السبت، 18 يونيو 2011

عن منطق الاستبداد فى عالمنا العربى

عن منطق الاستبداد فى عالمنا العربى
سيد أمين
فى كتابه الأشهر "الأمير" عرض نيقولا ميكافيللى على أميره أمير "فلورنسا" الذى كان يتأهب لغزو إحدى الإمارات المجاورة له- فى سعيه لتوحيد واستعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية الممزقة- ثلاثة أساليب لغزو تلك الإمارة أولها أن يذهب الأمير بنفسه على رأس جيشه لغزوها ولكن نصحه هنا بتجنب هذا الخيار لأنه قد يفقد إمارته الأصلية بعد تغيبه فيستقل "النبلاء" بها.
وثانيها أن يجرد جيشا لغزو تلك الإمارة وهنا حذره من أن يستقل قائد الجيش بالإمارة الجديدة ويكون كمن استبدل خصما بخصم.
وثالثها أن يجرد الأمير جزءا من جيشه ويبقى على الجزء الأخر فى إمارته الأصلية ثم يتوجه لغزو تلك الإمارة الجديدة ويقوم هناك بالتنكيل بوجهاء القوم "على طريقة اضرب المربوط " ويختار شخصا ينتمى لأحط العائلات من تلك الإمارة وأكثرها سفها وإجراما واقلها عددا وينصبه أميرا على تلك الإمارة ثم ينسحب بقواته بعد ذلك , وقال له "ميكافيللى" أن الأمير الذى ستنصبه سيكون أكثر ولاء لك من أى من جنودك الأوفياء وأنه سيقمع شعب إمارته أكثر من القمع الذى كان من الممكن ان تلحقه جيوشك بهم كما انه دائما سيعتبر شعبه عدو له بينما سيعتبرك الصديق الصدوق وسيرسل لك كل خيرات إمارته دون حرب أو عناء.
ويقول عبد الرحمن الكواكبى فى "طبائع الاستبداد" أن الحاكم المستبد يسعى دائما لتجهيل شعبه وتغييب وعيه وذلك لأن وجود الشعب الواعى يعنى فى المقابل مزيدا من القلاقل او الثورات على الاستبداد, كما أن الحاكم المستبد يسعى لربط الشعب به وبنظامه , بحيث تتدخل الدولة فى كل صغيرة وكبيرة لحياة الفرد , الآمر الذى سيصيب الإرادة الفردية أو حتى الجمعية للشعب بالترهل والعطب , ومن ثم يقاس مدى شقاء الإنسان أو سعادته وتلبيته لحاجته الطبيعية بمدى قربه أو بعده من الحاكم.
واتفق "الكواكبي" مع "ميكافيللى" فى أن الحاكم المستبد يجيد اختلاق الأزمات التى تشعر الناس بالخوف والقلق من المستقبل والواقع معا , ومن ثم يهرولون إليه طلبا للحماية وهنا يقوم باحتضانهم مقنعا إياهم بأنه يصنع معجزة يومية من اجل حمايتهم والإبقاء على حياتهم.
كما أن الحاكم المستبد لا يجب أن يكون سخيا على شعبه بشدة ولا مقترا بشدة ولكنه فقط يعطيهم "كسرة" من خبز رغم أنه يستطيع منحهم رغيف الخبز كله , وذلك لأن الشعب الجائع بشدة سيكون أمامه طريقين إما الثورة أو أن يسلك مسلك التجريب "الحاجة أم الاختراع " فينجح , وبالتالى يخرج من حظيرة هذا الحاكم المستبد , وكلاهما خطر , كما أن السخاء الذى يشبع الشعب سيقوده إلى أمرين إما أن ينصرف الى العمل السياسى بعدما تمت تلبية حاجاته البيولوجية أو ينصرف عن الحاكم ولا ينفذ أوامره , كما أن السخاء الشديد قد يفقد الحاكم ثروته عملا بمبدأ "خد من التل يختل" ويصبح بعد فترة ليس لديه ما يقدمه للشعب فيثور عليه.
والحاكم المستبد يعادى العلم ويخرب المنطق ويقتل الطموح لدى شعبه , فيقوم بمعاقبة المثقف ويكافىء الجاهل و السطحى و التافه, يعلى من قيمة لاعب كرة القدم و"المشخصاتى" وكل عمل لا ينتج جديدا - بحسب زماننا - ويحط من شأن العالم والمخترع والصانع والزارع والمدرس والدارس والطبيب والمهندس , بل أنه يعلى من قيمة العمل التافه فى كل تخصص ويقتل الإبداع والمبدعين لأنه يريدها ارضا جرداء حيث يمكن أن تنمو الطفيليات .
وذكر لى صديق بالغ الاطلاع والثقافة أن احصاءا امميا اصدرته منظمة العلوم والثقافة العالمية – لم يتسنى لى التأكد منه- اكد ان نسبة الامية السياسية فى مصر تصل الى 94.7%
والحاكم المستبد يمتاز أيضا بالقسوة المفرطة فى حين , واللين المفرط فى حين أخر , وينصح "ميكافيللى" أميره بأن يستخدم القوة المفرطة ضد أعدائه بحيث أنه ينتقم منهم انتقاما يغنيه عن خشية انتقامهم فى أى وقت لاحق , بل ويجعل منهم عبرة لمن يعتبر , كما أنه يجب أن يبدو لينا ودودا ويتقلد وشاح الإنسانية طالما كان الأمر فيه أمرا إنسانيا لأشخاص لا يكنون عداء له .
فى الحقيقة ,أن "ميكافيللى" رسم منذ نحو ألف عام خارطة طريق للاستبداد اقتدى بها كل السلف الطالح من بعده , رغم أنه لم يكن شريرا قط بل كان وطنيا قوميا عاشقا لبلاده كما لم يكن عاشق من قبل , بدليل أنه وجد ميتا وحيدا فى عمر 33 عاما بسبب الجوع والبرد , بعدما كان سفيرا نابغا لبلاده فى سن التاسعة عشر , ولم يكن يدرى أن نصائحه تلك ستصير مرجعا أساسيا لكل نظم الحكم فى العالم من بعده, وان أول من المستفيدين منها هم اعداء بلاده, وأنها أتعست فيمن أتعست بلداننا العربية وشعوبنا فوجدنا حكاما على شاكلة "مبارك مصر" و"زين عابدين تونس" وغيرهم كثيرين فى الممالك والإمارات والجمهوريات العربية يطبقونها باستخدام القلم والمسطرة , فصرنا أمة مستعمرة بدون جيوش للأعداء , فقيرة رغم أن جبالها تنضح بالنفط والمعادن , جاهلة ونحن امة اوصى دينها أول ما أوصى بالقراءة , أمة خائفة مرتعدة جبانة ونحن فينا حمزة والمعتصم وعنترة وشمشون وغيرهم وادبيات ثقافتنا تنضح على الشهامة والشجاعة والإباء , امة تجمع بين كل مقومات الوحدة ولكن ممزقة الى حد التهتك.
Albaas10@gmail.com
Albaas.maktoobblog.com

الثلاثاء، 7 يونيو 2011

لماذا ليبيا وسوريا .. وليس الأردن والبحرين؟

لماذا ليبيا وسوريا .. وليس الأردن والبحرين؟



سيد أمين


حينما انطلقت الثورة العربية فى تونس ومصر واستطاعت أن تغير نظام هاتين الدولتين ، أمل الجميع أن تتمدد تلك الثورة لتزيح كيانات ونظما اتفقت جميعها على الفساد والاستبداد والقمع بأشكاله المتنوعة ،إلا أن بعضها تميز إضافة إلى ما سبق بالعمالة لأعداء الأمة وفتح البلاد طولا وعرضا للقواعد العسكرية الأجنبية الأمريكية سواء أو البريطانية أو الفرنسية فضلا عن علاقات سرية وطيدة مع الكيان الصهيونى.


لقد رجونا أن يبدأ التغيير بتلك النظم الخطيرة علي الأمن القومي العربي والتى انطلقت من بلدانها حاملات الطائرات الأمريكية لتقتل ملايين الأطفال فى العراق وتستبيح أعراض نسائه وتستذل شبابه ثم تتدرج لتزيح النظم الأقل خطرا لكونها لم يسبق لها التعامل مع الكيان الصهيونى سراً أو جهراً كسابقتها ، بحسب ما هو متواتر من احاديث.


إلا أن الثورات العربية أظهرت وجها آخر تسبب فى صدمة الشعور القومى الراغب فى التغيير ، فهى بدأت بقلب نظم الاستبداد ولم تجرؤ على أن تتجاوزها لتغيير نظم جمعت بين الاستبداد والخيانة الوطنية.


بدأت الثورة فى تونس ومصر وهما نظامان يمثلان حقيقة أسوأ أنواع النظم السياسية فى عالمنا العربي لكونهما جمعا بين الاستبداد والعمالة لإسرائيل أو أعداء شعوبهما وتحميان وتشجعان الدول لسلوك نفس المسلك وكان ينبغى أن تتمدد الثورة لتزيح نظام آل سعود الذى أنشأه البريطانيون فى مطلع القرن المنصرم على الأراضى المقدسة ليكون خادما للكيان الصهيوني المزعوم ثم قاموا بإنشاء مندوبية الأردن التى تحولت إلى إمارة ثم مملكة تكريماً لأسرة الشريف حسين وجهودها فى قمع انتفاضة الفلسطينيين وزرع الكيان المزعوم .


كنا نأمل أن تزيح الثورات العربية نظام الحكم فى قطر والتى توجد بها أكبر القواعد الأمريكية فى الشرق الأوسط متمثلة فى قاعدة «العديد» وتبعتها قاعدة «السيلية» فى البحرين ثم القواعد الأمريكية فى الظهران بالسعودية ثم الكويت التى تحتل القوات الأمريكية ثلثى مساحتها وتتلوها دولة الإمارات العربية وأخيرا سلطنة عمان، إلا أن العالم راح يؤيد الثوار فى ليبييا وسوريا واليمن ويغض الطرف عن الثوار فى البحرين وشرق السعودية والأردن تحت وطأة حملات إعلامية شرسة.


نعم.. هناك عبث بالثورات العربية وتوجهاتها، هناك مظاهرات مستمرة منذ عدة أشهر فى بغداد والمنامة، و لم يعرها الإعلام الموجة غربياً أى انتباه يذكر وكذلك هناك مظاهرات فى الأردن وفى الرباط والجزائر جوبهت بقوة شديدة إلا أن عينا لم تر وانتباها لم يلحظ ذلك وإعلاما لم يشاهد رغم أن قضايا الحريات كلها واحدة ولا يجب أن ندعم قضية فى دولة ونهملها فى أخرى.


والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا تستحوذ الثورات فى سوريا وليبيا واليمن على كل هذا الزخم الإعلامى فى حين لم تستحوذ عليه ثورة الشعب العراقى التي أقامت فى كل مدينة من مدنه ميداناً جديدا للتحرير؟


لماذا تناصر السعودية وقطر والكويت والأردن والإمارات الاحتجاجات فى سوريا و«الثورة المسلحة» فى ليبيا وتتجاهلها فى البحرين بل وتدعم النظام اليمني ضد الثوار؟


وهل لهذا التناقض الأخلاقى سبب غير السعى لتغيير الخارطة العربية لصالح التيار الموالى لأمريكا وإسرائيل؟


نعم.. الثورة المصرية سواء أو التونسية هى ثورة وطنية ورأسا الحكم فى هاتين الدولتين عرفا بالاستبداد والعمالة لأعداد الأمة.


ولكن من يقف وراء تحويل مجرى الثورات نحو سوريا وليبيا واليمن وحال دون وصولها إلى نظم اخري ترتبط بالحلف الأمريكى ؟


هل ينكر أحدنا أن سوريا دولة لم ترتبط بعلاقة مباشرة من أى نوع مع الكيان الصهيونى أو الولايات المتحدة ، وان كان ثمة علاقة فهي قطعا تتم عبر وسطاء خليجيين ، وما ينطبق على سوريا ينطبق على ليبيا؟


دعونا نخفف من تفائلنا تجاه الثورات العربية ونقصر ابتهاجنا بثورتينا المصرية أو التونسية فحسب ، بل أننى اتصور أن ما يحدث فى ليبيا وسوريا ليس إلا محاولة غربية لتطويق الثورتين المصرية والتونسية وإقامة قواعد أجنبية فى بنغازى ، وان تحطيم النظام السورى سينتج عنه تكريس الاستمرار في احتلال العراق وذبح المقاومة اللبنانية والفلسطينية وانهيار مشروع المقاومة العربية برمته.


أخيرا .. أنا أود التأكيد علي انني ضد الديكتاتوريات آيما كانت ولست مؤيدا لهذا أو ذاك ، ولكن هناك تساؤلات قومية لابد أن تطرح لنصل الي رؤية مقنعة سويا.


albaas10@ gmail.com


albaas.maktoobblog.com