الاثنين، 17 يناير 2011

حتى لا تلد الثورة التونسية فأرا ؟

سيد أمين

فى يوليو الماضى " كتبت مقالا بعنوان "صور المساخر فى بلاد المفاخر" تناولت فيه صور المظالم التى ظل يرزح تحت نيرها الشعب التونسى فى ظل حكم طاغيته ’ وتطرقت فى حديثى إلى التواطؤ العام من قبل الإعلام العربى الرسمى والحزبى والخاص تجاه هذا القهر وقلت أن ذلك يرجع لكون طاغية تونس اعتبرها شركة وراحت النقود التونسية تذهب إلى الصحف والصحفيين فى العالم العربى طولا وعرضا فى صورة إعلانات أو إعانات أو حتى رحلات وهدايا الأمر الذى جعل قطاعا منهم يهلل لكل ما يفعله "بن على" حتى لو كان افتتاح محلا للطرشى!.

أنا فى الحقيقة خائف من تطويق واحتواء الثورة التونسية ’ بل أكاد أقرأ الصورة بكثير من الحذر وقليل من التفاؤل مما يقرأها الكثيرون ’ وأرى أن الثورة المضادة للثورة التونسية قد بدأت فى ذلك اليوم الذى أعلن فيه الوزير الأول محمد الغنوشى نفسه رئيسا للجمهورية رغم انه أحد أضلاع النظام البائد !.

ورغم عفوية الثورة التونسية المباركة وطاقتها الهادرة المستمدة من شعب تصور العالم أجمع أنه "مات" وشيع "بن على" جثته الى مثواها الأخير ’ إلا أنه فاجأ العالم بأنه ليس ما زال حيا فحسب ’ بل أنه قوى وقادر على دحر قاتليه وإصابة القتلة بالذهول وإيقاظ شعوب العالم العربى أجمع وتأكيد قدرتها على التغيير القسرى.

ولكن ما كان ينقص الثورة التونسية المباركة تلك القيادة الواعية التى تؤطر الأطر وتقيس الأفعال والأقوال أثناء قيادتها الجماهير الغفيرة إلى بر الأمان الذى تحقق فيه الثورة أهدافها كاملة ’ والتى لو تواجدت ما كانت لتسمح لأفراد من حزب "بن على" الحاكم الاستيلاء على الثورة ’ ليستمر ينهش أجساد التوانسة مجددا ويمتص دمهم ’ وبالتالي ستكون الثورة لم تفعل شىء سوى أنها غيرت ظلما بظلم وطغاة بطغاة.

إن نجاحا لأي ثورة يتطلب اشتمالها على عناصر مركبة تبدأ بثورة شعبية وتنتهي بتغيير شامل وهو ما لم يتحقق فى الثورة التونسية التى بدأت بشعبية ولكن لم تحقق التغيير الشامل ’ ومن تلك العناصر الواجب اشتمالها هى ثورة شعبية وقيادة واعية ونظرية فكرية إطارية ’ ورغم أن الثورة التونسية تهيأ لها أهم وأخطر تلك العناصر المتمثل فى الحشد الشعبي’ إلا أنها افتقدت للقيادة الواعية حتى ارتضت أن يقودها أشخاص ممن قامت الثورة ضدهم ’ كم افتقدت أيضا للأطر الفكرية الساعية الى تبنيها وتحقيقها الأمر الذي قد يجعل بعضا من المغرضين ركوب الثورة وتوجيها إلى أي وجهة يتوجهونها .

كان يجب على الثوار التونسيون أن يقوموا بعقد جمعية وطنية ممثلة من كافة الأطياف الفكرية الرئيسية كالقوميين والإسلاميين والاشتراكيين والليبراليين ’ ويراعى فى أعضاء هذه الجمعية أن يكون مشهود لهم بالنزاهة واحتراف "التفكير" لا "التجارة" بالأفكار وعدم التلوث بإغراءات النظام البائد ’ ويبقى عمر هذه الجمعية عامين يوضع فيهما دستورا جديدا وتلغى جميع الاحزاب والجمعيات والمؤسسات الوهمية التى كانت ترتدى رداء الديمقراطية .

