فادي وهبة يجيب: لمن يسأل: ما الفرق بين الفتح الإسلامي والاحتلال الغربي؟



ينظر العلماني المفتون، عبدُ الغرب الصليبي في شرقنا المكلوم، إلى الفتوحات الإسلامية بعين التشويه والمغالطة، مسوّياً بجهالة وجحود بين الحق والباطل بلا موازنة! فتراه يقرن فتح الأندلس المجيدة، بغزو العراق وخراب دياره التليدة!
وبحكم نشأتي، وإبحاري السابق الطويل في التراث الكنسي والنصوص اللاهوتية، أقولها بصوت التاريخ الحاسم، بعيداً عن تخرّصات هذا العلماني الهائم: إن الفرق بين الفتح والاحتلال كالفرق بين النور والظلام، وشقاء الأنام وراحة الأيام؛ والأندلس والعراق خير شاهدين على هذا التباين والمقام.
> فعندما دخل المسلمون الأندلس، لم يتعاملوا مع أهلها بمنطق "التكفير والهرطقة" أو النهب والسلب، بل شادوا فيها أبهى حضارةٍ تحت شبكة الأفلاك والشهب! يقول المستشرق الإنجليزي ستانلي لين بول في كتابه (قصة العرب في إسبانيا):
"ولقد كانت قرطبة في أيام الخليفة العظيم حاضرة جديرة بالفخر والإعجاب، وإذا استثنينا بيزنطة فلن نجد في أوروبا مدينة تساميها في جمال أبنيتها، أو في حياتها الرخية المترفة، أو فيما تزخر به من أنواع العلوم والفنون والآداب... فقد كانت عقول أهل قرطبة كقصورها في الحسن والروعة؛ إذ جعل علماؤها وأساتذتها منها مركزاً للثقافة الأوروبية، فكان الطلاب يفرون إليها من جميع أنحاء أوروبا لتلقي العلم عن جهابذتها الأعلام".
> ويؤكد المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون في كتاب (حضارة العرب) هذه الحقيقة الساطعة قائلاً:
"إسبانيا لم تكن ذات حضارة تذكر قبل الفتح العربي، فصارت ذات حضارة ناضرة في زمن العرب، ثم هبطت إلى الدرك الأسفل من الانحطاط بعد جلاء العرب".
وفي المقابل، يقف العراق في واقعنا الجريح، شاهداً على دمار الاحتلال الغربي الغاشم المبيح، وما صبّه عليه من الخراب العريض، والظلم العريض!
وهنا تجب الإشارة إلى حقيقة ساطعة كالشمس في ضحاها، يعرفها كل من رصد حركة اللاهوت الغربي مقارنة بشرعة الإسلام وهداها:
* فالمسلمون لم يبيدوا أدياناً كما فعلت محاكم التفتيش في الأندلس (تلك المحاكم التي خبرنا خبايا أدبياتها وتصفيتها لكل من خالف عقيدة المجمع ورأي كُهّانه).
* ولم يستأصلوا أعراقاً كما صنع الأمريكان بالهنود الحمر واستباحوا دماءه.
* ولم يفقروا الشعوب كما فعلت بريطانيا وفرنسا في نهب الثروات وقوتِه.
* ولم يشرّدوا السكان كما يفعل الكيان الصهيوني في عدوانه ومقت
* ولم تظهر في حروبهم مصطلحات الإبادة والتطهير، كما تجلت في جحافل السوفيت وأرباب التسعير.
فمن أراد إدراك الفرق الجوهري بين الفتح والاحتلال، فلينظر إلى الأندلس بعد الفتح الإسلامي، وإلى العراق بعد الاحتلال الأمريكي!
> فما الذي يفرق الفتوحات الإسلامية عن أن تكون احتلالاً كباقي الغزوات؟!
لقد تبين لي بعد طول مقارنة بين المنظور الإسلامي الرسالي والمنظور الغربي النفعي، أن الانطلاق من رؤية قيمية هادية، تبتغي نشر الدين ورفع الظلم عن الرعية والنادية، يختلف اختلافاً جذرياً في طبائعه وغاياته، عن الانطلاق من رؤية مادية جشعة، هدفها الهيمنة وبسط القوة والقبضة! المسلمون ينظرون للوجود بعين التدافع بين الحق والباطل، ومهمتهم إخراج الناس من ظلمات الجهل والجور إلى نور العدل النازل.
>> ومما يلفت النظر ويدحض البهتان، أن الفاتحين كانوا ثلة قليلة لا تتعدى المئات، أمام ملايين السكان؛ فكيف يُفرض الدين بالسيف والسنان؟! لقد دخلت أُمَم هذه البلاد في الإسلام طائعة راغبة، وعلى فترات زمنية متدرجة صائبة؛ كما حدث مع المصريين، وكما جرى لشعوب الأندلس التي تحولت عن اقتناع راسخ وتآلف مع الفطرة إلى الإسلام؛ إذ وجدوا في التوحيد الناصع سكناً للقلب والروح، وراحةً من صراعات اللاهوت وجدال العقائد المفتوح، حيث توافقت قيم الإسلام السامية مع نبل طريقتهم وسلامة البوح.
لم تكن حركة الجهاد جباية للأموال واعتصاراً للخيرات، بل عمران للبقاع ونشراً للمكرمات. ولذا تكرر في التاريخ أن تنهض حواضر في أقصى المشرق والمغرب فتفوق العاصمة الإسلامية في البناء والرفعة، وهو ما يستحيل في الاحتلال الغربي القائم على امتصاص دماء المستعمرات لخدمة عاصمته والمنعة! فلم تفُق عاصمة غربيةٌ باريس أو لندن أو واشنطن أو موسكو؛ بينما أخرج الإسلام مناطق كإسبانيا وصقلية وآسيا الوسطى من طي النسيان إلى أوج العمران، فلما جُلي عنها عادت هشيماً تذروه الرياح عبر الأزمان.
>> الخلل الفلسفي واللاهوتي في الحضارة الغربية ورعايتها للاستعباد
إن الإشكال الغربي يكمن في نظرة ضيقة للوجود؛ وقد أمضيتُ زماناً أتأمل كيف انحرفت فلسفتهم لتصنع نفعية بلا حدود، ترى الكون خزاناً ضيقاً لا يكفي البشر، فتولدت عنها حلول بربرية تعجل بالتخلص من البشر. ولعل من أسطع السجلات التي وقفنا على نصوصها في التاريخ الكنسي، ما ارتكبته المؤسسة البابوية من مباركة رسمية لشرعنة العبودية ونهب الأراضي:
* فقد أعلن البابا يوجينيوس الرابع رعايته الكنسية لحملات الاستعباد التي قادها الملك هنري في أراضي إفريقيا المكلومة!
* ثم أصدر البابا نيقولا الخامس مرسومَيْه الشهيرين (Dum Diversas عام 1452م، وRomanus Pontifex عام 1455م)، منح فيهما البرتغال حقاً دينياً مكرساً في استعباد الأفارقة وغيرهم من غير المسيحيين، واغتصاب أراضيهم ونهب ديارهم بلا مراعاة لدين أو ضمير!
* بل وتوجت المؤسسة البابوية هذا الاستغلال، بما شهدته الفترة بين عامي (1450م - 1460م)، حين عقد البابا نيقولا الخامس والملك البرتغالي كالكاتاس الثالث صفقةً جشعة لاسترقاق الأفارقة، مقابل تعميد العبيد الجدد ودفع ثلاثمائة كراون للخزينة الكنسية عن كل رأس وإنسان!
هذه هي الحضارة الغربية في أدبياتها اللاهوتية والفلسفية؛ فمن هذه المظالم إلى فلسفة الملك ليكورجوس الإسبرطي الذي يقتل الأطفال الضعفاء قسراً، وصولاً إلى نيتشه الملحد الذي ينادي بإبادة العجزة قهراً ليصنع إنسانه الفائق، وبينهما القس مالتوس (الذي درسناه وعرفنا تنظيره الثقافي)، إذ يرى الفقر والأوبئة والحروب نعمةً تكفر بها الطبيعة عن خطيئتها في كثرة الخلائق!
فشتان بين فلسفة تجعل الإنسان عبئاً يُستأصل ويُباد، ورسالة إلهية تراه مكَرَّماً ليُعمر البلاد بالعدل والإرشاد! وصدق الشاعر إذ قال:
حَكَمْنَا فَكَانَ العَدْلُ مِنَّا سَجِيَّةً ... فَلَمَّا حَكَمْتُمْ سَالَ بِالدَّمِ أَبْطَحُ
وَأَحْلَلْتُمُ قَتْلَ الأَسَارَى وَطَالَمَا ... كُنَّا عَنِ الأَسْرَى نَمُنُّ وَنَصْفَحُ
فَحَسْبُكُمُ هَذَا التَفَاوُتُ بَيْنَنَا ... وَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق