الأربعاء، 24 سبتمبر، 2014

بلال فضل يكتب: ..ومن أهم شروط إسقاط الدولة أن تكون هناك أصلا دولة

إذن فقد كان الأمر يتطلب أن تمسك النيران بثياب جهاز المخابرات العامة لكي يخرج مسئول كبير فيها، حتى ولو كان سابقا، ليقول إن ثروت جودة، الذي كان يقدم نفسه بوصفه اللواء وكيل جهاز المخابرات العامة السابق، ليس لواء من أصله، ولم يكن وكيلا لجهاز المخابرات، وإنه خرج على المعاش برتبة عميد عام 2006، بعد أن أدلى جودة بحوار لصحيفة "الوطن" كان يستوجب ما قاله فيه، لو صح، محاكمة كل مسئولي المخابرات في عهد سيء الذكر محمد مرسي، والأهم محاكمة كل من سمحوا بأن ينتسب إلى جهاز المخابرات أناس بهذه العقلية المثيرة للضحك، الذي سرعان ما تبوخ بهجته ليتحول إلى فزع على حال البلاد ومصيرها. 
طيب، الآن فقط تكذبون الرجل وقد ظللتم تشاهدونه يتنقل طيلة السنوات الماضية بين برامج الفضائيات يتحدث بصفة الخبير مرددا وقائع يتلقفها الملايين على أنها حقائق لا يرقى إليها الشك، وأنتم صامتون لا تعلقون، ربما لأنكم ترون أن في ما يقوله مصلحة للبلاد، طالما أنه يصب في مصلحة القائد الضرورة الذي يتآمر العالم كله عليه. والآن فقط عندما "تبحبح" جودة حبتين في الكلام وقال إن جهاز المخابرات كان يخفي معلومات مهمة عن رئيس كان منتخبا وشرعيا، قررتم نسف مصداقيته بهذه الحقائق التي كان من حق الناس معرفتها بعد أول يوم ظهر فيه على الشاشات. لكن لا بأس، فأنتم تعلمون أنه لن يحاسبكم أحد عندما سكتم عليه وهو يهري، ولن يحاسبه أحد عندما كذب وهو يتحدث.
لا تحتاج إلى ذكاء حاد لتدرك أن ظهور رئيس المخابرات العامة السابق اللواء رأفت شحاتة في الصورة، لينفي كلام جودة في تصريحات لبرنامج "يحدث في مصر"، كان سببه الزياط الإخواني منقطع النظير بتصريحات ثروت جودة التي اعتبرها الإخوان طوق النجاة لإثبات أنهم لم يكونوا فشلة ولا كذابين ولا خونة لأصوات من عصروا على أنفسهم الليمون وانتخبوهم، كأن مرسي كان يحتاج مثلا إلى تقارير مخابراتية ليعرف أن مهمته الأولى والأهم هي إعادة هيكلة وزارة الداخلية وتطهيرها، بدلا من أن يبارك قيامها بالقتل من أجله ويصفها بأنها قادت العبور الثاني، ويرفع ميزانيتها، ويبقي على كل قياداتها الفاسدة الشائخة، متحججا هو وأنصاره بأن أي فتح لملف الداخلية سيثير أزمات لا قبل له بها، بدلا من أن يحتمي بالذين ساندوه وانتخبوه ووقفوا خلفه، فإذا بالداخلية التي ساندها بدون قيد ولا شرط، تكون أداة الفتك به وبأنصاره، وهو ما اتضح في ذلك المشهد الدرامي الذي قام فيه القيادي الإخواني فريد اسماعيل بتذكير من جاؤوا للقبض عليه بأنه كان دائما يساندهم وهو نائب.
رئيس المخابرات السابق لم يكتف بنفي تصريحات جودة، بل ذكر أكثر من مثال حذر فيه الجهاز مرسي من قرارات خاطئة اتخذها وأصر عليها، لكن نفي الرجل بدا كأنه دفاع عن شخصه ودوره خلال تولي مسئولية الجهاز، فلم نر أي تحرك من الجهاز نفسه لاتخاذ إجراءات قانونية ضد ثروت جودة، ولو حتى بتهمة انتحال صفة ليست له، مما يثير علامات الاستفهام حول علاقة الجهاز بمسئوليه السابقين، وما إذا كان من حقهم أن يتحدثوا على سجيتهم ليسجلوا سابقة جديدة لم تعرفها أجهزة المخابرات في العالم كله.
