عرض لكتاب "مصر في عهد السيسي : أمة على حافة الهاوية "

عرض الدكتور كمال الجندي

قراءة تحليلية للبنية السياسية والاجتماعية لجمهورية السيسي

قبل أن نبدأ..

قبل أن نلج إلى تفاصيل هذا الكتاب ومراجعته، ينبغي التأكيد على أن عرض هذا الكتاب وترجمته البنيوية لا يأتيان بغرض النقد السياسي، ولا على سبيل الدعاية أو الترويج لأطروحات المعارضة؛ بل ينطلق هذا الجهد من دافع أكاديمي ومعرفي بحت، غايته الأساسية أن نفهم نحن هنا في مصر كيف يقرأ الغرب نظامنا السياسي، وكيف يستشرف مستقبله، ومن أي زاوية تتشكل العقلية الدولية تجاه واقعنا الراهن.

إننا بصدد مراجعة عمل أكاديمي رصين يُقرأ في كبرى الجامعات ومؤسسات صنع القرار في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومن الواجب المعرفي أن نملك الأدوات التي تجعلنا على دراية بكيف يفكرون فينا وكيف يتحدثون عنا.

والمؤلف، وإن كان مصري الجنسية والأصل، إلا أنه ابن بيئته الأكاديمية الغربية؛ يعيش هناك، ويتحدث لغتهم، ويكتب بالكامل بعقلية وأدوات تلك المنصات الفكرية الأنجلو-أمريكية التي يخاطبها، مما يجعل كتابه مرآة دقيقة لتلك الرؤية الخارجية.

تتجلى قيمة هذه القراءة الإستراتيجية بمجرد النظر إلى ما يُطرح في الغرب عن هذا الكتاب، حيث يُطرح العمل بوصفه تشريحاً بنيوياً يملأ فراغاً حاداً في فهم ميكانيزمات السلطة والاقتصاد في مصر الجديدة، بعيداً عن السرد الصحفي العابر.

وما يؤكد خطورة المادة المعرفية للكتاب وأهمية رصدها، هو حجم التزكية النقدية والقبول الأكاديمي الذي حظي به على ظهر الغلاف من كبار المتخصصين الدوليين؛ إذ يصفه البروفيسور "روبرت سبرينغبورغ" –أحد أبرز الخبراء الأمريكيين في الشؤون السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط– بأنه "تشريح بنيوي لا غنى عنه، يقدم القراءة الأكثر عمقاً وانضباطاً للاقتصاد السياسي المصري المعاصر، ويمثل أداة أساسية لفهم آليات إدارة السلطة والثروة".

كما أجمعت منصات مراجعة الكتب الأكاديمية الغربية على أن ميزة الكتاب الأساسية تكمن في قدرة المؤلف على تقديم تحليل بارد ومحايد يرتكز على الأرقام والتشريعات والقوانين، مما يجعله وثيقة مرجعية لدى تلك الدوائر. من هنا، تصبح قراءتنا للكتاب محاولة واعية لامتلاك المعرفة، وفهم آليات الاستشراف الغربي لبلادنا، دون تبنٍّ أعمى لأفكاره أو معارضة مسبقة لنظرياته، بل من أجل الفهم والوعي بالذات في مرآة الآخر.

سياق مراجعة الكتاب ودواعيها

لم تعد الكتابة عن الشأن المصري الراهن مجرد رصد لتقلبات سياسية عابرة أو توثيق لأزمات اقتصادية دورية، بل تحولت في عمقها إلى محاولة جادة لفهم عملية إعادة هندسة شاملة لروح الوطن وجغرافيته وجسده الاجتماعي.

