الأحد، 21 سبتمبر 2014

د. عبد الحميد خليفة يكتب : نحت الروح 2/ آدم الجديد القديم


إن صح ما يقال : أن الطفل يحكي تاريخ البشرية منذ ميلاده حتى وفاته فإن ذلك سيغاير ما نتوقعه عن حال آدم في جنة الخلد وكيف له أن يحكي لنا تاريخ سوف يبدأه هو نفسه ولسنا هنا لنتحدث عن قصة آدم كنبي بل حياته كرجل يعيش في الجنة التي تتوق أرواحنا لدخولها وكيف لم تكن هي هدفه الأصيل منذ البداية , ربما ليرشدنا أن الإنسان قد ينعم بجنة الراحة في نفسه وحاله ولكنه لا يعي قيمة ما في يديه إلا بعد أن يغادره فيشعر شعور آدم بعد نزوله الأرض.
ولنا أن نتسأل إذا كان آدم قد وعى منذ اللحظة الأولى لخلقه المهمة التي خلق من أجلها وظن أنه سيعيش في الجنة وأن لا أرض تخطر له على بال وأن هناك شر متمثل في ذلك الحاسد الذي يؤذيه منذ أن كان طيناً ملقى بلا روح ولا حياة وأن القصة كلها في أن ينفذ ما خلق له وقد رأى بعينه أن الملائكة تسبح في عوالم من الصفاء والرقي وتهيم حباً في الله ولا يشغلهم شاغل عن ذلك.
فما سر هذه الحيرة والوحشة التي كانت تطارده وهو يتنقل في الجنان؟ ألم تكن تسليه الملائكة فيها وتحدثه؟
 بل أعتقد أنها ربما كانت تتودد إليه ابتغاء مرضاة الله في حديثهم معه ، ولنا أن نفهم أن هذا الكائن الجديد إنما خلق من مكونات متضادة متحدة معاً في وقت واحد، ذلك أن الجسد الطيني يحن لأصله وأن العقل الرباني يحن للكمال وأن الروح التي هي جزء من أمر الله العليا حبست داخل قفص الجسد وحتى لا يشتد بها القلق خلق الله لها ذلك القلب لتفرغ فيه ما ينتابها من حنين وحزن وفرح لا يتحمله العقل ولا يقوى البدن على مغالبته ومن هنا بدأ الإنسان الآدم في التفاعل مع ما حوله.
فالروح تسعد بالقرب من أصلها وذاتها الأولى في جنان الخلد والعقل بمنتهى المنطقية يرضى بهذا المقام ويسعد إلا أن الجسد بما ركب فيه من حنينية و شوق إلى الأصل الأول الحنين للأرض الأولى أو قل الأم التي نبت منها هذا الآدم ، وإن صح القياس مع الفارق فالكائن الجديد الذي لم يعش طفولة ولا صبا ولا مراهقة حتى فكرية –وحاشانا إن نريد أن ننتقص من قدر نبي الله – رفق الله به في هذا البيت الذهبي الجديد -جنة الخلد -فقد رآه في حيرة وقلق وحزن رغم أنه يملك من المقومات ما تفوق الملائكة.
 فقد ازداد به الوجد والحزن يوماً بعد يوم وهو نفسه لا يدري سبباً لهذا الحزن وما السبيل للخروج منه حتى أنه لم يفكر في أن يشكو لله ما يعانيه وظني أنه نفسه لم يكن يرى ذلك شراً مستطيراً ألم به، فكانت رحمة الله به أن أخرجها من بين الجلد واللحم ومن نفس الروح من حالة الحزن والحيرة الأولى من بين شجن وفرح من قيد وحرية من وجد وعقل من إيمان ويقين من رضا وشرود من متضادات شتى أخرجت حواء بقدرة الله ، ولعلها لم تخلق معه حتى يكون ولاؤها الأول والأخير لهذا النبع الأول.
 وحالة آدم التي أطلنا التدقيق في تحليلها إنما أردت أن أنبه إلى خطورتها لأنها الصورة التي انطبعت بحكم الوراثة والجينات في كل آدم وحواء ، لأن ميلاد حواء في حياته حدث تاريخي ونقطة فارقة في تاريخ البشرية جميعاً ، وإذا كان آدم قد دهش من وجودها بجواره فلنا أن نتسأل وبشدة كيف كانت مشاعرها هي ونظرتها إليه ؟؟ وقبل أن نبحث عن حواء.
 دعونا كيف استقبلها ، لقد بدا عليه الدهشة وسألها من أنت ؟
 أجابت : حواء "أي التي خلقت من كائن حي"،
قال : لم خلقت ؟
 أجابت بكل ثقة وقد وعت مراده من السؤال : من أجلك خلقني الله ، فابتسم لها وقد تأكد من كلمتها أنها تعي جيداً الدور الذي ستقوم به في تاريخ آدم ولأنها تحمل نفس جينات المعادلة التي تجمعهما لم يكن من العسير عليهما أن يتفاهما معاً جيد.
 ودعونا نقل أن حياتهما الأولى في الجنة كانت أقرب ما تكون لفترة من الخطبة الممهدة لعلاقة أبدية والتي بدورها أفرزت بلا شك طوفان من المشاعر النبيلة بينهما فغمرهما حب طاهر لم تغلفه مشاعر الرغبة بل كان كل ما حولهما يشجع هذا الحب ويغذيه في قلبيهما ولكنه حب بلا هدف وكأن آدم منذ أن وجدت حواء بجواره وبدأ ذلك العقل يعتادها وتلك النفس تألفها وذلك القلب يحن إليها ويزداد تعلقا بها يوما بعد يوم ، ولنقل إنها نقلة نوعية في التاريخ 
a.elhamed29@yahoo.com
إرسال تعليق