على أية حال، وحتى يتخذ الجهاز إجراءات رسمية يوضح بها موقفه مما نسبه جودة إليه، يظل حوار ثروت جودة فرصة لتأمل أحوال الدولة المصرية التي يولول الكثيرون خوفا من سقوطها، والتي هجر ملايين المصريين عقولهم وضمائرهم ومبادئهم من أجل أن يحافظوا عليها كما يظنونها قوية شامخة عفية، وهي "صورة ذهنية" لا تتناسب إطلاقا مع الصورة التي يقدمها لنا من ظل يقول على الملأ لسنين إنه وكيل المخابرات العامة.
في حواره يقدم الرجل صورة مختلفة عن الصورة التي حرص كل قادة الجيش المصري على تأكيدها عن الجيش بوصفه مؤسسة مهنية منضبطة تنأى بنفسها عن أوحال السياسة، وتدرك أنها مؤسسة لكل المصريين تحترم إرادة الشعب وتدعم قراره، فهو يقول بالنص إن "تقارير القوات المسلحة قبل 30 يونيو أكدت للسيسي أن 95% من الجيش هينزلوا لوحدهم لو ما أخدش القرار"، وفي حين يحرص المشير عبد الفتاح السيسي دائما على الاحتفاء بأستاذه المشير حسين طنطاوي ويدافع عنه أمام ضباط الجيش، كما شهدنا في أحد لقاءاته التثقيفية التي تم تسريبها منذ فترة، يقدم جودةـ في حواره المسجل كما قالت جريدة الوطن ـ طنطاوي في صورة رجل يتصرف في أمور الدولة حسب مزاجه وهواه، ويصفي حساباته مع عمر سليمان وأحمد شفيق الذي يملك لهما كما كبيرا من "الحزازيات"، بنص تعبيره. ولذلك يتواطأ مع المستشار حاتم بجاتو بالسماح بأن يصل إلى مقعد الرئاسة عميل مخابرات كانت أجهزة المخابرات تمتلك أدلة ضده بأنه يتخابر ضد مصر. وبرغم أن كلام جودة يقال منذ فترة في وسائل الإعلام، إلا أن مجيئه بوصفه معلومات يقدمها رجل يدعي أنه وثيق الصلة بجهاز المخابرات يعتبر نسفا لفكرة وجود دولة يخاف الناس على إسقاطها، لأن الدولة التي تمتلك أجهزة أمنية وسيادية تنفق عليها المليارات من دخلها بدلا من إنفاقها على الصحة والتعليم والطاقة،ومع ذلك تتم إدارتها طبقا للمزاج والهوى و"الحزازيات"، هي دولة سقطت بالفعل: كل الحكاية أنها لم تأخذ بالها بعد أنها سقطت.
طيب، ماذا عن الدولة المصرية في عهد مبارك؟ بالطبع يحاول جودة في حواره بلورة التصور الذي يتم ترويجه إعلاميا عن كون مبارك شخصا عظيما وطنيا رائعا، لكن مشكلته كانت فقط في المقربين منه الذين اعتمد عليهم بعد أن كبر سنه، مع أن ذلك التصور وحده يكفي لمحاكمة مبارك بتهمة الخيانة العظمى لأنه قامر بمصير البلاد بدلا من إنقاذها بترك السلطة في الوقت المناسب. وفي حين يسب ويلعن "أبناء مبارك" ثورة يناير لأنها قامت لإسقاط "الدولة المصرية العظيمة"، فنحن طبقا لتصريحات جودة، الذي يعتبره هؤلاء من خبرائهم الإستراتيجيين، نرى هذه الدولة في صورة مزرية، فجودة يتحدث عن عصابة الأربعة المكونة من سوزان مبارك وابنها جمال وزكريا عزمي وصفوت الشريف الذين كانوا مسيطرين تماما على مبارك وكانوا راغبين في تولية جمال الحكم، واصفا سوزان بأنها كانت تكره جهاز المخابرات العامة، لأنه ليس فاسدا ولا يمكن شراؤه. وإذا كان هذا كلام الخبير المخابراتي فأين هي الدولة التي يبكي عليها الباكون؟ ومن هو الذي كان يرغب فعلا في إسقاطها؟ الثائرون الذين حلموا ببنائها على نضيف، أم زعماء العصابة التي أرادت لها البقاء الدائم في العفن؟. 