في هذا الفضاء البحثي المتخم بالتقارير الصحفية العجلى، يأتي كتاب الباحث ماجد مندور المعنون:

"Egypt Under El-Sisi: A Nation on the Edge"

ليقدم ما هو أبعد من الرصد الخارجي؛ إنه يطرح مشروعاً تشريحياً يستخدم المشرط الأكاديمي ليفكك به طبيعة النظام الذي تشكل بعد عام 2013، راصداً التناقض البنيوي الحاد بين سردية الدولة الصاعدة من جهة، والانكشاف المعيشي الحاد الذي يطحن الفئات الشعبية والطبقة الوسطى ويضع المجتمع كله على حافة هاوية حقيقية من جهة أخرى.

إن القيمة الأساسية التي تدفعنا لمراجعة هذا المؤلف فصلاً فصلاً تنبع من رغبة حقيقية في سبر أغوار الواقع الجديد وميكانيزمات السيطرة، وتقديم رؤية تحليلية معمقة تتجاوز الشعارات والبروباجندا، لتقف على الأرض الصلبة للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعيد صياغة مفهوم المواطنة والحياة اليومية في مصر.

أولاً: في رحاب صاحب الكتاب.. التكوين والمسار البحثي

خلف النفس الأكاديمي المنضبط والكتابة الصادرة باللغة الإنجليزية عن واحدة من أعرق دور النشر العالمية (I.B. Tauris / Bloomsbury)، يقف باحث ومحلل سياسي مصري خالص عايش مخاض التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ عام 2011 وحتى اليوم. يمثل ماجد مندور جيلاً جديداً من الباحثين الذين يدمجون بين المعرفة الميدانية اللصيقة بالشارع المصري، والاطلاع الواسع على أدوات العلوم السياسية والاقتصاد السياسي في الأوساط الأكاديمية الغربية.

لقد تبلور اهتمام مندور بالدولة المصرية حول فكرة مركزية وهي: كيف تتطور الأنظمة السلطوية العسكرية وتكتسب مرونة جديدة للاستمرار؟ وهو تساؤل دفعه إلى الغوص في تفاصيل البنية التحتية للنظام واقتصاده. ولم يكن هذا الكتاب وليد اللحظة، بل هو تقطير لسنوات من البحث والرصد الدقيق عبر كبريات المنصات الفكرية العالمية؛ حيث ساهم مندور بأوراق تحليلية معمقة في "معهد كارنيغي للسلام الدولي" ركزت على الاقتصاد السياسي وتداخل المؤسسة العسكرية مع السوق المدني، ونشر دراسات متتابعة في منصة "openDemocracy" البريطانية تتبعت تآكل الفضاء العام والرقابة الذاتية للمواطن، بالإضافة إلى مقالاته التحليلية في مواقع دولية متعددة، مما جعل منه واحداً من أهم الأصوات الشابة الوازنة في دوائر الفكر الأنجلو-أمريكية عند تفكيك المشهد المصري المعاصر.

ثانياً: "مقدمة" الكتاب والأطروحة المركزية

يفتتح المؤلف كتابه بمقدمة نظرية وتاريخية مكثفة يضع فيها يده مباشرة على الفرضية الأساسية التي يقوم عليها العمل بأكمله. لا ينظر مندور إلى النظام السياسي الحالي بوصفه امتداداً طبيعياً أو تكراراً مشوهاً للأنظمة السلطوية السابقة في تاريخ مصر الحديث، بل يطرح أطروحة مغايرة ترى في هذا النظام "قطيعة جذرية" مع الماضي، وإعادة صياغة كاملة للعقد الاجتماعي البنيوي للدولة.

وتتبلور هذه المقدمة عبر ثلاثة محاور تحليلية رئيسية:

  • أولاً: يشرح المؤلف مفهوم موت "الدولة المباركية المحافظة"؛ حيث يرى أن نظام حسني مبارك كان نظاماً سلطوياً تقليدياً يعتمد على التوازنات، ويترك مساحات صغيرة وهوامش للتنفس والمناورة، مثل وجود صحافة معارضة نسبياً، ونقابات مهنية يتحرك فيها تيار الإسلام السياسي، ومجتمع مدني مقيد لكنه فاعل. في المقابل، يرى مندور أن النظام الحالي اتخذ قراراً واعياً بالإغلاق الشامل للمجال العام وتأميم الفضاءات السياسية، لإدراكه أن تلك الهوامش الصغيرة في عهد مبارك هي التي سمحت بتراكم الغضب واندلاع ثورة يناير 2011.

  • ثانياً: تناقش المقدمة استبدال "الشرعية السياسية" بـ "الشرعية المادية البصرية". لقد تأسس عقد اجتماعي جديد يقوم على مقايضة الحقوق والحريات بالإنجاز المادي الملموس الذي يمثله المعمار، والجسور الشاهقة، والمدن الجديدة في الصحراء، أو ما يُعرف في الأدبيات بـ "السلطوية العمرانية". هذه المشاريع الضخمة، بحسب التحليل، هي رسائل موجهة للخارج وللنخبة لإثبات كفاءة النظام وقدرته على الإنجاز، بينما يُطلب من المواطن العادي تحمل الفاتورة الاقتصادية الباهظة كجزء من واجبه وتضحيته الوطنية.

  • ثالثاً: تؤصل المقدمة للعنوان الفرعي للكتاب "A Nation on the Edge"؛ إذ يمهد المؤلف للفصول القادمة بالقول إن هذا الاستقرار البصري والأمني المبني على الاقتراض الخارجي الكثيف وتصفية المجال العام هو استقرار هش يحمل في أحشائه بذور انكشاف اجتماعي واقتصادي غير مسبوق، نظراً لأن هذه البنية المصمتة لا تحتمل التراجعات الحادة في مصادر التمويل والسيولة الخارجية، مما يجعل الدولة بأكملها واقفة على حافة هاوية حادة تتطلب دراسة متأنية لفصولها ومكوناتها.

الفصل الأول: صعود النظام الجديد وإعادة صياغة العقد الاجتماعي

في هذا الفصل الاستهلالي، يعود ماجد مندور بالتحليل إلى لحظة التأسيس الفارقة في صيف عام 2013، ليدرس الكيفية التي تشكلت بها النواة الصلبة للنظام الحالي، والظروف السياقية التي سمحت له بفرض رؤيته السياسية والاقتصادية على المجتمع والدولة على حد سواء.

ويتجلى تحليل هذا الفصل في ثلاث ركائز بنيوية:

  • أولاً: يجادل المؤلف بأن صعود النظام الجديد لم يكن مجرد استعادة لشرعية ما قبل عام 2011، بل كان استجابة جذرية من النواة الصلبة للدولة لعلاج ما اعتبرته "ثغرات بنيوية" في جسم الدولة المباركية سمحت بحدوث الثورة. ومن ثم، فإن أولى خطوات صعود النظام اعتمدت على تفكيك شبكات المصالح القديمة وصياغة مراكز قوى جديدة بالكامل، أكثر ولاءً وتماسكاً، وأقل رغبة في الدخول في توازنات مع القوى المدنية أو الحزبية.

  • ثانياً: يفكك الفصل مفهوم "العقد الاجتماعي الجديد" الذي جرى فرضه. فبينما كان العقد الاجتماعي في عهد ناصر يقوم على مقايضة الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية والدعْم، وفي عهد مبارك على مقايضة السياسة بهوامش الربح والفساد المنظم؛ فإن العقد الجديد صِيغ على أرضية "الأمن الإجباري في مواجهة الفوضى". لقد طرح النظام نفسه بوصفه الحامي الوحيد للدولة من التفكك السوري أو الليبي، وبناءً على هذه المقايضة الوجودية، أصبح تنازل المجتمع عن مجاله السياسي وحقوقه المدنية شرطاً شارطاً للحصول على الأمن والاستقرار الفيزيائي.

  • ثالثاً: يرصد الفصل كيف واكب هذا الصعود عملية إعادة هيكلة واسعة لولاءات النخبة. فلم يعد النظام بحاجة إلى حزب حاكم تقليدي (كالحزب الوطني الديمقراطي سابقاً) لإدارة الشارع عبر الانتخابات والوجهاء المحليين، بل استبدل ذلك بآليات إدارة بيروقراطية وأمنية مباشرة، أدت إلى تهميش النخب السياسية القديمة، وصعود نخب تكنوقراطية وأمنية تنفذ القرارات الفوقية دون مناقشة، مما مهد الأرضية لما يسميه المؤلف بـ "السلطوية الصلبة" التي لا تقبل الشراكة مع أي فصيل مدني.

الفصل الثاني: إعادة هندسة الدولة وتأميم المجال السياسي

ينتقل مندور في الفصل الثاني من لحظة الصعود التأسيسية إلى مأسسة هذه السلطة، عبر دراسة الكيفية التي أُعِيدت بها "هندسة القوانين والدستور" لتأمين النظام وإغلاق كل المنافذ التي قد تسمح بظهور معارضة منظمة في المستقبل.

ويقسم المؤلف آليات إعادة الهندسة هذه إلى ثلاثة مسارات متوازية:

  • المسار الأول (التأميم القانوني للفضاء العام): حيث يدرس الفصل ترسانة التشريعات الصارمة التي صدرت متتابعة، مثل قوانين التظاهر، ومكافحة الإرهاب، والجرائم الإلكترونية، وتنظيم عمل الجمعيات الأهلية. يرى المؤلف أن هذه القوانين لم تصدر كإجراءات استثنائية مؤقتة، بل صُممت لتكون البنية القانونية الدائمة للدولة، والتي تحول أي نشاط مدني مستقل أو تعبير عن الرأي على منصات التواصل الاجتماعي إلى مخاطرة قانونية جسيمة، مما أدى إلى خلق حالة عامة من "الرقابة الذاتية" سكنت وجدان المواطن اليومي.

  • المسار الثاني (إعادة تشكيل بنية القضاء والهيئات المستقلة): يحلل مندور التعديلات الدستورية والتشريعية التي منحت السلطة التنفيذية والرقابية إشرافاً مباشراً على تعيين قيادات الهيئات القضائية الكبرى ورؤساء الأجهزة الرقابية. هذا التحول، بحسب الفصل، أدى إلى قضم استقلالية القضاء التاريخية في مصر، وتحويل هذه المؤسسات الوازنة إلى أدوات قانونية تدعم توجهات النظام وتوفر غطاءً تشريعياً ودستورياً لكل سياساته، متجاوزة دورها التقليدي في الفصل بين السلطات.

  • المسار الثالث (الدمج القسري للإعلام والأحزاب): يصف الفصل كيف جرى تصفية المنابر الإعلامية المستقلة والحزبية لصالح شركات إعلامية ضخمة تدار مركزياً من خلف الستار، مما حول المشهد الإعلامي إلى صوت واحد مكرر يعيد إنتاج سردية السلطة بانتظام. وبالمثل، جرى إفراغ الأحزاب السياسية القائمة من أي مضمون فاعل، وتحويل البرلمان إلى ساحة تكنوقراطية للمصادقة على القوانين، لتصبح الممارسة السياسية في عهد السيسي نشاطاً مؤمماً بالكامل لا يسمح فيه ببروز أي بديل سياسي محتمل.

الفصل الثالث: عسكرة الاقتصاد وهيكلة السوق

في هذا الفصل المحوري، ينتقل ماجد مندور من تفكيك المجال السياسي الأمني إلى تشريح "البنية الاقتصادية الجديدة" للدولة المصرية، مركزاً على ظاهرة التوسع غير المسبوق للمؤسسات السيادية والعسكرية في القطاعات الاقتصادية المدنية، وكيف أعاد هذا التوسع صياغة قواعد السوق الحرة في مصر.

