الأربعاء، 5 نوفمبر، 2014

د. حسام عقل يكتب: فخ سيناء .. كرة النار القادمة !

المصريون
لا جدال أن تداعيات الأحداث في ( سيناء ) علي النحو الدرامي المرعب الذي مضت به سيناريوهات الانفجار تفتح باباً واسعاً للتأمل الجاد المتعقل في راهن الملف السيناوي ومآلاته . وقد تقاطعت في مخيلتي صورتان كفيلتان بتصدير القلق ( المشروع ) ، للمرة الأولي ، بشأن تماسك الحالة الداخلية المصرية إجمالاً ، والمدي الذي يمكن أن تصل إليه تلك الحالة ، في خضم مخاطر التفكيك ( طاعون المنطقة الآن ! ) وشبح الانقسام الذي يشطر كل شيء طولاً وعرضاً ، إذا ما استمر التأزم السياسي بهذا الاستحكام ، وحسمت القوي الاستعمارية ، في الوقت نفسه ، وجهتها بأن يكون الملف السيناوي مفتاحاً للدفع بالوضع المصري المحتقن والمتأزم إلي حالة ( الاستدراج ) الشامل ، الذي خطط له الاستراتيجيون جيداً في ( واشنطن ) و( تل أبيب ) ، فيما أحسب ، بنسق شبه نموذجي ، بحيث تكون سيناء شرارة الاستدراج الأولي !
> أما الصورة الأولي فهي حرب ( طروادية ) عنيفة قادها الكاتب الصحفي ( سليمان جودة ) بقلمه هاتفاً بحتمية ( التدمير ) للمسطح الحدودي السيناوي حماية للدولة ، فيما يري ، دون أن يدري ( أو لعله يدري ! ) أن اقتلاع المدن هو ، في مسارات التاريخ المعاصر يمثل، أردأ أنواع العنف العرقي ، الذي من شأنه أن يصدر قنابل الأقليات علي النحو الذي نشهده في ( المسألة الكردية ) ، مثالاً لا حصراً ، وهذا الطريق الذي يدفعنا إليه البعض دفعاً ، دون تبصر بعواقبه ، قد يباغتنا باستدعاء شيطان قبيح لم تعرفه مصر يوماً ، أعني شيطان ( استفتاءات الانفصال ) و( الحكم الذاتي ) ! ويقودني هذا إلي الصورة الثانية حيث رأيت ، بعيني رأسي ، ناشطاً سيناوياً عبر شاشة فضائية ، في أعقاب تسريب ( فيديوهات التعذيب ) والكلام الزائد عن ( التهجير ) ، يجز علي أسنانه غاضباً ، ويقول بنبرة ذات مغزي : " لا تنسوا الملاحق الأمنية لكامب ديفيد ، حيث ستتمسك إسرائيل بها لتدفع بالمجتمع الدولي إلي إخلاء سيناء من كل القوات وبقاء جنود الأمم المتحدة وحدهم ، ثم عرض الأزمة برمتها علي المواطنين السيناويين بنهج الاستفتاءات الذي دأبت عليه الأمم المتحدة في مثل هذه الأحوال ، .. وهنا لكل حادثة حديث ! " وقد أحسست في وعيده وعبارته التهديدية الأخيرة التي ضغطها بأسنانه بتحد واضح : " لكل حادثة حديث .." قراراً خطيراً يختمر في ضمائر شريحة من السيناويين ، مع استحكام القهر وتراكم ممارسات الحرمان من الإعمار والوظائف في الجهات الحساسة والسيادية عبر عقود ، ، ثم هذا الختام الأمني المرعب الذي لم يتوقعه أحد للمشهد برمته . وهو ختام حسمته تروس السلاح وحدها ، بما فاق أكثر التوقعات تشاؤماً . وقد بدأ استدراج المشهد المصري إلي عتبة التآكل الداخلي الكامل ، فيما أري ، بطريقة إمبريالية مبتكرة ، حين أمكن شق أخدود هائل طافح بالدماء بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية ، وهما القسيمان الكبيران في المشهد ، لتبدأ عمليات الإنهاك الداخلي علي أشدها ، ثم كان تحريك الأزمة ، في المرحلة اللاحقة ، إلي الشريط السيناوي ، وهو حلم داعب الاستعمار من قديم طويلاً ، وانتظرته غرف التخطيط الاستعماري بشوق جارف عقوداً ، إذ لم تسلم أدبيات الفكر الاستعماري يوماً ب ( مصرية ) سيناء ، ولا يتعين أن ننسي هنا كتابات ( لوران ) ، في مطالع القرن الماضي ، حين طرح سؤاله الشهير : "هل ( سيناء ) إفريقية أم آسيوية ؟!" مؤكداً أن سيناء هي الإكمال الجيولوجي والجغرافي الطبيعي لشبه الجزيرة العربية ، بالنظر إلي تلاحمها القدري باليابس الآسيوي ! وهو ما رد عليه المفكر الكبير ( جمال حمدان ) وفنده بتحليلات مطولة في موسوعته : ( شخصية مصر ) محذراً من أن الاستعمار هنا لا يباشر رياضة التأمل ، وإنما يخطط لسيناء ، ومن ثم لمجمل المسطح المصري ، شيئاً كبيراً لا حد لخطورته ، مهيباً بالدولة أن تلعب دور ( المذيب ) - وفقاً لتعبيره - علي معني إذابة سيناء في الكيان المصري ، بأسرع وقت . ورحل ( حمدان ) بتحذيراته الملتاعة كمداً دون أدني تجاوب ! وهنا يحق لي ، باعتباري مصرياً يتفطر قلبه مزقاً علي المآلات الكابوسية لملف سيناء ، أن أسأل صانع القرار في مصر في هذه اللحظة : هل درسنا جيداً خطط ( اللاعب الإسرائيلي ) ومناوراته المضمرة والمعلنة بإزاء الملف السيناوي ؟! وهل تابعنا التحليلات الخطيرة التي كتبها مؤخراً المحلل الإسرائيلي الشهير ( إهود يعاري ) زميل ( ليفر) الدولي في معهد واشنطن ، ومعلق شؤون الشرق الأوسط في القناة الثانية ب ( التليفزيون الإسرائيلي ) ، وهي تحليلات ملأ بها صحافة العالم مهيئاً الأذهان لقبول ( التصور الإسرائيلي ) لملف سيناء ؟! موعدنا مع هذه التحليلات التي تعكس الرؤية الإسرائيلية تفصيلاً في المقال القادم بإذن الله . اللهم سلم !
إرسال تعليق