الاثنين، 10 نوفمبر 2014

أحمد الدريني يكتب: «مبروك يا فايزة».. بصوت مبارك

ذات مرة، كتب أحد مدرسي اللغة العربية الذين يتخذون من الحوائط مادة لإعلانهم عن تقديم خدمات الدروس الخصوصية: «عقرت النساء أن يلدن مثلي»! مشفوعة برقم هاتفه والمركز الذي يقدم من خلاله خدماته التدريسية.
ولا أفهم الوجه الذي عقرت فيه النساء أن يلدن شخصا يلقنك تلقينا أن الفاعل مرفوع وأن المفعول منصوب..
فما هي الميزة الجينية التي يحملها هذا الأستاذ، ويتفرد بها بين أقرانه، وترفعه فوق مرتبة سيبويه إذا لزم الأمر؟
أتذكر هذا الإعلان الهزلي كلما تقافزت أسماء الأفاضل، الوزيرة فايزة أبو النجا والدكتور كمال الجنزوري، ومؤخرا اللواء أحمد جمال الدين.. فضلًا عن سيد مملكة الخواتم الأستاذ محمد حسنين هيكل.
لا أكن ضغينة شخصية لأي من هذه الأسماء، بل ربما أكن إعجابا بالغا بقدرتهم على العطاء (أيا كانت نوعية ودرجة وكفاءة هذا العطاء) على مدار عقود مديدة وأعمار مديدة، دون كلل أو تعب أو رغبة في التوقف أو حتى دون أي استسلام لسؤال وجودي عابر عن «جدوى» ما يفعلونه وأهميته للبشرية.. أو حتى لمصر المسكينة.
جاء تعيين الرئيس السيسي للسيدة فايزة أبو النجا مستشارًا للأمن القومي ليزيد من حيرتي الوجودية حول إكسير الحياة الذي تحتفظ به السيدة أبو النجا لنفسها، فتغري الأنظمة المتعاقبة على الاستعانة بخبراتها.
السيدة فايزة انتزعت منصبًا وزاريًا قبل 13 عامًا حين كانت وزيرة للتعاون الدولي، وظلت حاضرة في التشكيلات الوزارية رغم كل التغيرات التي طرأت على كوكب الأرض خلال هذه الأعوام الـ13.
وأتذكر بوضوح، صوت مبارك المتحشرج وهو يقول لها : مبروك يا فايزة.. بعدما أدت اليمين الوزارية في الحكومة التي تم تشكيلها أثناء ثورة يناير برئاسة الفريق أحمد شفيق، بعد استقالة حكومة نظيف.
«مبروك يا فايزة»..
لم أفهم ساعتها رغم اللحظات المرعبة التي تمر بها البلاد، ورغم الضغوط التي تكاد تطيح بمبارك وتقتلعه من منصبه، لماذا نظر مبارك إلى فايزة أبو النجا أثناء حلف اليمين وأصر على أن يهنئها: مبروك يا فايزة.
بدا لي الأمر غيبيًا أكثر منها قابلًا للفهم البشري المعتاد. فهذه السيدة تمتلك شيئًا ما يعطل النواميس لصالحها، حتى إن مبارك ينسى في حضرتها أنه على وشك مغادرة منصبه ثم يهنئها بمنصبها، والشوارع في الخلفية تهدر مطالبة برحيله هو شخصيًا!
السيدة فايزة أيًا كانت حنكتها ودرجتها العلمية، بدت عصية على التأثر بالمتغيرات الدولية والإقليمية الطاحنة، وظلت مفضلة للأنظمة السياسية المتعاقبة من وزارة نظيف لشفيق لعصام شرف، ثم هاهي تحل مستشارة للسيسي.
ولا أفهم..هل عقرت نساء مصر أن يلدن شخصًا بكفاءة فايزة أبو النجار مثلما عقرن عن ولادة مثيل لمدرس اللغة العربية إياه؟
قد تكون أبو النجا، ألمعية وخارقة الذكاء وتجيد التحرك في بعض الملفات كما لا يجيد سواها، وقد تكون صلاتها الدولية المتشعبة قادرة على فصل معارك كثيرة لصالح مصر، قد تكون أي شيء لا يدركه عقلي المحدود وتفكيري الأرعن وقدراتي المتواضعة.. لكن الخطير في الأمر هو استمراء هذه الحالة المزمنة من الإبقاء على مسؤولين بعينهم وكأن مصر خلت من البشر، لا من الكفاءات فحسب.
(2)
والحديث الآن يدور حول تجهيز الدكتور الجنزوري لتولي منصب هام هو الآخر..
فضلًا عن جلسات تقدير الموقف وإسداء النصح التي يبديها الأستاذ هيكل منذ أكثر من نصف قرن من الزمان هو الآخر، وكأن لا أحد في مصر بمقدوره فهم أي شيء غير هذه الأسماء التي احتكرت المعرفة الكلية، ويجيئها الإلهام بكرة وعشيا.
الخطير هو إدمان أنظمة الحكم على التعاون مع هؤلاء الأشخاص وكأنهم القدر المحتوم، وكأن لا سواهم بمقدوره فعل أي شيء.
ورغم أن تشخيص الحالة المصرية من أطرافها لأطرافها يعكس دولة مهلهلة مفككة الأوصال منهكة من كل الجوانب، إلا أننا نصر على الاستعانة بمن كانوا دوما جزءًا من المشكلة لا جزءًا من الحل!
(3)
الإصرار الدائم على استدعاء «خلطة العطار» التي جربها الآباء والأجداد من الأنظمة الحاكمة أمر مثير للأسف، ويعكس ارتدادًا للخلف بأكثر ما يؤسس لرغبة في الانطلاق للأمام.
ربما كانت الأسماء الواردة في هذا المقال من أكفأ من تقلدوا المناصب مطلقًا، ومن أطهرهم يدًا..
لكن في هذه الإصرار على الضغط على زر (pause) وتوقيف الزمن عند لقطات بعينها، مصادرة على طبائع الحياة نفسها، وإهدار لكفاءات كامنة ستضيع في غمار الطريق، لا محالة.
دعونا نجرب ونخطئ، دعونا نفكر بطريقة مختلفة بأشخاص مختلفين.. وحتى لو فشلنا.. دعونا نجرب طرقًا أخرى للفشل واتركوا لنا متعة التجريب والمغامرة والشعور بأن الزمن يتحرك للأمام ولم يتوقف عن نقطة بعينها.
على الأقل دعونا نشعر أن تغييرًا ولو بصريًا قد جرى في المشهد.. بدلًا من أن أنظر إلى السيسي فأرى حواليه نفس الوجوه التي كنت أراها حول مبارك مذ كنت طفلًا!
(4)
يظل يتردد في الفناء من حولي، صوت مبارك المتحشرج في آخر يمين تؤديه أمامه وزارة ما، وهو يقول: مبروك يا فايزة!
دون أن أفهم سر المباركة لهذه السيدة الحديدية التي بقيت بينما مصر تحترق خارج جدران المبنى الذي تحلف فيه القسم.
إرسال تعليق