الاثنين، 7 يوليو، 2014

د.عبد الحميد خليفة يكتب : نحت الـروح

عندما قال توم روبنز: نحن نضيع وقتنا في البحث عن الحبيب المثالي بدلاً من خلق الحب المثالي ، 
عبارة توقفت معها كثيراً  فهل القضية أن يتلاقى نصفان يتكاملان ويتفقان في كثير مما يفكران ؟ وهل بهذه المصادفة تتحقق لهما السعادة التي يحلمان بها ؟؟ ,إنك إن تلتقي قدرا بمن يكملك ويتمم فيك ما تتمنى أن يكمله أمر بالغ التعقيد فلكل من الجسد والروح والهوى والظروف في ظل مجتمع أغرق في المادية بشكل خانق أمر من دروب المحال، لكنني لا أنكر دور القدر وحاشانا أن ننكر قدرة الله في أن يجنبك عثرات طريق طويل وشاق ، ولكن ما عهدناه أننا جميعا بهذا الفكر المادي الحياتي اليوم نحاول أن نتوصل لأقرب صورة نحلم بها أن تتشابه مع ما نحلم به ،أم نعمد لنصيحة روبنز بخلق الحب المثالي كما وصفه؟ ولكن ما تعريف المثالية التي قصدها ؟ وهل تتفاوت نظرتنا المثالية من شخص لآخر ؟ وما حدود التطابق بين المثالية وظروف الحياة التي نعيشها؟ أقصد ما المساحة المشتركة التي يجب أن تتوافر بين الحلم كونه حلم
يبهج أرواحنا أن نحياه وبين الواقع المغاير له ؟ تلك المساحة المشتركة التي غابت كثير من معالمها عن عقولنا ونحن نبحر في رحلة البحث عمن نحب ، والحق أن كل هذا التردد الفكري والشعوري الذي نعانيه في هذه الرحلة ومحاولاتنا أن نضع نظريات لتكون مرشدنا ومرجعيتنا في هذا التيه النفسي الغريب ما هي إلا من حيل الدفاع النفسي التي نلجأ إليها جميعاً لتقبل هذه الفجوة الرهيبة بين النظرية المثالية التي تخلقها نفوسنا وبين الواقع المغاير لها , وهذا التيه مرجعه للصراع الرهيب بين العقل والقلب والذي دائما وأبداً  تدفع أرواحنا فيه الثمن غالياً من هناءتها في محاولتها التوفيق بينهما ، فالعقل إن أمعن النظر في القضية فهو قاضٍ لا يعترف إلا بالمنطق والصواب والخطأ فيحكم على الروح منذ البداية بالشقاء ذلك أنه إن تحكم وقضى فهو لا محالة جالدُ  للروح كلما حدثته عن حاجتها لهذا الحب فيلوح لها بسيف العدل وما أشقاه من عدل لا ينصف أرواحنا ، فيلجئها إلى أن ترتمي خائفة في دفء القلب الذي ما يلبث أن يعتصرها اعتصاراً ويخبرها أن شريعته في الهوى هي أن تعيش بين العقل والجنون ، ولأنها حُبلى بالأمل ترضخ وادعة لعله يطبطب على جراحها لكنه ويال الأسى أشد جنوناً من سلطان العقل فلا معقول ولا مقبول في سلطانه سوى ما يفرضه هو ، ولأنه لا يقوى على منازلة العقل ورد حججه فلا مفر من تحمل الروح وحدها كلفة هذا الصراع , وحينها فقط يصدق فيها قول القائل  : فلم تفز بلذة الغافلين ولم تنعم بقرب العارفين ، وبين صارم في حكمة ومتهور في هواه تتشكل أرواحنا ،ولعل هذا الصراع أجمل ما يميزنا نحن البشر ففي معظم المواقف ، عِندما تتصرف بناءً على عقلك ستشعر انك "قاسي القلب" ، وعِندما تتبع قلبك ستشعر بأنك "أحمق".!!!وليتهم يعلمون أن نقاء القلب ليس حمقاً إنما فطرة يميز الله بها من أحب، وصدق الإمام عليٌّ حين قال : العشق مرض ليس فيه أجر ولا عوض، وهو المعنى الذي صاغته أحلام مستغانمي حين قالت : أملك قلباً لا يؤذي أحداً ولكنه يؤذيني   
ولكن المساحة الضيقة للتجربة التي نحياها والتعثر والوقوف مراراً ربما هو ما أراده الله لأرواحنا لتكتسب تلك الصلابة التي ستكون مرجعها الحقيقي في طريق طويل في قيد اختياري لولا لطف الله بنا فيه ما استقام لأحد دربه ويغلف هذا القيد ذلك الطوفان الجارف من الحب الذي ربما هدأت حدته مع الأيام فيأتي دور العقل ليقوم ما اعوج من عواطف هادئة وأصدق معنى لهذا الوصف الشائك ما قاله الله تعالى "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة " فالله وصف هذه المعادلة الغريبة بالآية وليذكرنا بقيمتها ووصانا بكل حواء بقوله من أنفسكم منك أنت وليس من غيرك ثم حدد المهام بينكما فالزوجة الحبيبة سكن وواحة فواحة ثم ينتج عن ذلك السكن مودة بينهما فإن لم توجد فليرحم بعضهم ضعف بعض .
a.elhamed29@yahoo.com
إرسال تعليق