ورغم ذلك فقد أعدت الثورة التونسية بحق واحدة من أهم الثورات فى العالم أجمع ’ وتكاد تعادل فى قيمتها الثورتين البلشفية فى روسيا وهى الثورة التى امتلكت كل مقومات الثورة ’ والثورة الفرنسية وهى التى بدأت كهبة شعبية ثم اكتمل لها ضلعا المثلث حينما وجدت الزعامات والمرجعيات الفكرية.

اما الفرق بين الثورة التونسية وثورة يوليو المصرية 1952 ان الأخيرة بدأت كانقلاب عسكرى ثم بعد ذلك حققت التغيير الشامل الذى تلاقى مع ارادة الجماهير وعبر عنها.

لقد وعدت الثورة التونسية الحالمين بالتغيير فى عالمنا العربى بإمكانية تحقيقه ’ لاسيما أن الجميع جرعوا من نفس الكأس وتهيأت عندهم نفس الأسباب والمفجرات.

وكشفت تلك الثورة عن الأهمية القصوى لمتغيرين تقنين لم تعهدهما أية ثورة سابقة وهما الانترنت والفضائيات ’ فلقد اخترق التوانسة حاجز الإغلاق والصمت المطبق الذى فرضه عليهم نظام الطاغية وراح الانترنت يصبح متنفسا لا يمكن السيطرة عليه فى نقل ما يحدث فى الداخل الى الخارج وتعريف العالم بوحشية وقمعية النظام التونسى البائد ’ وساهم مع قناة "الجزيرة" دون سواها بشكل فعال فى دعم الثوار وربط الشعور الوطنى التونسى المفتت ’ وإشعار كل تونسى بأنه ليس وحده يقف محتجا ولكن يقف معه كل أبناء شعبه فى كل المدن والمحافظات وتقف معه الشعوب العربية بكاملها من الخارج.

Albaas10@gmail.com

Albaas.maktoobblog.com

الأحد، 9 يناير 2011

سوق الشماعات

سيد أمين

لأشد ما يصيبني بالدهشة أن أجد مثقفا مصريا أو عربيا لا يؤمن بأن أمتنا مستهدفة ’ مع أن فلاحا بسيطا في حقل ناء في أي من بلداننا العربية استطاع أن يدرك ذلك بجلاء , وذلك لأن أمتنا فعلا في مرمي نيران العدوان الناعم وأحيانا العسكري.



وحينما حدثت تفجيرات كنيسة القديسين بالإسكندرية وراح ضحيتها الأبرياء من المصريين – مسيحيين ومسلمين – خرجت الأبواق تفتي بأن أصابع الاتهام تشير الي تنظيم القاعدة مع أنني غير مقتنع بالمرة لهذه التحليلات حتي لو خرج علينا شريط لأسامة بن لادن نفسه وقال أنه تنظيمه هو من نفذ التفجير.


وعلة ذلك انني اعتبر أن من يذهب الي هذا المذهب فإنما يهدر دم الضحايا ويقيد القضية برمتها ضد مجهول والشاطر يذهب ليلقي القبض علي أعضاء هذا التنظيم "الهلامي".


ليس ذلك فحسب ولكن علينا أن نتساءل , إذا كانت القاعدة هي التي قامت بتنفيذ تلك الجريمة التي لا يرضاها الإسلام الذي تقول أنها تحمل لوائه فما مصلحتها إذن إذا كانت تريد بمصر الخير في هذا التفجير الذي لم يفرق بين مسلم ومسيحي؟


ثمة تساءل أخر , هل استطاعت القاعدة أن تنتصر علي خصومها التقليديين المعلنين أمريكا والغرب حتي تفتح جبهات قتال جديدة أبناء الوطن ؟ وإذا كان الأمر كذلك فمن يقتص منها ويثأر للأبرياء رغم أن أمريكا والغرب والعالم اجمع تقريبا – طبقا للمعلن - حاول النيل من هذا التنظيم ولم يفلح.


