخلاء المنطقة الحدودية من السكان لانشاء منطقة عازلة، بالاضافة الى شيطنة الفلسطينيين وتوصيف حركات المقاومة كمنظمات ارهابية مع رفض وصف مماثل لاسرائيل بالارهاب، وايضا وصف السيسى لنتنياهو بانه يمتلك من مقومات القيادة ما يؤهله لتطوير المنطقة والعالم بأسره! والتفاخر بالاتصالات التليفونية الدورية بينهما، وإعراب السيسى عن تفهمه لمخاوف اسرائيل من المشروع النووى الايرانى، وحديثه عن السلام الدافئ وعمق الثقة والطمأنينة القائمة اليوم بين الطرفين الى آخر سحب الوفد المصرى لقرار ادانة المستوطنات من مجلس الأمن، والقائمة تطول.

***

والسؤال البديهى اليوم هو عن ماهية الفوائد التى يمكن أن تجنيها مصر والدول العربية ويجنيها الأمن القومى المصرى والعربى، من هذا التحالف الانتحارى مع العدو الصهيونى تحت القيادة الامريكية؟

فسيتم تصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية، وسيغتصب ما تبقى من الارض المحتلة، وستتوج اسرائيل عربيا كالقوة الاقليمية العظمى، وسترتكب مزيدا من المذابح لأهالينا فى فلسطين، وسيُضخ فى كيانها الصهيونى الباطل دماء جديدة تطيل فى عمره عقودا اضافية أخرى، وستستمر التبعية الامريكية وتتعمق، ونعود لعصر الاحلاف العسكرية بعد الحرب العالمية الثانية.

وكل ذلك فى مقابل أن ينال السادة من الملوك والرؤساء العرب مزيد من الرضا والقبول والاعتراف والحماية الامريكية.

*****

القاهرة 17 فبراير 2017
إرسال تعليق