ويحلل المؤلف هذا التحول الاقتصادي من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية:

  • أولاً: يرصد الفصل "التحول من الدور الدفاعي إلى الدور الاستثماري المباشر". يشرح الكاتب كيف تجاوزت الأنشطة الاقتصادية للمؤسسة العسكرية حدودها التقليدية التاريخية (التي كانت تركز على الاكتفاء الذاتي للجيش أو إنتاج بعض السلع الأساسية) لتتحول إلى مستثمر ومقاول رئيسي يهيمن على قطاعات حيوية واسعة، مثل المقاولات، والبنية التحتية، وشبكات الطرق، والصناعات الغذائية والدوائية، وحتى إنتاج الأسمنت والحديد. هذا الدخول الكثيف أعاد تكييف الدولة بوصفها "اللاعب الاقتصادي الأكبر" الذي يحدد قواعد اللعبة.

  • ثانياً: يفكك الفصل معضلة "تراجع القطاع الخاص والمنافسة غير المتكافئة". يطرح مندور تحليلاً بنيوياً لكيفية تأثر الشركات المدنية الخاصة بهذا النموذج؛ فالشركات المرتبطة بالدولة تتمتع بمزايا تفضيلية هائلة لا تتوفر للمستثمر المدني التقليدي، مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية الواسعة، والقدرة على استخدام العمالة شبه المجانية من المجندين، وتخصيص الأراضي بالأمر المباشر، فضلاً عن سرعة إنهاء الإجراءات البيروقراطية. هذا اللاتوازن، بحسب الفصل، أدى إلى انكفاء القطاع الخاص المحلي، وإحجام الرساميل الأجنبية عن الدخول في سوق تفتقر إلى تكافؤ الفرص، مما جعل الاقتصاد يعتمد كلياً على الإنفاق الحكومي.

  • ثالثاً: يدرس الفصل "مأسسة الرأسمالية المحاسبية وتوزيع العوائد". يرى المؤلف أن هذا النموذج الاقتصادي لم يُصمم فقط لزيادة الإنتاج، بل صُمم كأداة لضمان ولاء النواة الصلبة للنظام وتأمين موارد مالية مستقلة للمؤسسات السيادية بعيداً عن الموازنة العامة للدولة وخارج رقابة البرلمان أو الجهاز المركزي للمحاسبات. هذا الفصل المالي بين ميزانية الدولة الرسمية المثقلة بالديون، والصناديق الخاصة التابعة للمؤسسات السيادية، يمثل بحسب التحليل عصب الاستقرار المالي للنظام، لكنه في الوقت ذاته يحرم الخزانة العامة من عوائد استثمارية ضخمة كانت كفيلة بدعم قطاعات الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة.

الفصل الرابع: السلطوية العمرانية وسيكولوجية المشاريع الكبرى

يرتبط هذا الفصل عضوياً بالفصل الذي سبقه؛ فبعد أن شرح مندور "مَن" يدير الاقتصاد، يأتي هنا ليشرح "أين" تذهب هذه الأموال، مفككاً فلسفة وسيكولوجية "المشاريع القومية العملاقة" التي تبناها النظام منذ عام 2014.

ويتجلى تفكيك "السلطوية العمرانية" في هذا الفصل عبر ثلاثة محاور:

  • أولاً: يحلل الفصل "الأبعاد الرمزية لشرعية الحجر". يرى المؤلف أن النظام الحاكم، في ظل افتقاره لشرعية ديمقراطية أو حزبية، لجأ إلى صناعة ما يسميه "الشرعية البصرية الفرعونية". إن بناء العاصمة الإدارية الجديدة، وشق تفريعة قناة السويس، وبناء الجسور الشاهقة والمدن المليونية في الصحراء، ليس مجرد مشاريع تنموية، بل هي "نُصُب تذكارية" تهدف إلى إبهار الخارج وإثبات قدرة النظام الفوقية على الإنجاز السريع، وتصدير صورة "الجمهورية الجديدة" القوية والحديثة عبر شاشات الإعلام.

  • ثانياً: يناقش الفصل "العزل الجغرافي والهروب من الحيز القديم". يطرح مندور رؤية سوسيولوجية لافتة حول فلسفة العاصمة الإدارية الجديدة؛ إذ يرى فيها محاولة واعية من السلطة للهروب من الجغرافيا السياسية المعقدة لمدينة القاهرة التاريخية (بشوارعها الضيقة، وميادينها التي شهدت ثورة يناير، وتكتلاتها السكانية العشوائية الصعبة السيطرة). إن نقل مراكز الحكم والوزارات والقيادات إلى مدينة معزولة في الصحراء، مصممة بأحدث تكنولوجيات المراقبة الرقمية والشوارع الفسيحة التي تمنع التجمهر، هو بمثابة "إعادة هندسة أمنية للمكان" تعزل النخبة الحاكمة تماماً عن أي اضطراب شعبي محتمل في الوادي القديم.

  • ثالثاً: يفكك الكاتب "الكلفة البنيوية للاقتراض في سبيل الإسمنت". يدرس الفصل الآثار الاقتصادية الوخيمة لهذه السياسة العمرانية؛ حيث جرى تمويل هذه المشاريع غير الإنتاجية (التي لا تولد عوائد سريعة بالعملة الصعبة) عبر التوسع الهائل في الاقتراض الخارجي وطرح السندات الدولية. يجادل مندور بأن النظام فضّل إنفاق السيولة الدولارية على "الخرسانة والحديد" والمدن المغلقة لنخبة معينة، على حساب الاستثمار في رأس المال البشري (الصناعة التصديرية، والزراعة، والتعليم)، مما قاد البلاد إلى فخ ديون تاريخي ومستدام أخل بالتوازن الهيكلي للاقتصاد المصري بالكامل.

الفصل الخامس: الديناميكيات الاجتماعية والانكشاف البنيوي

ينتقل المؤلف في هذا الفصل إلى رصد الأثر المباشر للسياسات المالية والعمرانية على التركيبة الاجتماعية في مصر، مستخدماً أدوات قياس سوسيولوجية لتقييم مستويات المعيشة والتحولات الطبقية.

ويتلخص رصد المؤلف في هذا الجانب عبر ثلاثة محاور بنيوية:

  • أولاً: يدرس الفصل ظاهرة تآكل الطبقة الوسطى التقليدية؛ حيث يشير مندور عبر المؤشرات الإحصائية للتضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، إلى أن الفئات التي كانت تشكل صمام أمان الاستقرار الاجتماعي (مثل موظفي الجهاز الإداري للدولة، والأكاديميين، والمعلمين، والمهندسين) واجهت تراجعاً حاداً في قدرتها الشرائية. هذا التراجع نقل قطاعاً واسعاً منها من حيز الأمان المالي إلى حيز الانكشاف البنيوي اليومي، حيث أصبحت مداخيلهم الثابتة عاجزة عن مواكبة الارتفاعات المتتالية في أسعار السلع والخدمات الأساسية.

  • ثانياً: يحلل الفصل "سياسات رفع الدعم وإعادة توجيه الإنفاق العام"، مستعرضاً بالبيانات الرقمية إجراءات خفض الدعم عن الوقود والطاقة والخدمات العامة التي جرت بالتنسيق مع مؤسسات التمويل الدولية. يجادل المؤلف بأن هذه الإجراءات لم تصاحبها شبكات أمان اجتماعي تكافئ حجم التضخم، مما أدى إلى زيادة معدلات الفقر الارتدادي، وتحول الإنفاق الحكومي من دعم رأس المال البشري (كالصحة والتعليم الحكومي) إلى سداد فوائد وأقساط الدين العام.

  • ثالثاً: يرصد الفصل "تغير أنماط الاستهلاك والانقسام الطبقي المجالي"؛ حيث يقارن بين نمطين للمعيشة داخل الدولة: نمط يتركز في المجتمعات العمرانية الجديدة المسوّرة (Compounds) والتي تحافظ على مستويات استهلاك مرتفعة، ونمط يعيشه أغلبية السكان في الوادي القديم والحواضر التقليدية، يعتمد على تدابير تقشفية قاسية للبقاء، وهو ما يصفه المؤلف بأنه خلل في التماسك الاجتماعي قد يؤثر على المدى الطويل على الاستقرار البنيوي للدولة.

الفصل السادس: آليات الضبط البنيوي والمراقبة الرقمية

يتناول مندور في هذا الفصل الوسائل التي يعتمد عليها النظام السياسي للحفاظ على توازنه واستقراره في ظل الضغوط الاقتصادية المذكورة في الفصل السابق، مستنداً إلى أدوات تحليل "علم الاجتماع الأمني".

ويقسم الفصل هذه الآليات إلى ثلاثة مستويات تشغيلية:

  • المستوى الأول (قوننة الحبس الاحتراطي والتدابير الاحترازية): حيث يحلل المؤلف الكيفية التي تحول بها الحبس الاحتياطي من إجراء قانوني وقائي مؤقت إلى أداة ضبط دائم ومستمر. يوضح الفصل من خلال تتبع القضايا كيف يُستخدم هذا الآلية لإيقاف الحراك المدني أو المهني وتحييد الأصوات المستقلة دون الحاجة للوصول إلى أحكام قضائية نهائية، مما يمنح البيروقراطية الأمنية مرونة عالية في إدارة الملف الحقوقي.

  • المستوى الثاني (المراقبة الرقمية وضبط الفضاء الافتراضي): إذ يدرس الفصل التدابير التقنية والتشريعية التي اتخذتها الدولة للإشراف على منصات التواصل الاجتماعي. يرى مندور أن الرقابة لم تعد تقتصر على التنظيمات السياسية التقليدية، بل امتدت لتشمل المحتوى الرقمي الفردي، مما أدى إلى نقل مفهوم "الخوف" من الفضاء المادي (الشارع والمقهى) إلى الفضاء الرقمي، وخلق رقابة ذاتية صارمة لدى الأفراد تجعلهم يتجنبون التعاطي مع الشأن العام.

  • المستوى الثالث (لامركزية الحذر الاجتماعي): حيث يرى المؤلف أن النتيجة الحتمية لهذه السياسات هي نشوء بيئة اجتماعية عامة قائمة على الحذر المتبادل، حيث تتراجع الثقة في الفضاءات المشتركة، ويصبح الفرد مستغرقاً بالكامل في تأمين متطلباته المعيشية والابتعاد عن أي نشاط قد يثير ريبة الأجهزة الإدارية أو الأمنية، وهو ما يضمن للنظام استقراراً ظاهرياً ناتجاً عن انكفاء المجتمع على ذاته.

الفصل السابع: السياسة الخارجية والاعتماد البنيوي على الخارج

في هذا الفصل، ينقل ماجد مندور مسار التحليل من الداخل إلى الخارج، ليدرس "الاقتصاد السياسي للعلاقات الدولية المصرية"، مفككاً الكيفية التي يعيد بها النظام تسويق وزنه الإقليمي للحصول على الشرعية والدعم المالي الدوليين اللذين يضمنان استمراره.

ويتلخص تحليل الكاتب في هذا الفصل أيضاً عبر ثلاثة محاور رئيسية:

  • أولاً: يدرس الفصل مفهوم "المقايضة الجيوسياسية للأمن والاستقرار"؛ حيث يشرح مندور أن النظام الحالي، في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية، ركز على تسويق نفسه لدى القوى الغربية (خاصة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية) بوصفه "شريكاً أمنياً لا غنى عنه". وتتمثل هذه المقايضة في تقديم الدولة المصرية كصمام أمان رئيسي في ملفين حاسمين: مكافحة الإرهاب، وضبط تدفقات الهجرة غير الشرعية عبر البحر المتوسط، وهو ما يضمن للنظام استمرار الدعم السياسي وتدفق القروض الدولية رغم أي انتقادات حقوقية.

  • ثانياً: يحلل الفصل "معضلة الديون الخارجية وتآكل الهامش السيادي"؛ إذ يستعرض الكاتب بالأرقام والبيانات الصعود الحاد في حجم الدين الخارجي لمصر. ويجادل مندور بأن الاعتماد المفرط على الاقتراض من صندوق النقد الدولي، وطرح السندات في الأسواق العالمية، والحصول على الودائع والمساعدات الإقليمية، أدى إلى تحول بنيوي في القرار الاقتصادي؛ حيث أصبحت الدولة ملزمة بتبني إصلاحات هيكلية قاسية ومقيدة لإرضاء الدائنين الدوليين، مما حدّ من قدرة الإدارة المحلية على صياغة سياسات حمائية للطبقات الأكثر احتياجاً.

  • ثالثاً: يدرس الفصل "إعادة تموضع مصر في البيئة الإقليمية"؛ حيث يرصد التحول من دور "الريادة الإقليمية التقليدية" إلى نمط يقوم على "الاعتماد المتبادل وإدارة الأزمات". يرى المؤلف أن السياسة الخارجية أصبحت محكومة بالحاجة الماسة لجذب الاستثمارات المباشرة ومبيعات الأصول العامة (خصخصة بعض القطاعات)، مما جعل التحالفات الإقليمية مرتهنة بحسابات الدعم المالي والسيولة النقدية العاجلة لإطفاء أزمات الشح الدولاري.

خاتمة الكتاب: أمة على حافة الهاوية واستشراف المستقبل

في ختام هذا المؤلف الأكاديمي، يجمع ماجد مندور الخيوط التحليلية التي نثرها عبر الفصول السبعة ليطرح خلاصته الاستشرافية لمستقبل الدولة المصرية، وهي الخلاصة التي تفسر بدقة عنوانه الفرعي "A Nation on the Edge".

وتبنى الخاتمة استنتاجها النهائي بناءً على الرؤى التالية:

  • أولاً: يرى المؤلف أن النموذج الحالي ينطوي على "مفارقة بنيوية هشّة"؛ فالأدوات التي استخدمها النظام لترسيخ استقراره (القمع الصارم للمجال السياسي، والتوسع الهائل في مشاريع البنية التحتية عبر الديون) هي ذاتها الأدوات التي تخلق عدم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي على المدى الطويل. إن غياب الفضاءات السياسية لتصريف الغضب، بالتوازي مع الانكشاف المعيشي اليومي وتآكل الطبقة الوسطى، يجعل الاستقرار الراهن استقراراً "ميكانيكياً ظاهرياً" وليس استقراراً "عضوياً مستداماً".

  • ثانياً: يتوقع مندور في مستشرفه أن الدولة دخلت في "دورة ممتدة من التكيف التقشفي القاسي". ويرى أن المستقبل لن يشهد انهياراً مفاجئاً أو انفجاراً سريعاً نظراً لكفاءة وتماسك الأجهزة الأمنية والبيروقراطية، وإنما سيشهد حالة من "الانكماش الاجتماعي المستمر"، حيث يضطر المجتمع إلى التنازل المستمر عن مكتسباته المعيشية لصالح سداد كلفة النموذج العمراني والمالي للدولة.

  • ثالثاً: يخلص الكاتب إلى أن مصر ستبقى واقفة على "حافة حرجة"؛ مرتهنة بقدرتها على تأمين تمويلات خارجية مستمرة لإدارة هيكل ديونها الضخم. ويؤكد أن التحدي الحقيقي للنظام في العقود القادمة لن يكون معارضة سياسية منظمة (بعد أن تم تأميمها بالكامل)، بل سيكون تحدياً "لوجستياً ومعيشياً" يتعلق بمدى قدرة الإدارة على توفير الاحتياجات الأساسية لمجتمع ينمو سكانياً وينكشف اقتصادياً بشكل مطرد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق