الأحد، 23 أكتوبر، 2011

ورحل أمين القومية العربية

سيد أمين
من واجب المثقف أن ينبه الناس لا أن يجاريهم بغية تجنب انتقاداتهم، وذلك لأن تحمل انتقادهم اليوم ثم اكتشافهم لو بعد سنوات خطأهم هو خير من مجاراتهم الآن ثم لا يتذكرونك ولو بعد سنوات إلا بالمذمة.
رأيت أن أكتب هذا المقال لأمين القومية العربية الأخ الشهيد معمر القذافى حتى لا يقال ماتت أمة خشى كتابها قولة حق فى حق واحد من أبرز صناع تاريخها، وحتى أذكر الساهى بتاريخ الشهيد الجديد من شهداء القومية العربية، وكيلا نلوم أنفسنا فى غد آت لا محالة نكتشف فيه أننا وقعنا نحن العرب- كعادتنا- فريسة للمؤامرة والخداع والتضليل.
فذاكرتنا العربية مثقوبة، يتسرب عادة منها العظات والتجارب، وتفكيرنا أيضًا- نحن العرب- يعانى أحادية النظرة وقصر المدى، حتى فى أسمى إخلاص المخلصين من بنى جلدتنا، وهذا هو مكمن الداء فينا.
فى الأمس سقط صدام حسين شهيدًا ومعه أبناءه أثناء دفاعهم عن أرض العراق، واليوم سقط معمر القذافى وأبناؤه شهداء أثناء دفاعهم عن أرض ليبيا، هل هناك اختلاف؟
نفس المقاتل ونفس الضحايا ونفس المسروقات.. الناتو.. القومية العربية.. البترول.. إذن لا فرق بين الأمس واليوم اللهم إلا رتوش صغيرة فى الديكورات.. وكأن الغرب كتب علينا قدرًا بأن زعاماتنا القومية لا تموت إلا مقتولة منكل بجثامينها.. وبترولنا لا يؤخذ إلا عنوة.. ولا نفهم ما يحدث إلا بعد خراب مالطة.
ولو أردنا أن نعرف ماذا حدث فى ليبيا هذا العام يجب أن نطرح سؤالاً أكثر أهمية: لماذا القذافى؟ فضلا عن سؤال محورى يدور حول لماذا الآن؟ فى الحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية ومن تبعها كفرنسا وبريطانيا حتى إيطاليا يعانون أزمة اقتصادية خانقة وهم فى أمس الحاجة إلى منقذ يحمى خزائنها من الإفلاس خاصة بعدما نضيت اقتصاديات دول الخليج العربى وصار نفطها بمثابة احتياطى استراتيجى خالص لأمريكا فى ظل أزمة طاقة مرعبة تعيشها، ما يعنى حاجة الغرب الأوربى إلى فتح أراضٍ جديدة وأسواق نفطية دائمة يمكنه الاعتماد عليها فضلاً عن الاستيلاء على الأموال الليبية فى بنوكها.
ولما كان الأمر كذلك خططت يد العدوان الغربية من أجل السيطرة على مقدرات عدة دول عربية تسمى إعلاميًا وسياسيًا بدول الممانعة وهى الدول التى رفضت من قبل الوصاية الأمريكية على قرارها السياسى، مبتكرة فى ذلك أسلوبًا سحريًا وفعالاً يستغل التناقضات الفكرية بين الحاكم والمحكوم لتجعل من المحكوم وقودًا للإطاحة بالحاكم دون أن تكبد نفسها الخسائر المادية والبشرية من خلال تدخلها العسكرى المباشر مثلما ارتكبت هذا الخطأ الأحمق فى العراق من قبل.
ولإضفاء مشروعية دولية بل شعبية على هذه المخططات، راحت تزيد فى الخداع وضحت برمزين من رموزها فى مصر وتونس وهى قاصدة فقط استبدال الرأس والإبقاء على النظام الذى هو صنيعها.
ماسبق يأتى مع أسباب أخرى فى إطار الإجابة عن تساؤل: لماذا الآن؟ أما لماذا القذافى؟ فهذا ما يجب أن نوفيه حقه، خاصة أننا نكتب ذلك إعلاء للحق والحقيقة ولأن من نكتب عنه ومعظم رجاله فى مقام صدق عند عزيز مقتدر.
لقد كانت ثورة الفاتح من سبتمبر 1969 واحدة من أعظم ثورات تاريخنا العربى بشكل عام خاصة لكون تلك الثورة- والتاريخ يؤخذ بسياق أحداثه الدولية والسياسية والعسكرية- خلصت ليبيا بل الأمة العربية الآخذة فى النهضة القومية برعاية جمال عبدالناصر من أخطر مواطن الضعف فيها نظرًا لكون ليبيا فى تلك الأثناء عبارة عن قواعد عسكرية أجنبية عملاقة يقطن حولها شعب بدوى أقيم عليه ملك وهمى، فى حين أن الأرض الليبية مقسمة إلى ثلاث مناطق نفوذ دولية يقتبس العلم الملكى ألوانه الثلاثة من أعلام تلك الدول وهى أمريكا وبريطانيا وإيطاليا فضلا عن فرنسا وكنائسها العسكرية!!
وبعد ثورة الفاتح، تحولت ليبيا من فضاء لا تأتى لمصر منه سوى الطائرات الغربية المحملة بتقنية الموت والدمار كما حدث فى العدوان الثلاثى 1956 وفى 1967 إلى يد تقدم الدعم والعون المادى والعسكرى والدبلوماسى ليس لمصر فحسب بل لسوريا وفلسطين، الأمر الذى انتهى بقيام الامبريالية الغربية الأمريكية بقصف منزل الزعيم الليبى فى سرت عام 1986 بنحو مائة وسبعين طائرة.
ولما كان العرب قد انشغلوا كثيرًا بالصراع مع إسرائيل وأهملوا فى سبيل ذلك الفضاء أو الفناء الخلفى الإفريقى مما تركه نهبًا لعبث الصهيونية راح القذافى يقاتل فى تلك الميادين البعيدة محققًا انتصارات رائعة داعيًا إلى إنشاء الأمم المتحدة الإفريقية وداعمًا القوى الثورية الإفريقية، الأمر الذى انتهى إلى أن صار للعرب موطئ قدم كبير فى قلب بلدان الصحراء الكبرى الإفريقية وما يقع جنوبها وساعد القذافى على ترسيخ التواجد العربى فعمل على نشر الإسلام عبر دعم مراكز الدعوة الإسلامية، الأمر الذى أسهم فى تحول دول بأكملها من الوثنية إلى الإسلام وفى 2 مارس 1977 أعلن العقيد الليبى عن قيام سلطة الشعب وهو نظام الحكم الذى يمنح الأقاليم والقبائل السلطة المطلقة فى أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم عبر ما يسمى باللجان الشعبية التى تتجمع إرادتها المركزية فى مؤتمر الشعب العام متخذة من القرآن الكريم دستورًا ولا دستور سواه كما لا سلطة للقذافى على تلك اللجان والمؤتمرات وهو النظام الذى كان قد بشر به المفكرون الغربيون أمثال سارتر وبرتراندراسل و جاسبرز.
ووقف القذافى موقفًا صلبًا من القضيتين الفلسطينية والعراقية حيث كان يقدم الدعم المادى والعسكرى للمقاومين، فضلا عن نشاط دبلوماسى مخلص قامت به الخارجية الليبية فى هذا الصدد وله فى ذلك صولات وجولات فى الجامعة العربية سواء أو الأمم المتحدة.
ولما كان القذافى هو الداعم الوحيد للمقاومة العراقية التى تنكر لها الجميع بالمال والسلاح ثارت حفيظة الامبريالية الأمريكية المحتقنة أصلا ضده، وكان لابد من الإطاحة به.
وفى مجال التنمية الوطنية أقام القذافى أول نهر صناعى مغطى فى التاريخ حول الصحراء الجدباء إلى جناين خضراء، مستقدما العمالة العربية وخاصة المصرية والسودانية والتونسية، الأمر الذى تطرق له قوى الامبريالية بعين التوجس والقلق وراحت تحرض بشدة ضد إكمال هذا المشروع وكان لموقف نظام مبارك الموالى لأمريكا وإسرائيل سجال كبير بخصوصه مع الشقيقة ليبيا.
