الأحد، 9 أكتوبر، 2016

زهير كمال يكتب: النهاية الأليمة لمحمود عباس

على هامش التعزية بوفاة شيمون بيريز عقد لقاء بين وزير الخارجية الأمريكي جون كيري وأعضاء من السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس. تقضي الأعراف الدبلوماسية بأن يسلم الطرفان أحدهما على الآخر قبل بدء الاجتماع.
مد الطرفان كيري وعباس اليد اليمنى ولكن كيري غيّر موقفه ولم يسلم على اليد الممدودة من الطرف الآخر.
لم يصدر من الخارجية الأمريكية تفسير للواقعة التي تظهر إهانة متعمدة لرأس السلطة الفلسطينية. 
في البحث عن أسباب هذا التصرف الغريب فانه لا بد وأن قولاً أو فعلاً قد صدر من محمود عباس أغضب كيري والولايات المتحدة عليه ، وبالرجوع الى الماضي القريب، لم يكن هناك سوى بعض التصريحات العنترية من محمود عباس ضد العرب الذين يتدخلون في الشأن الفلسطيني وكذلك إلغاء الانتخابات البلدية وكلاهما شأن تافه بالنسبة لكيري.
أما القضية الكبرى الهامة والتي أرقت كيري والتي تمس المصالح الأمريكية فقد كانت اجتماع محمود عباس مع مريم رجوي في باريس.
مريم رجوي هي زعيمة منظمة مجاهدي خلق المعارضة للنظام الإيراني ، كانت المنظمة موجودة في العراق منذ الحرب العراقية الإيرانية ثم انسحب أعضاؤها منه عند نهاية الغزو الأمريكي ، ومقرهم الآن في باريس.
وقع عباس في المحظور وتدخل فيما لا يعنيه ، فالإدارة الأمريكية تبحث عن علاقات مستقرة مع النظام الإيراني الحالي ولا تريد تكدير هذه العلاقة المتأرجحة .
بعد اجتماع عباس مع مريم رجوي في باريس ، كان رد الفعل الإيراني عنيفاً ، فقد صرح أكثر من مسؤول لديهم ، بأن محمود عباس عميل للمخابرات الأمريكية وأن وثائق السفارة الأمريكية المقطعة والمفرومة في طهران أيام أزمة الرهائن عام 1979 تظهر اسمه ضمن أسماء العملاء المنتشرين في كل دول العالم الثالث.
وفي تحليل هذه الوقائع أسرد ما يلي :
1. كانت طهران قبل الثورة تضاهي تل أبيب في الأهمية من حيث جمع المعلومات وتوظيف العملاء والعمليات الاستخبارية الأخرى ، بل ربما تفوقها في الأهمية كون إيران بلداً مسلماً لا ينظر إليه بعداء كما إسرائيل.
2. عمل الطلاب والمتطوعون في كومة ضخمة من الأوراق المفرومة والمقطعة وحصلوا على معلومات خطيرة ، تلك الأيام كانت الحواسيب ما تزال تحبو بداية خطواتها الأولى.
3. ليس كل ما يعرف يقال، ولهذا كان صبر أركان النظام الإيراني كصبر تجار البازار على بضاعتهم. ولا شك أنهم يمتلكون معلومات عن أشخاص آخرين في المنطقة العربية ارتموا في أحضان المخابرات المركزية .
4. عندما انفجر الخبر لم تتداوله أجهزة الإعلام العربية بالتحليل والإبراز والتكرار كما يحدث في بعض الأحداث الأخرى، وكأنما يراد له الطي والكتمان والنسيان.
5. في عقولنا عدم تصديق واستهجان واستغراب أن يكون رئيس دولة أو سلطة عميلاً رخيصاً للمخابرات. قد نصدق مثلاً حدوث هذا في جمهوريات الموز السابقة في أمريكا اللاتينية والجنوبية ، مثل رئيس بنما السابق مانويل نورييغا الذي يقضي بقية حياته في أحد السجون الامريكية في فلوريدا.