في حواره ينسب جودة قدرات أسطورية لجهاز المخابرات العامة لا يمكن لأي مواطن مصري إلا أن يتمنى أن تكون حقيقية لكي يشعر بالأمن فضلا عن الفخر، إلا أنه في الوقت نفسه لا يجد أدنى تناقض في أن يكون الجهاز على علم بأن مرسي متهم في 8 قضايا تخابر مثبتة حسب قوله، ومع ذلك يقف متفرجا على مرسي وهو يصل لمقعد الرئاسة. وفي موضع آخر يتحدث عن وجود تقارير منذ عام 2006 تثبت عمالة المنظمات الحقوقية وحركة 6 أبريل التي يقول إنه تدرب معها بوصفه باحثا سياسيا، ومع ذلك يقف الجهاز مكتوف الأيدي منذ ذلك الوقت حتى بعد رحيل مبارك وعصابة الأربعة، وهو ما يجعل أي مواطن ولو كان نصف عاقل يسأل عن فائدة وجود الجهاز بكل هذه الصلاحيات المطلقة إذا كان لا يستطيع منع جاسوس من الوصول إلى الرئاسة، بل ولا يستطيع تقديم عملاء إلى القضاء بأدلة دامغة، خاصة أن القضاء لم ينظر طيلة الفترة الماضية قضايا فيها اتهامات صريحة بالعمالة والتمويل الخارجي، فكل المعتقلين ممن يسبهم جودة وأمثاله تم اعتقالهم على ذمة قضايا تظاهر طبقا لقانون سيئ السمعة، فلماذا إذن يخفي جهاز المخابرات القضايا الموثقة التي يتحدث عنها جودة؟، وإذا لم تكن موجودة أصلا، فلماذا يقف صامتا يتفرج على تصويره بمظهر العاجز الذي لا يملك سوى تفويض الأمر للمولى؟.
في حواره يقول ثروت جودة حكايات مسلية عن وقوف مصر ضد أمريكا واسرائيل، من بينها أن عمر سليمان طرد ديك تشيني من مكتبه لأنه رفض التعهد بأن يكلم مبارك بتهذيب، وهي واقعة يعلم جودة أنه سيجد كثيرين يصدقون أنها لم تتسرب إلى أي وسيلة إعلام أمريكية من التي لا تترك شاردة وواردة إلا وحاسبت مسئولي أمريكا عليها، وربما برر ذلك في حوار قادم أن تشيني لم يرو ما دار بينه وبين سليمان لأحد، لأنه كان ماسك عليه صورا أو وصولات أمانة. وإذا كنت تعتبر كلامي هذا هزلا في موضع الجد، فبماذا تصف قيام رجل مخابرات بمساعدة "أعداء الوطن" على تخويف الشعب بترويج كلام عن وجود خطة إخوانية لتسميم مياه الشرب بالكلور وخلطها بمياه المجاري؟ ولست أدري إن صح هذا الهذيان كيف تستحق أن توصف بالدولة تلك التي لا تستطيع تأمين مصادر مياه شرب مواطنيها؟.
من حق من شاء أن يعتبر كلام ثروت جودة معلومات غير قابلة للتشكيك، ومن حق من شاء أن يعتبره هراء رجل على المعاش، لكن سيظل تكذيب هذا الكلام أو تأكيده أو الصمت عليه مسئولية يتحملها جهاز المخابرات الذي لا يمتلك الشعب المصري للأسف أي سلطة تشريعية منتخبة أو قضائية عادلة أو رقابية حاسمة يمكن أن تسائله عن مدى تأثير هري الخبراء الإستراتيجيين المعتمدين إعلاميا على الأمن القومي للبلاد، وحتى يأتي اليوم الذي يدرك فيه كل مصري أن تقدم بلاده لن يتحقق إلا إذا خضع كل مسئول مهما كان حجمه أو خطورة موقعه للمحاسبة والرقابة، سيظل المرعوبون من إسقاط الدولة غافلين عن أن ما يخافون عليه ليس دولة من أصله، بل هو تشكيل عصابي مسلح يفشل حتى في تأمين الفتات لمن رضوا بسيطرته على مقدراتهم، وأن 25 يناير التي يوسعونها تنكيلا وطعنا، كانت أكبر فرصة جاءت للشعب المصري لكي يبدأ في بناء دولة حقيقية، لكي نخاف بعد ذلك من مخاطر إسقاطها، فكما تعلم: "من أهم شروط إسقاط الدولة أن تكون هناك أصلا دولة".
إرسال تعليق