منجزات خطيرة تلك التى صنعها القذافى فى بلاده، محولاً مجتمع البادية إلى مدن صناعية وسكانية متحضرة، مهتمًا بشكل أساسى بصناعة الإنسان الذى وفر له مستوى معيشيًا مرتفعًا موزعا عائد النفط على عموم السكان فى بادرة هى الأولى عالميًا، والحكايات والدلائل فى هذا الصدد لا تنقطع.
واختصارًا.. فإذا أردنا أن نعرف ماذا حدث فى ليبيا علينا أولاً الحذر من الإعلام المأجور الذى قلب الحقائق حيث ارتكبت الجرائم وسارع هذا الإعلام بخلع رداء المهنية وقام بتوجيه أدلة الاتهام دون تروٍّ إلى النظام الحاكم، وفى أحيان كثيرة قامت الفضائيات لا سيما الجزيرة بصناعة الأكذوبة والترويج لها دون أن تأخذ رأى الطرف الآخر، فسوقت المتهم بكونه ضحية والضحية اعتبرته متهما.
لى أصدقاء كثيرون فى كل المدن الليبية ومنها بنغازى ومصراتجة حكوا لى كيف بدأت الفتنة.. وهى أن قرابة الخمسين شخصًا ارتدوا سترات الجيش الليبى وقاموا بإطلاق الرصاص الحى على المارة فى شوارع بنغازى وسارعوا بخلع ستراتهم وبدأوا الهجوم على ثكنات الجيش.. وهنا لم يفهم الطرفان ماذا يحدث، فاشتبكت قوات الجيش مع المحتجين من أهالى بنغازى وكان ذلك بمثابة إشعال فتيل الأزمة.. وحتى ما كان يردده الإعلام الليبى حول «حبوب الهلوسة» كانت تحالفه الصحة حيث حقنت زجاجات المياه المعدنية بمواد مخدرة وتم توزيعها من قبل مجهولين على المحتجين على أحداث ميادين بنغازى.
التفاصيل كثيرة فى المؤامرة الإعلامية على ليبيا، ولا يحسن بنا فى هذا الصدد ذكرها، ولكن المؤامرة السياسية والعسكرية وحتى الدبلوماسيين كانت كبيرة، فبعد تدمير وسائل الإعلام الليبية وإخراص صوت الطرف الثانى تم تدمير القطاع الدبلوماسى بالكامل عبر شراء ذمم معظم السفراء فى الخارج ورجال الحكم الذين خدموا مع القذافى طيلة أربعين عاماً!! وفى ظروف غامضة مررها الجميع مرور الكرام تمت الاستعانة بالأمم المتحدة ثم مجلس الأمن الذى وجد نفسه قاب قوسين من تحقيق غايته فتدخل الناتو وبدلاً من حماية المدنيين وجدناه هو من يقتل المدنيين ويدمر ليبيا بالكامل.
إن أكبر المتضررين من سقوط نظام القذافى ليس الشعب الليبى والمقاومة العراقية فحسب بل تضررت كل الدول العربية حينما قطعت يدها فى إفريقيا، وتضررت أيضًا الصين الحليف للتواجد العربى فى إفريقيا مقابل أمريكا وإسرائيل التى وضعت يدها على منابع النيل.
تضررت مصر بشكل شديد وصارت حدودها مع جارتها الغربية مشاعًا لكل العصابات الإجرامية المنظمة التى راحت تغزو مصر بأفتك أنواع الأسلحة ومنها المدافع ومضادات الطائرات باعتراف جهات رسمية.
نعم.. كل ما يحدث فى ليبيا وحتى سوريا مجرد مؤامرة يعمل الإعلام فيها عمل السحر مستغلاً حمق بعض التيارات الفكرية أحادية النظر التى سخرت رجالها لتغذية المؤامرة دون وعى مع أنها هى ستكون وقود المحرقة الجديدة لأن من حفر حفرة لأخيه وقع فيها، وغدا لناظره قريب.
رحم الله معمر القذافى.. لقد كان لسان صدق فى كل المحافل الدولية.. رحم الله شهداء القومية العربية الذين لم يتخاذلوا قط مهما كانت الضربات ضدهم موجعة وذلك لأنه على قدر أهل العزم تأتى العزائم.

ALBAASI0@GMAIL.COM