الأربعاء، 17 سبتمبر 2014

نظام عربي «مركوب» وكومبارس في مسلسل «داعش»

بسام البدارين
الفارق كبير وواضح بين السهر والحرص على إستدعاء قوات برية تشتبك مع تنظيمات متطرفة في سوريا والعراق وبين العوائد التي يمكن أن يجنيها الأمريكيون وغيرهم من خلال إشغالنا في الأمة العربية مجددا بقصة «داعش» والإستثمار فيها سياسيا وأمنيا للإسترسال في إرهاق المنطقة وشعوبها وممارسة عملية «إبتزاز» متجددة.
مفارقة كبيرة جدا لا يمكن تجاهلها ترصدها تقارير الزميلرائد صالحة من واشنطن في «القدس العربي» حيث يكتفي الأمريكيون بغارات جوية مما يدلل على أن الإستثمار في قصة التحالف أبعد وأعمق من قصة داعش نفسها وشقيقاتها فيما يصر العرب على الإشتباك البري ودخول قوات برية أجنبية للإشتباك مع التنظيمات في العراقوسوريا.
لا أعرف سببا لتكرس ذهنية الإستعانة عسكريا بالأجنبي مقابل المال ودفع التكاليف والصراعات العسكرية التي يرهقنا فيها الغرب وهو ينهب ثروات المنطقة هدفها الأعمق إبتزاز المال العربي أكثر كلما كان الأمر ممكنا.
تنظيمات داعش موجودة في الواقع العراقي منذ عدة سنوات وسبق ان إرتكبت تصرفات أثارت الكثير من الإعتراض والتساؤل خصوصا وان طابعها كان جرميا في بعض الأحيان …طوال هذه السنوات لم تتحرك الإدارة الأمريكية ولا المجتمع الدولي ولم يتحدث أحد عن تحالفات من أي نوع لأن تصرفات داعش برأيي الشخصي كان مقصودا لها أن تنمو وتثير ما أثارته من ضجة وهلع وتناقضات في جسد الأمة العربية وحتى بين أنصار التيارات الجهادية أنفسهم وبين كل التيارات الإسلامية وغير الإسلامية.
لا يمكن تبرير أي جريمة خارج القانون وشرعيته والقضاء العادل بكل الأحوال سواء إرتكبها عنصر في داعش أو غيرها أو جندي امريكي او زميل له في جيش حكومة المالكي فالجريمة تبقى جريمة من الناحية البشرية والقانونية لكن «توقيت» بناء التحالف يثير الكثير من التساؤلات بسبب غموضه وخلفياته وحتى بسبب عدم وجود «أجندة واضحة المعالم» لهذا التحالف عند الشركاء أو الأعضاء وتحديدا العرب المتسارعين والمهرولين للعباءة الأمريكية مجددا.
السذج والبسطاء يمكنهم ملاحظة أن واشنطن تحركت بقوة وأسست التحالف الجديد عندما إقتربت داعش من حضنها الكردي الدافىء فقط ..قبل ذلك لم نسمع شيئا عن تحالف او خلافه مما يكرس القناعة بأن الغرب يهتم بثلاث مسائل فقط في منطقتنا لا علاقة لها بحرية الإنسان وحقوقه وبث الديمقراطية وهي إسرائيل والمنطقة الكردية والنفوذ عندهما إضافة للنفط العربي.
لذلك لا يمكنني تخيل بناء التحالف الغامض الجديد بعيدا عن الإعتبارات سالفة الذكر فهو بكل الأحوال رغم الجرائم الطائفية من كل الجهات في سوريا والعراق تحالف ليس الهدف منه بالتأكيد إستقرار المنطقة ولا الإستقرار الأمني في البلدين بقدر ما هو يهدف حصريا ومجددا لإبتزاز النظام العربي الرسمي والشعوب العربية لصالح إسرائيل والمصالح الأمريكية والغربية والإسرائيلية في شمال العراق إضافة لإختلاق اي مبررات ومسوغات للبقاء عسكريا وعبر القوى العسكرية المحضة في أقرب مسافة ممكنة من النفط العربي وحقوله .