بل أنه تحت شعار تعقب تنظيم القاعدة , احتلت الولايات المتحدة العديد من بلداننا وقتلت الملايين من المسلمين الأبرياء في أفغانستان والعراق والصومال وباكستان واليمن وغيرها, ونهبت ثروات تلك البلدان وبلداننا الأخري, واعتدت علي الحرمات والمحرمات وأسقطت الحضارة الإنسانية تحت قذائفها الثقيلة المخضبة باليورانيوم المنضب.. فهل يعقل أن تستمر جماعة من المسلمين في المضي بارتكاب الحماقات ضد الأهل ولم تسجل انتصارا واحدا ؟.. أنا لا اعتقد.


الحقيقة .. واضحة .. تنظيم القاعدة هو الشماعة التي تبرر أمريكا بها جميع جرائمها .. لقد صنعت عملاقا من وهم وأخذت تخوف الناس منه حتي خافته هي نفسها وهناك ما يبرهن علي أن الولايات المتحدة هي التي صنعت هذا الكيان وهو ما تناولته بعض وسائل الإعلام الغربية علي حياء وهو ما أشرت إليه في مقال سابق بعنوان " وهم دولة العراق الإسلامية " ولا داعي لتكراره.


والآن دعوني أكون صريحا , فأنا متعصب للرأي القائل بأن هناك مؤامرة ضد بلداننا , بل أنها ليست مؤامرة فحسب بل هي مؤامرة كبري وأزلية منذ أن خلق الله العرب عرب والروم روم والعجم عجم , وما تناوب المستعمرون علي بلداننا العربية عامة ومصر خاصة إلا تفسير ظاهر وسهل الإدراك لتك المؤامرة.


وما مقولة ارنست رونا نفي خطابه الافتتاحي عام 1862 في الكوليج دي فرانس حول نصيب الشعوب السامية في تاريخ الحضارة بأن "" الشرط الاساسي لتمكين الحضارة الأوربية من الانتشار هو تدمير كل ما له علاقة بالسامية الحقة ’ تدمير سلطة الإسلام الثيوقراطية لأن الإسلام لا يستطيع البقاء الا كدين رسمي وعندما يختزل الي وضع دين حر وفردي فانه سينقرض ’ وان هذه الحرب الدائمة التي لن تتوقف إلا عندما يموت أخر أولاد إسماعيل جوعا أو ينبذه الإرهاب في الصحراء مكانا قصيا"".


أنها اعتراف واضح بأنهم يستهدفوننا شئنا أم أبينا ليس لجرم ارتكبنا ,ولكن لأننا نحن نحن , أحفاد الفاتحين الأوائل للدنيا وما عليها وما فيها وما بها.


هاهو نابليون بونابرت يوصي جنوده ويعلمهم أصول الجغرافيا السياسية أو "الجبلوتيكا" ويقول "من يريد أن يسيطر علي الشرق يبدأ بالقاهرة فهي بمثابة القلب في الجسد"وها هو أدولف هتلر يرسم خريطة العالم ويقول أن فيها مثلثا رأسه في برلين وضلع من قاعدته في القاهرة.


وها هي جانيس تيري تعد دراسة بعنوان "صورة الشرق الأوسط في الرواية الأوربية المعاصرة " والت نشرت في كتاب ادموند غريب" الصور المنقسمة" تكشف عن العديد من أمثلة الاستهداف والتشويه المتعمد للإسلام والعروبة .


ويذكر الباحث د. زياد أبو غنيمة تشويهات دائرة المعارف البريطانية للإسلام والعرب فيقول أن الموسوعة تعّرف محمدا "عليه الصلاة والسلام " بأنه "زعم" بكونه نبي مرسل من الله وانه أعظم الأنبياء وان المسلمين يعبدونه فيما تصف الموسوعة الفرنسية الرسول الكريم بأنه " قاتل ودجال وخاطف للنساء واكبر عدو للعقل البشري"فيما يصف معجم وبستر الامريكي الإنسان العربي بأنه رجل حيواني وشهواني وقاتل واكر ومخادع وزير نساء ومتشرد ومتسكع وغبي وفوضوي" وغيرها من المفردات التي لا تليق إلا بحيوان.


بل الغريب أن موسوعة "تاريخ الجنس البشري وتقدمه الثقافي والعلمي" والتابعة لمنظمة اليونسكو تعّرف الإسلام بأنه "تركيب ملفق من المذاهب اليهودية والنصرانية بالإضافة الي التقاليد الوثنية العربية التي أبقي الإسلام عليها كطقوس قبلية فجعلها أكثر رسوخا في العقيدة".


إذن .. فعالمنا العربي مستهدف نظرا لطبيعته الجغرافية من جانب ولكونه يمثل التربة الثقافية الخصبة التي نبتت فيها البذرة الأولي للإسلام حتي ساد العالم من جانب أخر.


ولا يخفي علي متعمق أن يري رداء الإسلام في الأصل عربيا ’ ولا يخفي عليه ملاحظة أن تناوب الاستعمار تاريخيا علي بلداننا هو وجه من وجوه الاستهداف ليس ذلك فحسب بل أن يلاحظ أيضا أن امتنا العربية هي الأمة الوحيدة التي لازالت أجزاء من أراضيها مستعمرة في فلسطين والجولان ولبنان والاسكندرونة وسبته ومليلة ’ بل أنها الأمة الوحيدة التي يعاد فيها استعمار بلدان تحررت منذ عقود كما هو الحال في العراق.!!


لا أظن أنه لا يزال هناك عاقلا يشك في كوننا امة مستهدفة ويعاد تخليق الأزمات فيها تخليقا وكأن أقطارنا هي الأقطار الوحيدة في العالم التي تعددت فيها الأثنيات والأديان – رغم بساطتها - مع أن دولة مثل الهند مثلا تحفل بنحو 245 لغة و ألف و652 لهجة ونحو 271 دينا وكذلك الأمر بالنسبة إلي الصين بل ان اي بلد في العالم لا يخلو من التعدد الثقافي الذي يتمتع به عالمنا العربي , ورغم ذلك لم نسمع قط من يطالب بتقرير مصير الأقليات في أمريكا أو الصين أو الهند أو في اي بلد في العالم عدا في بلداننا العربية ’ أليست تلك قرائن للاستهداف ومحاولة للقضاء علينا بالتفتيت والتجزئة والتشرذم؟


أليس عجيبا ان يبحث البعض تحت ذرائع الديمقراطية وحقوق الإنسان عن مواطن الاختلاف بين مكونات كل قطر من أقطارنا ليقوم ببعثها من مرقدها بدلا من العمل علي إخمادها ؟


ألم تتحول الديمقراطية في بلداننا الي وسيلة للصدام لا الي التعايش , والانزواء لا التكامل والخيانة لا الوطنية ؟


فأي اياد ملعونة تلك التي فجرت صراعا بين السنة والشيعة والأكراد والعرب والتركمان في العراق وهم الفئات التي امتزجت عبر ألاف السنين؟


وأي أياد تلك التي قسمت اليمن جنوبا وشمالا رغم ان الجميع معتدي عليهم ومستهدفين وفقراء؟


وأية اياد تسعي لدق الأسافين بين العرب والأمازيغ في بلدان المغرب العربي - رغم أن الدراسات تؤكد أن الأمازيغ هم عرب يمنيون هاجروا قبل الاف السنين الي شمال إفريقيا وان الامازيغية هي خليط من العربية واللغات الافريقية القديمة.


ومن الذي بات يحلم بتفتيت السودان فنراه الأن يتهاوي فاليوم الجنوب والغد دارفور ولا ندري ماذا يحمل له المستقبل؟


انني أعيب وبشدة علي الدكتور محمد البرادعي ما نسب إليه من قول بأنه يؤمن بأحقية تدويل قضية النوبة في مصر , ولا ادري كيف استطاع هذا الرجل النطق بهذا المعني وفي تلك الأثناء بالذات ؟


انني لا أخفيكم قولا انه بمثل تلك التصريحات التي توقظ الفتن لم اعد أميز بين ما يجب وما لا يجب لقد صارت اسواق الشماعات رائجة في بلداننا نعلق عليها خطايانا وننتظر اين وكيف تأتي الضربة لنا.


Albaas10@gmail.com


Albaas.maktoobblog.com