ولكن ألا تشابه أوضاعنا الحالية أوضاع هذه الجمهوريات بل ربما أسوأ بوجود النفط وإسرائيل؟
6. ربما نسي عباس في هذه السن المتقدمة تحذير مشغليه من أن النظام الإيراني يعرف حقيقته، واعتقد انه يستطيع التصرف كرئيس دولة يرسم السياسات التي تتناسب مع مصالح دولته، فقام بزيارة مريم رجوي في باريس .
لم يكن هناك داع لتحدي النظام الإيراني، الأمر الذي أغضب رؤساءه عليه ، ومصلحتهم الآن تقضي بالتهدئة مع إيران .
بالنسبة إليهم يبقى الرجل صغيراً مهما علت مرتبته، فكان تصرف كيري اللافت للنظر
7. إذا أهملنا التصريحات الإيرانية واعتبرناها تصريحات هوجاء غاضبة، ألا تشي أفعال الرجل وتصرفاته منذ تولى العمل السياسي وحتى يومنا هذا بأنه يعمل ضد مصالح الشعب الفلسطيني؟
8. بالعودة الى الوراء قليلاً ، نعرف أن محمود عباس هو مهندس اتفاقية أوسلو. ولكنه لا يتحلى بالذكاء اللازم لصياغة اتفاقية معقدة، وكمثل بسيط تناولها الوضع الجغرافي وتقسيم المناطق الى ألف و باء و جيم .
فالخبراء الأمريكان هم المولعون بهذه الدقة في التفاصيل ، ولكن يمكن القول إن المخابرات المركزية الأمريكية كانت تتفاوض مع إسرائيل من أجل حل للمشكلة الفلسطينية عبر واجهة فلسطينية هي أحد رجالها الأوفياء صاحب الشخصية الباهتة محمود عباس .
كان الطعم معداً بعناية لعرفات بعد سنين في منفاه التونسي أن يقبل التنازل عن 78% من فلسطين مقابل ما سماه يومها (سلام الشجعان) ، ولم يكن للشجاعة أي نصيب في الدخول الى المصيدة ملقياً أهم سلاح لديه وهو عدم التنازل عن أي شبر فيها .
9. ما تلا ذلك معروف ، وهو قدوم الجنرال الأمريكي دايتون وتحويل القوات التابعة لفتح الى قوات أمنية بدون عقيدة فكرية، تتجسس على شعبها وتقدم المعلومات الى إسرائيل وكذلك إفساد المجتمع الفلسطيني ، والأدهى تحويل الطبقة الوسطى الى تابع ذليل لسلطة عباس يقطع الرواتب أو يصرفها حسب برنامج مخطط ومعد بعناية لتغيير العقول والمشاعر والأهواء .
غضب الأمريكان كثيراً على عباس ، فغلطة كهذه تفسد مخططاتهم المستقبلية بتأمين خلف مماثل، ولعل عباس شعر بغلطته فبكى بحرقة في جنازة بيريز عله يوهم مشغليه بأنه ما زال رجلهم المخلص .
ولكن هيهات فقد لفظوا قبل ذلك شخصيات أهم بكثير منه عندما انتهى مفعولهم ولم يعودوا بذات نفع للمصالح الامريكية.
انتهى مفعول عباس ، فانتهت صلاحيته وربما نسمع خبر موته ( الطبيعي) قريباً ولكن يستوجب توجيه النصح الى زلمه وأعوانه .
لا تدفنوه في أرض فلسطين، فهناك قاعدة عامة ينبغي تذكيرهم بها :
لا وجود لقبور وأضرحة للخونة منذ يهوذا وحتى يومنا هذا .
لو فعلوها ووضعوا له ضريحاً سيأتي طفل فلسطيني يكتب على قبره بقلم جرافيت أسود:
هنا يرقد رجل باع وطنه وشعبه بثلاثين شاقلاً من الفضة .
إرسال تعليق