العراق لم يعد مستقلا ولا حرا بعد الإحتلال والطريقة التي تمكنت فيها داعش من السيطرة على مدينة الموصل خلال ساعات فقط لا زالت غامضة ومريبة والجيش العراقي الذي ورث نظام صدام حسين ودولة قوية أخفق ولأسباب لا زالت غامضة في منازلة بسيطة نسبيا قبل أن يبتدع الأمريكيون قصة الفشل في برامج التدريب والتأهيل ليبتين بأن العراق الجديد الديمقراطي نهشه الفساد وأن برامج الإحتلال الأمريكية للتدريب عبارة عن فقاعة صابون مما يخصص مساحة مستقبلية للإبتزاز تحت عنوان برامج تدريب وتأهيل بعدما «تعملقت» أخطار داعش المفترضة .
سوريا ايضا تم إفشالها وإماطة امد الصراع فيها وعدم حسمه لصالح مشروع الإبتزاز نفسه فواشنطن ومعها حلفاؤها من «أصدقاء سوريا» تقصدوا تماما خدمة نظام دمشق وإبقاء الشعب السوري وثورته بعيدا عن أي نصر أو حسم للمعركة مما يدلل على الرائحة الإسرائيلية وراء الموقف وعلى أن المطلوب كان إرهاق سوريا وشعبها لسنوات طويلة.
ها نحن اليوم نشاهد فيلما سيطول بالتأكيد على الطريقة الهندية و التركية تحت عنوان التحالف ضد داعش التي أرعبت عدة انظمة عربية قامت أصلا على ثنائية الفساد والإستبداد حيث يتسلل التطرف والتشدد دوما من ثغرات الحواضن الإجتماعية الناقمة بسبب إما تهميش حقوقها الأساسية لصالح طبقات من اللصوص والأوغاد أو الإعتداء عليها لصالح نظريات القمع الأمني .
يعرف الأمريكيون أن فساد الأنظمة في العالم العربي هو المسوغ الأبرز لتسلل التطرف والإحباط والإحتقان لكنهم يسهرون على حماية هذا الفساد بل يشاركون في الفساد نفسه لإبتزاز أموال وثروات المنطقة.
ويعرف الأمريكيون بأن السبب الرئيسي لولادة التطرف والتشدد في المنطقة العربية هو الإرهاب المنظم الذي يمارسه الكيان الإسرائيلي ضد شعوب المنطقة منذ عقود لكنهم لا يريدون تسجيل وتوثيق هذا الواقع لأن الهدف الأبعد والأعمق لا علاقة له بالضمير البشري ولا حتى بإستقرار المنطقة وإسترخائها.
ويعرف الأمريكيون أيضا بأن تصرفات جنودهم في العراق وسكوتهم لاحقا على الإدارة الطائفية المريضة للعراق الجديد التي إستهدفت أهل السنة شكل حاضنة إجتماعية ولدت من رحمها داعش وغيرها لكنهم لا يريدون الإعتراف بأنهم أفسدوا وأفشلوا العراق العظيم وفرقوا بين شعبه وزرعوا بإيديهم فتنة كبيرة بين أبناء الشعب الواحد وأكبر دليل على ذلك ما حصل من جنودهم في سجن أبو غريب وحل الجيش العراقي القديم وقانون إجتثاث حزب البعث.
أرى ان التحالف الجديد عبارة عن إستمرار لعملية الإبتزاز التاريخية للنظام العربي الرسمي المرعوب أو المركوب وتقديري أننا أمام مسلسل تركي جديد متعدد الحلقات واننا جميعا في العالم العربي نتورط ونحن نشارك ممثلين كومبارس.
٭ مدير مكتب «القدس العربي» في الاردن
إرسال تعليق