الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2016

زهير كمال يكتب: ناهض حتر والمختلفون معه

ما يلفت الانتباه في جريمة اغتيال الكاتب ناهض حتر هو ردود أفعال الكتاب الآخرين على جريمة اغتياله. فكلما تكلم أحدهم أو سئل تبرع قائلاً: رغم اختلافي مع ناهض .... ثم يكمل الحديث مندداً أو شاجباً للجريمة.
وبالطبع لن نعرف لماذا اختلف معه ، فقد انتهى الاختلاف باغتيال حتر.
كثير من الصحف والمواقع تضع قبل اسمه عبارة الكاتب الجدلي أو الكاتب المثير للجدل .وما نستنتجه هنا أن هناك خلافاً في الرأي أو الفكر بين الكاتب وأقرانه من الكتاب، وهذا شيء طبيعي. ولكن كانت هناك اختلافات أشد وطأة مع الكاتب.
فقد اختلفت الحكومة الأردنية مع الكاتب فوضعته رهن الاعتقال بتهمة السب في الذات الإلهية، وتصدر رئيس الوزراء للموضوع ، يريد أن يثبت أنه رجل دولة يستبق الأحداث قبل وقوعها، فليس من المعتقد أنه وهو الرجل العلماني كان يعمل بدافع ديني، بل كان يريد إثبات أنه يحافظ على السلم الأهلي. 
لم تتمعن الحكومة بتفسير الكاتب لموضوع الكاريكاتير المنقول وهكذا لفتت انتباه الرأي العام الى الموضوع برمته بدلاً من انتظار رد فعل الناس أولاً ، فربما مر الموضوع مرور الكرام.
ولكن يبدو أن اختلاف الحكومة السياسي مع الكاتب كان هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
وقد أفرجت الحكومة بكفالة عن الكاتب بعد فترة وجيزة من الحبس ، والسؤال المجازي هنا : ماذا لو كان موضوع الكاريكاتير المنقول هو السب في الذات الملكية، هل كان سيخرج من حبسه أبداً ؟
اختلف القاتل مع الكاتب فأرداه قتيلاً ، يظن القاتل أنه بفعلته هذه إنما يدافع عن الله تعالى أن يمسه أحد الكفرة بسوء.
والقاتل يعيش في أفقر مناطق الأردن المزدحمة بالسكان ، ولا يعرف هذا الجاهل أن الكاتب كان يدافع عنه وعنالطبقات الفقيرة المحرومة والتي تركت للجهل والتخلف على مدار سنين طويلة يعشش في عقولها ويحرمها الإدراك السليم والوعي بحقائق الحياة.
وضمن الأمور المحزنة حقاً، والتي أظهرها مصرع حتر بوضوح، هي الحالة المتردية التي وصل اليها المجتمع الأردني بخاصة والمجتمعات العربية بعامة. فقديماً كانت الشعوب تتظاهر كلما أتيحت لها فرصة للتظاهر، وهو ما عرف باسم الشارع العربي الذي يعبر عن رأيه المخالف لرأي حكوماته.
أما في الحاضر فقد وقف حتر وحيداً أمام سطوة حكومته وجبروتها. ولم نشاهد مظاهرة دعم واحدة تقول لخصومه نحن نتضامن معه، إن له حق التعبير عن آرائه. ولم نقرأ بيان تضامن واحد من أية نقابة في الأردن، لقد شل الخوف الجميع ، والسبب بسيط فقد اعتقد الجميع أنه دخل في ساحة المحرمات !
وربما تعبر العبارة المتداولة بين بعضهم عن هذه الحالة، وقد لاحظناهم يتداولونها كثيراً :
ناقل الكفر ليس بكافر .
إذاً فالموضوع فيه كفر، ولذلك أصبح هامش الدفاع عن الكاتب محدوداً.
ولكن من من يدافع عن الكاتب على هذا الأساس إنما يظلمه ويقتل الحق في حرية التعبير.
بداية : لم يكن يخطر على بال الكاتب أن يهاجم المعتقدات الإسلامية وهو يعيش في مجتمع إسلامي وفي مرحلة بالغة الحساسية تمر بها المنطقة، فهناك كثير من الرقابة الذاتية وضبط النفس يستعملهما معظم الكتاب. ولكن لو تناولنا الأولويات لوجدنا أن الكاتب لم يخطئ كما يتصور البعض.
فداعش - فكراً وعملاً - هي جسم غريب على الإسلام، ويتفق معظم المحللين على انها صناعة غربية، ولكن لأننا لا نجد شيوخاً وهيئات دينية في المجتمع العربي تقوم بتكفيرهم وتعتبرهم فئة خارجة عن الدين، إنما هو سبب المأساة التي تعيشها مجتمعاتنا العربية وبخاصة فئة الشباب.
أما سبب عدم وجود شيوخ وهيئات دينية متنورة إلا ما ندر، فإنما بفعل المال السعودي الذي حوّل الشيوخ الى وعاظ سلاطين ودعاة لولي الأمر، لا علاقة لهم بالإسلام وتعاليمه الواضحة. 
ولا يخفى أن كثيراً منهم من الجهلة ينطبق عليهم بيت حسان بن ثابت :
لا بأس بالقوم من طولٍ ومن عِظمٍ .. جسم البغال وأحلام العصافير.
وقد لا نبالغ إن قلنا إن من يغني خارج هذا السرب إنما يعدون على أصابع اليد الواحدة، ولا يستطيعون فعل شيء في هذا البحر المفعم بالظلامية والجهل.
إذاً فكأنّ هناك رباً لداعش يختلف عن الله الرحمن الرحيم الذي بشر به الإسلام والديانات السماوية الأخرى، ولكن اختلط الأمر وأصاب الخوف شعوبنا وحكوماتنا ومثقفينا .
وكما ذكرت سابقاً فإن الأدهى أن هذه المجتمعات المترابطة سابقاً قد تحولت الى مجموع من الأفراد يواجه كل فرد منهم مشاكله بنفسه.
هذا ما لاحظناه في حالة حتر، كفرد وحيد منذ أثيرت مشكلة الكاريكاتير والأمر بحبسه وحتى لحظة اغتياله على باب قصر العدل، هذه اللحظة بما تحمله من رمزية شديدة، فقد تم اغتيال العدل والحق في مجتمعاتنا العربية كلها.
ومع كل سواد هذه اللحظة المؤلمة إلا أن منظر الفتاة المحجبة ورفيقها اللذيْن حاولا إسعاف حتر لهي دلالة على أن شعوبنا لا تزال بخير .
مشكلتنا هي في وعي مثقفي الطبقة الوسطى، وفي إدراكهم لما يخطط لهذه الأمة من مستقبل مظلم ، وفي توحدهم من أجل وقف هذا التدهور والانحطاط .
فهل من مجيب؟
إرسال تعليق