زهير كمال يكتب: الانقلاب المدني

تستطيع أن تخدع بعض الناس كل الوقت، أو كل الناس بعض الوقت ولكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت.

ارتبطت كلمة الانقلاب، بالانقلابات العسكرية التي حدثت وما تزال في دول العالم الثالث، يقوم عسكري يمتلك كاريزما قوية بتجميع رفاق وموالين له بالسيطرة على القصر والاذاعة فيصبح الزعيم الاوحد ويبدأ فصل جديد في حياة شعبه، لو اعطينا مثلاً على انقلاب عسكري ناجح في السابق ، جمال عبد الناصر في مصر  وهوغو شافيز في فنزويلا، كلا الرجلين انقلبا على حكم بيروقراطي فاسد، وأحدثا بعض التغيير في بلادهما ولكن لم تكن كافية لاستمرار الزخم الذي قاما به بعد موتهما.

عند تحليل ما حدث في الولايات المتحدة يوم 3 نوفمبر 2026، نستطيع وصفه بالانقلاب المدني عبر صناديق الانتخابات.

في العادة ينتخب الأمريكان في انتخابات التجديد النصفي نواباً وشيوخا من الحزب المخالف لحزب الرئيس، ربما في الوعي الجمعي يريدون إحداث توازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.

ولكن ما حدث في هذه الانتخابات التي جرت في 3 نوفمبر 2026، يفوق توقعات أشد المتفائلين، إذ تم اكتساح الحزب الديمقراطي مقاعد الكونجرس في مجلسي الشيوخ والنواب و60% من حكام الولايات. وقد وصف بعض المعلقين ما حدث بأنه لم يحدث منذ سبعين عام.

تحليل الحدث:

 كثير من المراقبين عزا هذا التغيير الى ارتفاع اسعار البنزين والمواد الاستهلاكية الأخرى في الولايات المتحدة. ولكن لو استمع الشعب الأمريكي لرئيسه وانتخب مرشحي الحزب الجمهوري ، فأن المكافأة ستكون خمسة آلاف دولار لكل فرد، هذه أول مرة يقوم رئيس بمحاولة رشوة شعبه، وكان رد فعل الجماهير التصويت بكثافة ضد هذه الإهانة ، اي أن الموضوع لم يعد يتعلق بالأسعار بل بالكرامة والتحدي

 تعتبر كثافة التصويت في هذه الانتخابات غير مسبوقة وهي واحدة من أكثر الانتخابات في التاريخ الأمريكي كثافة.   

لم يتوفر بعد عدد المقترعين الكلي ولكن في دراسة لجامعة فلوريدا بلغ عددهم 124 مليون مقترع من أصل 174 مليون يحق لهم التصويت. وبهذا تبلغ النسبة المئوية 71%

 الجدول التالي لنسب انتخابات التجديد النصفي يساعد على فهم ضخامة الحدث:

في مقال لي في الثاني من آب / اغسطس 2026،  بعنوان (حائك السجاد والطاغية) توقعت حدوث ذلك حيث قلت في تهاية المقال:

ورطة الطاغية كبيرة، أمامه ثلاثة أشهر قبل أن يختنق كلية، ففي شهر نوفمبر ستتم انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الشيوخ والنواب، واذا استمر الوضع كما هو جارٍ الآن فإن عزله سيصبح مؤكداً، وتغلق بذلك فترة مظلمة تمر على البشرية، عصر الطغاة لم يعد هو المنحى السائد، لأنه عكس تطوّر البشرية.

وفي الحقيقة فاقت النتيجة توقعاتي.

رفض الشعب الأمريكي الدكتاتورية، ورفض الاستفادة من منصب الرئاسة ، كل من تولى رئاسة الولايات المتحدة احترم الدستور والمنصب ولا يوجد رئيس واحد تاجر في الاسهم واستفاد من القرارات التي يصدرها بنفسه.

رفض الشعب الامريكي التهور ، افتعال حروب خارجية لتغطية فضائح وصرف الانظارعما حدث في جزيرة ابستين، وخضوع  رئيس أكبر دولة في العالم لرئيس وزراء دولة صغيرة هي اسرائيل لانها تستطيع ابتزازه بما تملك من مستمسكات جمعتها مخابراتها عليه .

دفعته الى حرب إيران وكانت النتيجة موت وجرح جنود أمريكان، بدون مبرر إضافة إلى خسارة مليارات الدولارات وتحمل الشعب أعبائها الاقتصادية.

في تصريح لافت قال ترامب أن هذه الانتخابات ليست عنه وفي العادة ان حزب الرئيس دائما يخسرها، ولو كان اسمه موجوداً في قائمة المرشحين لفازت القائمة، ولكن تبين النتيجة أن الشعب الامريكي جعلها عن ترامب سواء كان اسمه موجوداً أم لا.   

النتائج والتوقعات:

قاد الحزب الديمقراطي هذه الانتخابات ببراعة فائقة، قاد العملية الرئيس السابق باراك أوباما المعروف بشخصيته الكاريزماتية ، ذكّر الجمهور الأمريكي باتفاقيته مع إيران التي منعها من امتلاك اسلحة نووية بدون أطلاق صاروخ واحد، وكانت هذه كافية لقلب الطاولة على راس ترامب وكل العبث الذي قام به ادعاءه ان الحرب هي لمنع إيران من ذلك.

داخل الحزب الديمقراطي ثلاث أجنحة تتصارع ، تشكلت هذه الأجنحة بعد جريمة الابادة التي قامت بها إسرائيل في غزة، قاد السناتور بيرني ساندرز الجناح اليساري في الحزب، أصبح تلقي التبرعات من ايباك بمثابة وصمة عار. وهكذا فإن معظم النواب الجدد خالين من ضغط هذه المنظمة التي كانت تقدم التبرعات لجميع المرشحين سواء كانوا جمهوريين أو ديمقراطيين ، ففي النهاية، هي ( ومن ورائها)  الكاسب الأخير.  لا أحد يعرف أن كان النائب القديم في المجلس، حكيم جيفري، والمرشح لرئاسة مجلس النواب ويتم تلميعه كون بشرته سمراء، قد تلقى دعماً منها في السابق، ففي تصريح لافت له قال إنهم لا يفكرون بعزل الرئيس. وفي اعتقادي أنه لا يستطيع وقف الزخم المندفع من الجناح اليساري المطالب بعزله.

كانت خسارة الحزب الجمهوري تفوق التوقعات ويستغرق تعويض الخسارة سنوات طويلة. وبلا شك يدرك كثير من حكماء الحزب أن سبب ذلك يرجع الى الرئيس الطائش. ولتقليل الخسائر سيقومون بالتضحية به سيقدمون الدعم اللازم للحزب الديمقراطي الذي لا يحتاج عدداً كبيراً من الأصوات للبدء بعملية العزل. وبالطبع سيتهم الداعمون بالخيانة ولكن العبرة بالنتائج.

 Lame duck president أصبح الرئيس ترامب بطة عرجاء

منذ اللحظة التي أعلنت فيها نتائج الانتخابات، في العادة يصبح الرئيس كذلك في الأشهر الأخيرة من ولايته، حيث لا يتخذ قرارات كبرى تؤثر على البلاد وفي العادة يستعمل صلاحياته للعفو عن بعض الأفراد بحيث لا تتم ملاحقتهم قضائياً، وقد يستعمل ترامب هذه الميزة للعفو عن نفسه.

ولكن من يستطيع العفو عن الضرر الكبير الذي لحق بالعالم أجمع نتيجة تصرفات طاغية أعتقد في نفسه أنه ظل الله على الأرض.

أتمنى أن تكون هذه النتيجة عامل إيقاظ للشعوب المقهورة ودرساً لها عما تستطيع أن تفعله الديمقراطية الحقيقية.

النصر دائماً للشعوب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق