الدكتور سعيد إسماعيل علي.. المعلّم والمفكّر وشاهد العصر بقلم د. كمال الجندي

الدكتور سعيد اسماعيل علي

هناك أساتذة يمرّون في حياتنا كما تمرّ المحاضرات: نتذكّر أسماءهم، وننسى أثرهم.

وهناك أساتذة، قلّة نادرة، إذا أردت أن تكتب عنهم لا تستطيع أن تفعل ذلك ببرود، ولا بلغة محايدة، ولا بصيغة السرد الأكاديمي البارد؛ لأنهم لم يكونوا يومًا محايدين في حياتك، ولا عابرين في وعيك، ولا صامتين أمام أسئلة العصر.

الدكتور سعيد إسماعيل علي واحد من هؤلاء.

بل أقولها دون تردّد: كان من الأساتذة الذين يرفعون معنى “الأستاذية” إلى مرتبة أخلاقية وفكرية عليا، لا تُقاس بعدد الكتب وحدها، ولا بالمناصب، بل بما يتركه الإنسان في عقول تلاميذه وضمائرهم، وبقدر ما يزرعه فيهم من شجاعة التفكير ونزاهة الموقف.

تعرفت عليه طالبًا في كلية المعلمين، ودرست على يديه في السنة الثالثة والرابعة خلال

العامين الدراسيين 1969–1970 و1970–1971، في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ مصر والجامعة معًا. لكن علاقتي به لم تتوقف عند تلك السنوات، ولم تُختزل في مقاعد الدراسة؛ بل امتدت، وتعَمّقت، وتحوّلت مع الزمن إلى علاقة فكرية وإنسانية طويلة، ظل فيها الأستاذ حاضرًا، والقدوة ثابتة، والحوار مفتوحًا.

أولًا: معلمٌ جاء في زمنٍ لا يحتمل التزييف..

جاء سعيد إسماعيل علي إلى التعليم في زمن لم يكن يسمح بالسطحية، ولا يحتمل الزيف. كانت نهاية الستينيات وبداية السبعينيات سنوات أسئلة كبرى: أسئلة الهزيمة، والنهضة، والعدالة، ودور التعليم في بناء مجتمع يعرف ماذا يريد. في هذا المناخ، لم يكن الأستاذ الجامعي مجرد ناقل معرفة، بل كان ـ شاء أم أبى ـ طرفًا في معركة الوعي.

ومنذ اللقاء الأول، كان واضحًا أن هذا الرجل لا يدرّس التربية باعتبارها “مقررًا”، بل باعتبارها قضية. لم يكن صوته مرتفعًا، لكن أفكاره كانت حادّة. لم يكن خطابيًا، لكن منطقه كان نافذًا. ولم يكن وصائيًا، لكنه كان يعرف تمامًا أين يقف، ولماذا يقف هناك.

وسط جيل كبير من الأساتذة الأفاضل، كان له موقعه الخاص. لا لأنه ادّعى تفرّدًا، بل لأنه امتلك قدرة نادرة على الجمع بين:

العمق النظري،

بقلم  د. كمال الجندي


والوعي الاجتماعي،

والحس الإنساني،

والجرأة الفكرية التي لا تتحول إلى استعراض.

ثانيًا: الأستاذ الذي لم يغلق الباب أبدًا..

ما جعل سعيد إسماعيل علي أستاذًا استثنائيًا، في نظرنا نحن تلاميذه، لم يكن فقط ما يقوله، بل كيف كان يعيش ما يقوله.

كان قريبًا دون أن يتنازل، ومتواضعًا دون أن يُفرّط في هيبته العلمية، وصريحًا دون قسوة. لم نعرف عنه يومًا تعالي الأستاذ، ولا لعبة السلطة الأكاديمية، ولا تلك المسافة المصطنعة التي يصنعها بعض الأساتذة ليشعروا بالأهمية.

كان الحوار معه حقيقيًا، والاختلاف معه ممكنًا، بل مرحّبًا به. كنا نختلف معه فكريًا، خاصة في انتماءاتنا اليسارية، ولم يحاول يومًا أن يصنّفنا أو يروّضنا أو يضعنا في قوالب جاهزة. على العكس، كان يرى في الاختلاف علامة حياة، وفي النقاش فرصة لتوسيع الأفق.

ثالثًا: ما بعد الجامعة… حين يتحول الأستاذ إلى رفيق مشروع..

الأهم أن العلاقة لم تنقطع بعد التخرّج.

تابعنا، وتابعنا، وبقينا على صلة فكرية وإنسانية. وحين كنا في الولايات المتحدة، جاءنا زائرًا لا كسائح، بل كمعلّم لا يزال يرى في تلاميذه مشروعًا مفتوحًا. شجّعنا، ناقشنا، وسألنا عن أحلامنا، وعن دورنا بعد العودة، وعن موقعنا في معركة إصلاح الفكر التربوي في مصر.

كان واضحًا أنه لا يؤمن بتعليم ينتهي عند الشهادة، ولا بتربية تنفصل عن الواقع. وحين عدنا إلى القاهرة، كان من أوائل من دفعونا للانخراط في رابطة التربية الحديثة، لا بوصفها إطارًا شكليًا، بل باعتبارها أداة حقيقية للتغيير، ولتجديد الفكر التربوي المصري، وللخروج من أسر التلقين والجمود.

[   سعيد إسماعيل علي… المعلّم في قاعة الدرس..

لم يكن سعيد إسماعيل علي، في قاعة الدرس، أستاذًا بالمعنى التقليدي للكلمة، ولم يكن التعليم عنده فعل تلقين أو إلقاء. منذ المحاضرة الأولى، كان واضحًا أننا أمام نمط مختلف من الأستاذية؛ نمط لا يرفع صوته ليُخضع، ولا يتخفّى خلف المصطلحات ليصنع مسافة، بل يفتح الحوار كمن يفتح نافذة، ويجلس بين طلابه كمن يثق في عقولهم قبل أن يطالبهم بالثقة فيه.

حين كان يشرح موضوعًا من موضوعات المقرر، لم نشعر يومًا أنه «يحاضر»، بل كنا نشعر أننا في ندوة فكرية داخل بيت واسع، لا في قاعة جامعية جامدة. طريقته السردية كانت آسرة: يبدأ من فكرة بسيطة، أو واقعة حياتية، ثم ينساب منها إلى الفلسفة، وإلى أصول التربية، وإلى مشكلات التعليم، دون أن نشعر بالقطيعة أو الافتعال. كان يمزج بين الشخصي والأكاديمي مزجًا نادرًا، يجعل المفهوم حيًّا، لا مجرد تعريف محفوظ.

وكان سعيد إسماعيل علي أول أستاذ جامعي يدرّس لنا طرق تدريس المواد الفلسفية، في وقت لم يكن هذا المجال قد استقر بعد بوصفه تخصصًا مستقلًا. بل إنه وضع أول كتاب جامعي في هذا المجال، وظل هذا الكتاب لسنوات طويلة المرجع الأساسي الوحيد الذي يُدرّس في كثير من كليات التربية، لتدريب الطلاب على تدريس الفلسفة وعلم النفس والمنطق. والمفارقة اللافتة أنه أنجز هذا العمل الريادي وهو أستاذ في أصول التربية لا في طرق التدريس، وهو ما يكشف عن وعيه المبكر بوحدة المعرفة التربوية، ورفضه للتقسيمات الشكلية بين التخصصات.

ولم تكن علاقته بتدريس الفلسفة علاقة عابرة أو إجرائية؛ فقد كان قد وضع، في مرحلة مبكرة وقبل حصوله على درجة الدكتوراه، كتاب الفلسفة المقرر على طلاب المرحلة الثانوية، بما يعني أن خبرته لم تكن نظرية فقط، بل كانت خبرة تمتد من الجامعة إلى التعليم العام، ومن التنظير إلى الممارسة الفعلية داخل الفصل.

في المحاضرة، كان الحوار هو الأداة الأساسية. يسأل، ثم ينصت. يعترض، ثم يترك لك مساحة الرد. لم يكن يخشى النقد، بل كان يشجّعنا عليه، حتى حين كان النقد موجّهًا إلى بعض كتاباته هو نفسه.

 وكثيرًا ما دار النقاش بيننا حول توجهاته الفكرية والسياسية، فكنا – ونحن مجموعة يسارية واضحة الانتماء – نقرأ له نصًا فنشعر أننا أمام يساري صريح، ثم نقرأ له نصًا آخر فنراه إسلاميًا واضحًا، أو قوميًّا النزعة. وكان صدره يتّسع لكل ذلك، لا ليبرّر نفسه، بل ليترك الأفكار تتصارع في فضاء العقل الحر.

وكان لحديثه عن الكتابة أثر بالغ فينا. كنا نسأله: كيف تكتب بهذه اللغة؟ وكيف تملك هذا النَّفَس الطويل؟ فكان يجيب ببساطة وصدق:

«أنا أستيقظ مع الفجر، أصلّي، أقرأ القرآن، ومن هذه القراءة تعلّمت فهم اللغة، ثم أكتب من الخامسة صباحًا حتى العاشرة. بعد ذلك لا أكتب».

لم يكن هذا الحديث عابرًا؛ لقد تعلّمنا منه أن الكتابة ليست موهبة فقط، بل انضباط أخلاقي وروحي، وأن اللغة ليست أداة زينة، بل ثمرة قراءة عميقة ومتواصلة.

في قاعة الدرس، كان فياضًا بالمعرفة. تشعر أنه قارئ نهم، لا يكرّر نفسه، ولا يعيش على مخزون قديم. وكان حضوره داخل المحاضرة هو نفسه حضوره خارجها: نفس النبرة، نفس التواضع، نفس البشاشة، نفس الاحترام للعقل الإنساني. لم يكن يتصنّع دور الأستاذ، بل كان الأستاذية جزءًا أصيلًا من شخصيته.

ولهذا، لم يكن غريبًا أن تتحوّل محاضراته إلى نواة لعلاقات فكرية طويلة الأمد، وأن تصبح قاعة الدرس مدخلًا إلى الندوة، وإلى الكتاب، وإلى الحوار المفتوح الذي تجاوز أسوار الجامعة، وامتدّ معنا سنوات طويلة بعد التخرّج.

الندوة… من البيت إلى الحديقة إلى الجامعة..

بعد أن عشت معنا سعيد إسماعيل علي في قاعة الدرس، كان الخطوة التالية الطبيعية هي الندوات الأسبوعية التي بدأها معنا في منزله بمصر الجديدة.

 لقد اختارني أنا والدكتور حسن البلاوي والدكتور محمود أبو زيد لنكون جزءًا من هذه التجربة الفريدة، دون أن يشرح سبب الاختيار، وكأن حدس الأستاذ وحده يعرف أننا سنكون شركاء في رحلة فكرية لا تُنسى.

كانت الندوة تبدأ في بيت دكتور سعيد، حيث يستقبلنا بابتسامة عريضة وترحاب بلا حدود، يقدم لنا القهوة والشاي والجاتوه وكأننا ضيوف عائلة، لكنه في نفس الوقت يفتح أمامنا عالمًا من الفكر والقراءة والنقاش. لم نشعر لحظة بأننا أمام أستاذ جامعي بعيد عن عالمنا الفكري أو مختلف عنا؛ بل شعرنا أننا أمام صديق كبير، يقودنا بلطف إلى عوالم المعرفة والتأمل.

ومع مرور الوقت، انتقلت هذه الندوات إلى حديقة الميريلاند بمصر الجديدة، ثم إلى نادي أعضاء هيئة التدريس بجامعة عين شمس، وأخيرًا استقرت بانتظام في  شقة الأستاذ داخل حرم الجامعة. ومع كل تغيير للمكان، لم يفقد الحوار حيويته، بل أصبح أكثر اتساعًا وانفتاحًا.

خلال هذه اللقاءات، كان الدكتور سعيد يشجعنا على قراءة الكتب من جميع الاتجاهات الفكرية والسياسية والاجتماعية والتربوية، ويتيح لنا فرصة عرض أفكارنا ونقدها، حتى لو كانت المعارضة لفكره الشخصي. كان يتيح لنا حرية التعبير كاملة، فلم نشعر يومًا أنه يفرض رؤيته علينا، بل كان يحاورنا كواحد منا، وكأننا شركاء في البحث عن الحقيقة.

كانت مكتبة الأستاذ في البيت بمثابة مختبر فكري حي: كتب من كل الاتجاهات السياسية، من اليسار إلى القومي إلى الإسلامي، وكتب في التربية وعلم النفس والفلسفة. كنا نختار كتبنا، نقرأها، ثم نعرض أفكارها أسبوعيًا، فيما أصبح بمثابة تدريب متواصل على القراءة النقدية والكتابة الفكرية.

ولا يمكن أن أنسى، خلال هذه الندوات، كيف ساعدنا على تطوير مهاراتنا في الكتابة والتحليل. كان يقف معنا ساعات طويلة لمناقشة مشروعنا الصغير، دراسة قصيرة، أو نقد كتاب، ويشرح بأسلوب سلس وبديهي كيف نرتب الأفكار، ونناقشها، ونحولها إلى نص متماسك.

 لم يكن مجرد معلّم، بل موجه فكري وروحي، جعل القراءة والكتابة جزءًا من حياتنا اليومية، ونقطة ارتكاز لتكوين شخصياتنا العلمية والفكرية.

وبذلك، لم يكن فقط مرشدنا الأكاديمي، بل المرشد الإنساني والفكري الذي علمنا أن الفكر الحر، والقراءة الواعية، والكتابة الصادقة هي أدوات لا غنى عنها لأي طالب يسعى لفهم العالم والتغيير فيه.

   سعيد إسماعيل علي… المفكّر الذي كتب تاريخ التعليم بوعي العصر..

إذا كان كثيرون قد كتبوا في التربية، فإن قلة قليلة فقط هي التي كتبت تاريخ التربية بوصفه مرآة للمجتمع، وللسياسة، وللصراع على الوعي. وفي هذا المجال تحديدًا، يحتلّ الدكتور سعيد إسماعيل علي موقعًا فريدًا لا يمكن القفز عليه، ولا تجاوزه، ولا حتى محاكاته بسهولة.

في تقديري، وهو تقدير مبني على قراءة طويلة ومقارنة واعية، فإن سعيد إسماعيل علي هو أهم من كتب في تاريخ التعليم في مصر المعاصرة بعد الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، لا باعتباره تلميذًا له، بل باعتباره مكمّلًا لمشروعه، وموسّعًا لأفقه، وناقلًا له من التأسيس الوصفي إلى التحليل النقدي التاريخي.

لم يتعامل سعيد إسماعيل علي مع تاريخ التعليم باعتباره سجلًّا للقرارات الوزارية أو تعاقب النظم، بل باعتباره:

تعبيرًا عن فلسفة الدولة،

وانعكاسًا لبنية المجتمع،

وأداة من أدوات الضبط أو التحرّر،

وساحة صراع بين قوى التقدم وقوى الجمود.

وهو ما جعله يختار، عن وعي، أن تكون دراساته العليا – في الماجستير والدكتوراه – دراسات تاريخية في الفكر التربوي والتعليم، متأثرًا بمدرسة تاريخية صارمة، وبأساتذة كبار، وفي مقدمتهم الدكتور أبو الفتوح رضوان، صاحب التكوين التاريخي العميق، الذي ترك أثره الواضح في منهج سعيد إسماعيل علي التحليلي.

التاريخ لا بوصفه ماضيًا… بل بوصفه سؤالًا..

في كتبه الأساسية عن تاريخ التعليم في مصر، لا يكتب سعيد إسماعيل علي ليُخبرك بما حدث فقط، بل ليجعلك تسأل:

لماذا حدث؟ ولصالح من؟ وبأي ثمن؟

كان واعيًا بأن التعليم في مصر لم يكن يومًا مسألة فنية محايدة، بل كان دائمًا:

أداة للسيطرة أحيانًا،

ووسيلة للتحرّر أحيانًا أخرى،

وساحة صراع بين مشروع وطني ومشاريع تابعة.

ولهذا جاءت كتاباته في تاريخ التعليم ممتلئة بالربط بين:

التحولات السياسية،

والتغيرات الاجتماعية،

وتبدّل الفلسفات التربوية، دون أن يقع في التبسيط الأيديولوجي، أو في السرد الدعائي.

من تاريخ التعليم إلى تاريخ الفكر التربوي..

لم يتوقف مشروعه عند تاريخ التعليم بوصفه مؤسسة، بل امتدّ إلى تاريخ الفكر التربوي المصري والعربي، وهو المجال الذي يمكن – دون مبالغة – القول إنه أحد روّاده الحقيقيين في مصر والعالم العربي.

كتب في هذا المجال ما لم يكتبه غيره:

من حيث الاتساع الزمني،

ومن حيث الربط بين التراث والحداثة،

ومن حيث إدماج البعد الإسلامي إدماجًا علميًا، لا دعويًا ولا شعاراتيًا.

وكان واعيًا بأن الفكر التربوي العربي لا يمكن أن يُبنى:

بالقطيعة مع التراث،

ولا بالاستنساخ الأعمى للنماذج الغربية، بل بحوار نقدي طويل مع الذات ومع الآخر.

ريادة مبكرة واتساع نادر

واللافت أن سعيد إسماعيل علي لم يكن مفكرًا نظريًا منعزلًا، بل صاحب مشروع متكامل:

كتب في تاريخ التعليم،

وفي أصول التربية،

وفي الفكر التربوي الإسلامي،

وفي قضايا التعليم المعاصر، حتى تجاوز عدد مؤلفاته – منفردًا ومشاركًا – المئة كتاب، وهو رقم لا يعكس فقط غزارة إنتاج، بل إيمانًا عميقًا بأن المعرفة مسؤولية أخلاقية.

  الفكر التربوي والإصلاح… رؤية شاملة لبناء الإنسان..

لم يقتصر مشروع سعيد إسماعيل علي على التأريخ فقط، بل امتد إلى التأسيس النظري لفكر تربوي شامل يُعالج قضايا التعليم من جذورها: الأصول الفلسفية، الأبعاد الاجتماعية، والإشكالات الثقافية التي تواجه المجتمعات العربية. كتاباته مثل أصول التربية الإسلامية ذهبت إلى أن التربية في الإسلام ليست رمزًا ثقافيًا فقط، بل إرثًا حضاريًا يؤسس لبناء الإنسان الذي يتدبر ويؤمن بالقيم الأخلاقية والعقل النقدي، مع قراءة واعية للمشكلات المعاصرة التي تواجه الأمة. 

وقد كان من أولى اهتماماته في أصول التربية الحوار بين التراث والمستقبل؛ فلا يقف عند النافذة التاريخية فقط، بل يحاول أن يستخلص منها أسسًا عملية للفكر التربوي الحديث، قادرة على مواجهة تحديات العصر، من تطور الثقافة إلى حيوية التعليم ومشاركته في الحياة العامة.

هذا الانشغال العميق بعقل التربية، وقدرته على الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، هو ما جعل منه ليس مجرد مؤرخ أو باحث، بل مفكرًا تربويًا حقيقيًا، صاحب رؤية تجمع بين التأصيل والمواجهة والإصلاح، وفكرًا يعيش في صميم الأسئلة الكبرى التي تواجه التعليم في مصر والعالم العربي كله.

  سعيد إسماعيل علي… المعلم المفكّر وتأريخ التعليم بوعي شامل..

لم يقتصر اهتمام سعيد إسماعيل علي على التدريس داخل قاعة المحاضرة أو على تبليغ المعرفة بطريقة تقليدية، بل وصل به التفكير إلى بَناء قراءة نقدية واعية في تاريخ التعليم نفسه. لقد أدرك مبكرًا أن تاريخ التعليم ليس مجرد سرد زمني لأحداث ووقائع، بل مرآة لتفاعل المجتمع مع تطلعاته الحضارية والسياسية والثقافية؛ ولذلك خصّص جزءًا مهمًا من جهده الفكري للكتابة في هذا المجال.

من أهم كتبه في هذا الاتجاه كتاب التعليم في مصر، الذي يمزج بين رؤية تحليلية للتجربة التعليمية المصرية منذ مطلع النهضة الحديثة وحتى نهاية القرن العشرين، مع فهم كيفية تأثير التعليم في ثقافة الأمة وعقلها وسلوكها، وكيف انعكست المشروعات التعليمية الكبرى على حركة المجتمع ككل. 

في هذا الكتاب يؤكد أن التعليم ليس مجرد تقنية أو سياسات عابرة؛ بل هو فن صناعة ثقافة الأمة ومن ثم عقلها وسلوكها، وأن فهم جذور تطوير التعليم في مصر هو مفتاح لفهم تحديات الحاضر وإمكانات المستقبل. 

كما شارك في تأليف تاريخ التربية والتعليم في (مع المرحوم الدكتور سعد مرسي أحمد)، وهو عمل أكاديمي موسوعي يمزج بين التأريخ التحليلي للتربية بوصفها ظاهرة اجتماعية والسياسة التعليمية بوصفها أداة للحكم والإدارة. 

ولم يقتصر اهتمامه على الجوانب المؤسسية للتعليم فقط؛ بل ذهب إلى ما هو أعمق في كتاب محنة التعليم في مصر، مستعرضًا التحديات والمعوقات التي واجهتها منظومة التعليم المصرية عبر الزمن، وطريقة التعامل معها أو التقاعس عنها بما ألقى بذور الأزمة التي لا تزال ماثلة في بعض تجلياتها. 

من خلال هذه الأعمال يتجلّى منهجه النقدي والتحليلي: لا يروي التاريخ كوقائع محضة، بل كـ نصوص يُقرأ منها ما وراء السرد؛ فهم للأسباب، وتقويم للمسارات التاريخية، واستشراف لما يمكن أن يكون تعليمًا فاعلًا في المستقبل. هذا الطرح جعل أعماله تُستخدم مرجعًا لا غنى عنه في الدراسات التربوية، وجرى تدريسها والاستشهاد بها في الكثير من الأبحاث والبرامج الأكاديمية.

 الفكر التربوي وأصول التربية… رؤية متوازنة للبناء الإنساني..

تجاوز اهتمام سعيد إسماعيل علي التاريخ المؤسسي أو التحليلي، ليصل إلى الأسس النظرية التي تشكّل جوهر التربية نفسها. في كتابه أصول التربية الإسلامية، يناقش مفهوم التربية من منظور إسلامي مؤسَّس على القيم الأخلاقية والإنسانية، ولا يقف عند حدود التعريفات اللغوية، بل يتناول الأسس التي تجعل التربية فعلاً  عملا احلاقيا بامتياز..

.في هذا العمل وغيره من مؤلفاته النقدية، يظهر بوضوح أنه لا يرى في الإسلام مجرد إطار ديني محصور في العبادة فقط، بل مرجعية تربوية تتفاعل مع الواقع وتؤسس للعلاقات الإنسانية والعقل النقدي، دون تعصب أو تطرف؛ ما جعله مثالًا للفكر الإسلامي المعتدل الذي يجمع بين الالتزام بالقيم والانسجام مع متطلبات العصر. 

كما كتب في مواضيع شتى مثل التربية التحليلية (Analytical Education) وموضوعات تربوية منهجية أخرى، جمع فيها بين النظرية والتطبيق، بين الفلسفة التربوية وبين المشكلات العملية التي تواجه التعليم الحديث في المجتمعات العربية، مما يعكس عمق فهمه لادو ار للتربية في نهضة المجتمعات ..

بسبب هذا الامتداد المعرفي الواسع، صار سعيد إسماعيل علي أحد أبرز الأصوات الفكرية في التربية في الوطن العربي، يُستشهد بأعماله في الدراسات العليا، ويُراجع في كتب النقد التربوي، ويُعتبر واحدًا ممن أثروا حقل التربية كعلمٍ وإنسانيةٍ وممارسة. 

  سعيد إسماعيل علي… المفكّر الإسلامي المعتدل في سياق عصره

من الصعوبة وصف سعيد إسماعيل علي بالاتجاه الفكري التقليدي أو التبعي لأي تيار سياسي أو دعوي ضيق؛ فقد عرفه من قرأوه وتلمّذوا عليه – وأنا منهم – كمفكّر إسلامي معتدل، لا يتماهى مع السلفية المتشددة ولا مع منطق الجماعات الحركية الحزبية، ولا يُعرّف نفسه كمنتمي تنظيمي لجماعة الإخوان أو غيرها من الكيانات السياسية.

 هذا الموقع الفكري لا يعني انقطاعه عن الإسلام بوصفه مرجعًا ثقافيًا وأخلاقيًا، بل يدل على عمق نظرته في الإسلام كمنظومة قيم تربوية وحضارية تُعلي من شأن الإنسان في سياق الدولة المدنية الحديثة، لا كأداة لتغليب سلطة أو تنظيم سياسي.

وقد عرف في هذا السياق التيار الإسلامي المعتدل كمفهوم فكري يميل إلى الحوار، والتأصيل، والتجديد دون الانغلاق أو التشدد، ويجمع بين الالتزام بالقيم الإسلامية والانخراط الحضاري في المجتمع المعاصر.

 من أبرز ممثلي هذا المنحى في الفكر المصري المعاصر، إلى جانب الدكتور سعيد إسماعيل علي، الدكتور محمد سليم العوا، الذي يُعد من المفكرين الإسلاميين الذين سعوا إلى تعريف الإسلام السياسي والمعرفة الإسلامية في سياق مجتمع مدني واعٍ، ونجحوا في تأسيس رؤية «إسلامية حضارية وسطية» لا تقتصر على الخطاب الدعوي التقليدي بل ترتبط بحقوق الإنسان والديمقراطية والحداثة العقلانية في العالم المعاصر. 

وكذلك الكاتب والمحلل فهمي هويدي، المعروف بأنه من الأصوات الإسلامية المعتدلة في الصحافة المصرية، التي تنطلق من الإسلام كمرجعية ثقافية قبل أن تكون أيديولوجية صلبة، وتدعو إلى التعبير الجدلي العقلاني عن قضايا المجتمع والدين بدون تطرف أو تجميد. 

بهذا المعنى، يمكن القول إن الدكتور سعيد إسماعيل علي لم يكن إخوانيًا، ولا سلفيًا، ولا من التيارات الإسلامية المتشدّدة، بل كان جزءًا من تيار إسلامي معتدل، متكامل الفكر، ملتزم بالثوابت دون تشدد، منفتح على الحوار، وواعٍ بطبيعة التحديات المعاصرة. 

هذا الوصف لا يأتي من هوى شخصي فحسب، بل هو نتاج قراءة متأنية لفكره، ومنهج تأصيلي تربوي يستند إلى الكتابة الأكاديمية والمنهجية.

ورغم هذا الاتزان الفكري، فقد تعرض لسوء فهم واتهامات مغلوطة في العقود الأخيرة، خاصة في بدايات التسعينيات، حين شهدت مصر مواجهة حادة بين مؤسسات الدولة ومجموعات أطلقت عليها لاحقًا «الإسلاميون»؛ وهي مواجهة لم تفرّق بين أنماط متعددة داخل الحقل الإسلامي، من معتدلٍ ومدافع عن الدولة المدنية إلى متشددٍ سياسي.

وقد أدى هذا المناخ إلى أن كثيرين ظلموا، أو تم تأويل مواقفهم على غير ما هي عليه، لا لشيء إلا لأنهم خرجوا عن السائد في فهم السلطة لتصنيف الفكر الإسلامي، فتم تصنيفهم تلقائيًا كأنهم جزء من تيار سياسي معين أو حركة تنظيمية، بينما هم في الحقيقة كانوا – كما في حالة سعيد إسماعيل علي – مفكرين تربويين معتدلين، وابنيين لرؤية إصلاحية حضارية، لا تنظيمية سياسية.

  رابطة التربية الحديثة… نشاط تربوي، صراع سياسي، وقراءة موضوعية.

اتخذ الدكتور سعيد إسماعيل علي من رابطة التربية الحديثة منبرًا حقيقيًا للحركة التربوية النقدية في مصر، فكانت تلك الرابطة إحدى أكثر الحاضنات الفكرية أثرًا في مسيرة التربية في البلاد. 

لم تكن المؤسسة مجرد اسم أو جمعية عابرة، بل كانت تنظم مؤتمرات سنوية ومحاور علمية تستنهض الفكر التربوي وتدعمه بالمناقشة المستمرة والتبادل المعرفي. من بين هذه المؤتمرات، كان مؤتمر «نحو مشروع حضاري تربوي لمصر» الذي نظمته رابطة التربية الحديثة في عام 1987، وهو مثال صارخ على محاور الفكر الكبير الذي احتضنته المؤسسة، حيث تناول قضايا كبرى في التربية وتحدياتها، وخرج بتوصيات إشكالية حول واقع التعليم وطرائق تطويره. 

كما تضمنت أنشطة الرابطة مؤتمرات أخرى تناولت قضايا مثل «التعليم الثانوي بين الحاضر والمستقبل» و«التعليم والإعلام» و«البحث التربوي: الواقع والمستقبل»، وقد شارك فيها باحثون وأكاديميون من مختلف الجامعات المصرية، ما جعلها ساحة خصبة للحوار بين التخصصات، وتقديم التصورات النقدية والبناءة لإصلاح التعليم في مصر. 

لم يكن نشاط الرابطة بعيدا عن سياق التغييرات الاجتماعية والسياسية في تلك المرحلة، فقد شهدت أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي صراعًا بين مؤسسات الدولة وبين الاتجاهات الإسلامية المختلفة التي حاول بعضها أن يكون له حضور في الحياة العامة، بما فيها المؤسسات التعليمية. 

وقد استُخدم هذا السياق لتفسير أدوار بعض الشخصيات في الرابطة بشكل خاطئ، بما فيها الدكتور سعيد، الذي وُصف في بعض الأحيان بأنه يتماهى مع تيارات سياسية معينة؛ وهو — كما أسلفنا — لم يكن عضوًا في تنظيم سياسي، بل مفكرًا تربويًا إسلاميًا معتدلاً، ينطلق في تحليله من العقل والدعوة للتطوير والحوار.

وأحد أهم تجلّيات العلاقة الإنسانية والأكاديمية في تلك المرحلة كانت العلاقة الوطيدة بين الدكتور سعيد والدكتور حامد عمار، الذي لم تكن علاقته السياسية في هذا الإطار محور الخلافات التي دارت حول الرابطة، بل كانت علاقة احترام وتقدير علمي وإنساني.

 وقد خصّص الدكتور سعيد إحدى المؤتمرات التي نظمها في رحاب كلية التربية بجامعة عين شمس، لتكريم الدكتور حامد عمار بإلقاء الورقة الرئيسة حول «حال التعليم في مصر المحروسة»، تكريمًا لمسيرته التربوية البارزة، مما يعكس عمق الود والاحترام بينهما قبل أي تصنيف سياسي لاحق.

وفي هذا الإطار يجب أن يفهم  أن ما وُصف في بعض الروايات فيما بعد بأنه "مؤامرة" أو اختطاف للرابطة لا يرتبط في الواقع بأفراد جماعة اجتماعات التربية (حسن البلاوي، محمود أبو زيد، شبل بدران، كمال نجيب)، بل هو في المقام الأول تفسير سياسي جاء في سياق صراع أوسع بين أجهزة السلطة وتيارات فكرية مختلفة في تلك المرحلة، وهدفه في المحصلة كان السيطرة على خطاب التعليم وإدارته، لا صراعًا داخليًا بين أعضاء رابطة التربية الحديثة أنفسهم.

دكتور   سعيد اسماعيل علي..

في حضرة المعلم: اعتراف بالفضل والوفاء..

 الاعتراف الذي لا ينتقص، والحب الذي لا يُضعف..

أكتب عن الدكتور سعيد إسماعيل علي لا لأنني أستعيد ماضيًا، بل لأنني أُقِرّ بحقيقة لا تسقط بالتقادم:

أن هذا الرجل كان — ولا يزال — واحدًا من أعظم من أنجبتهم التربية المصرية فكرًا وأخلاقًا وأثرًا.

رجلٌ لم يُربِّ أجيالًا داخل قاعات الدرس فقط، بل ربّى طرائق في التفكير، وأخلاقًا في الاختلاف، وذوقًا في القراءة، وجرأةً في السؤال.

وحين أقول إنه كان أستاذي، لا أقولها من باب الحنين، بل من باب المسؤولية العلمية والأخلاقية.

لقد أخذتُ عنه الكثير:

أخذتُ حب القراءة بوصفها فعل تحرر لا تكديس معلومات،

وأخذتُ المرونة الفكرية التي لا تخون المبدأ،

وأخذتُ التسامح العميق مع الأفكار المخالفة دون تفريط في القناعات.

لم أشعر يومًا أنني أجلس أمام أستاذ يريد أن يصنع نسخة منه، بل أمام معلمٍ يثق في تلميذه بما يكفي ليتركه يختلف، وينمو، ويخطئ، ويعيد التفكير.

وكان أهم ما تعلمته منه — وربما أندر ما يُعلَّم — هو أن الكرامة الفكرية لا تناقض التواضع الإنساني، وأن الاعتراف بالفضل لا يعني إلغاء الذات.

أعترف بفضله عليّ، وأنا مرفوع الرأس، لأن ما أعطاني إياه لم يكن وصاية، بل تمكينًا.

إن قيمة  الدكتور سعيد إسماعيل علي لا تُقاس بعدد المناصب، ولا بضجيج اللحظة، بل بأثره العميق الهادئ في أجيال من أساتذة التربية في مصر؛ أجيال تعلّمت منه أن التربية ليست مهنة، بل موقفًا أخلاقيًا من الإنسان والعالم.

وهكذا أكتب عنه اليوم، لا لأغلق سيرة، بل لأؤكد حقيقة:

أن بعض المعلمين لا يرحلون عن فكرنا وسلوكنا أبدًا…

لأنهم يسكنون في طرائق تفكيرنا، وفي لغتنا، وفي شجاعتنا على أن نكون أحرارًا دون عداء، ومختلفين دون قسوة.


اضافات من المدون وصور تذكارية

الدكاترة: مصطفى عبد القادر وجيه الصاوى، وعبد الراضى إبراهيم، وأحمد الجاحد، سعيد اسماعيل

الدكاترة :حامد عمار، أنور الشرقاوى، عبد العزيز القوصى، قدرى لطفى، محمد اسماعيل علي 





الممثلة آثار الحكيم، في صالون التربية الحديثة للدكتور سعيد اسماعيل
الدكتور محمد العوا فى أحد لقاءات صالون السعيد الثقافي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق