السبت، 29 مارس، 2014

سليم عزوز يكتب : التلفزيون المصري في خدمة ‘الفريق متقاعد

في ليلة من ذات الليالي، على رأي خالد الذكر العندليب عبد الحليم حافظ، نقل التلفزيون المصري، بعد أن انضمت إليه الفضائيات الخاصة والعامة، خطاب الفريق أول متقاعد عبد الفتاح السيسي، وهو يزف للبشرية خبر استقالته من منصبه كوزير للدفاع، وترشحه نزولاً عند رغبة الجماهير، التي خرجت تضرب بالدف في ميدان التحرير يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي، وعلى طريقة دعاني لبيته، وشاهدنا حفلة رقص شعبي على مسرح الهواة، وكان المستوى رديئاً، على نحو جعلني أضع يدي على قلبي خوفاً وأنا أرى راقصات كأعجاز نخل خاوية تتمايل، على نحو كاشف عن أن فن الرقص الشعبي في أزمة!
وقد وقفنا على الأزمة في الاستفتاء على الدستور، عندما تحول هذا اليوم إلى حفلات راقصة في الشوارع، لتعويض الحضور الجماهيري، وكانت هذه هي المرة الأولى التي يُستقبل فيها استحقاق انتخابي بزفة بلدي، وبشكل كان محرضاً لي على الظن، بأن دستورهم سيجري ختانه، وعلى أيامنا، كان ‘طهور الأنجال’ تنصب له الأفراح والليالي الملاح، ويتم خلالها تقديم ‘النقوط’، وهذا بالنسبة للأولاد الذكور، ولم يكن يحدث بالنسبة للإناث!
لا بأس، فالدستور ذكر، وان كان يوم ‘طهوره’ كشف عن انهيار فن الرقص الشعبي، وقديماً ومنذ بدء الخليقة كان يقال إنه لا توجد امرأة لا تجيد الرقص، لكن الآن حدث الانهيار في مرحلة حصلت فيها فيفي عبده على لقب الأم المثالية. ومن هنا وجب علينا أن نطلب من مؤيدات السيسي، والرقص عندهن صار منهج حياة، أن يمتنعن عن أكل ‘المحشي’ ليتمكن من أداء المهام المنوطة بهن في ‘مصر السيسي’، حتى اذا طلب التأييد من شعبه لم يجد هذا الشعب ما يعوقه عن مهمة التأييد رقصاً.. ومن المعلوم أنه في العهود السابقة للسيسي كان التأييد يكون برفع اليد، أو وقوفاً، أما في العهد التليد فالتأييد صار بهز الوسط!
ليس في إعلان المتقاعد عبد الفتاح السيسي ترشحه للانتخابات الرئاسية، ما يستدعي استدعاء العندليب عبد الحليم حافظ، لكن خلفية الشاشة هي السبب، فلم تتوقف العاطفة في هذه الليلة التي هي من ذات الليالي على الخطاب ‘المتنحنح’، فقد كانت الخلفية ‘أخضر زرعي’، وتوحي بأننا في زمن العاطفة الجياشة، وأن الخطاب جرت تلاوته من ‘كازينو الشجرة’ التاريخي، عندما يجلس العشاق على أنغام ‘هات إيديك تسرح في دنيتهم عنيا’. الخلفية بدت معدة سلفاً، عندما ظهر ‘ النحنوح الأكبر’ ليعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية، وبدلاً من أن يكون الملقى علينا هو خطاب مكتوب، أراده السيسي ‘دردشة’ لكي يتمكن من خلاله من أن يخاطب عاطفتنا الجياشة. ومن القلب للقلب رسول، كما يقول أهل العشق. والإلقاء الارتجالي يوقعه كثيراً في الأخطاء، وان كان يعفيه من مهمة الكلام الجاد، وهو ليس لديه كلام جاد يقوله للناس.
في خطاب سابق قال إن أي عمل لا يرضي الله نحن لا ندعمه ونسانده. بعامية ركيكة، وفي خطابه من كازينو الشجرة وصف هذه المرحلة بأنها ‘السنوات الأخيرة من عمر الوطن’.. وكأن الوطن سيرقد على رجاء القيامة!
فضيحة تلاوة خطاب التنحي
تلاوة خطاب التنحي والترشح عبر التلفزيون المصري مثل فضيحة دولية، لأنه كشف عن أن الانقلاب العسكري يستكمل أركانه بترشح قائد الانقلاب، وبأن تلفزيون الدولة يتبناه كما يتبناه المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وقد طلب تفويضه سابقاً وحصل على التفويض وها هو يستكمل الشكل!
القائمون على أمر التلفزيون المصري ربما تنبهوا لخطورة الموقف، وفي اللحظة الأولى لإعلان بيانه، كتبت على صفحتي على ‘الفيس بوك’ بأي صفة يتحدث الآن عبد الفتاح السيسي عبر التلفزيون المصري وقد استقال؟ وقيل إن التلفزيون قد عرض بعد ذلك فيلماً تسجيلياً عن ‘الزعيم حمدين صباحي’، بحسب وصف أحد المعلقين، الذين ينحازون للانقلاب، عبر شاشة قناة ‘الجزيرة’.
والرد: ومن قال لكم إن هذا العرض للتاريخ النضالي للزعيم صباحي يعفي من السؤال عن الصفة التي بمقتضاها ظهر السيسي بخلفية اختارها ليتحدث للرأي العام ويعرض بيانه الذي اشتمل على إعلان الاستقالة والترشح، ومخاطبة جمهور المرشحين. وهو خبر كان من المفترض أن يذاع في نشرة الأخبار، أو أن يوضع على الشاشة بطريقة: ‘عاجل’؟!
الأصل أن باب الترشح لم يفتح، وبالتالي فلا يوجد رسمياً مرشحون، وادعاء الموضوعية ببث فيلم تسجيلي لحمدين صباحي، فإن هذا لا بد من أن يحرض على سؤال آخر؟ ولماذا حمدين صباحي والسيسي فقط؟ وهما مجرد مرشحين محتملين.. لا سيما وأن هناك من يقول إن صباحي يقوم بدور ‘السنيد’ للسيسي وليوحي للعالم أن مصر فيها انتخابات. أي أن المسألة في بيتها، والتلفزيون المصري هنا يقوم أيضاً بالترويج لقائد الانقلاب، الذي يريد أن يوحي للعالم أن هناك انتخابات بدليل أن ‘الزعيم الضرورة’ حمدين يخوضها ضده، وقد ذهب أنصاره التاريخيون، ومن عبد الحليم قنديل إلى عبد الله السناوي ليكونوا في حملة السيسي. يبدو أنه اقترضهم منه، كما اقترض منه من قبل من شكلوا حركة تمرد، وهم من التيار الشعبي المؤازر لحمدين!
على شاشة احدى الفضائيات، كُتبت هذه العبارة: ‘السيسي يعلن ترشحه بعد نفيه تماماً رغبته في السلطة’، ووجدتني أقول: ‘لا ضير فالسلطة هي الراغبة فيه’.
من قبل قال السيسي: ‘ لن أترشح للرئاسة.. لن أسمح للتاريخ أن يكتب أن جيش مصر تحرك من أجل مصالح شخصية’. وقد ربط بين ترشحه وإثبات تحرك الجيش من اجل مصالح شخصية.. قال ولم نقل!
الأجواء العاطفية
في ظل الأجواء المفعمة بالعاطفية، وحيث الخلفية الخضراء، بلون أشجار الموز، لفتت انتباهي عبارة، يبدو أنها لم تلفت انتباه المعلقين التلفزيونيين في هذه الليلة قالها عبد الفتاح السيسي، وهي أن القوى السياسية والقوات المسلحة هما من أزاحا النظامين السابقين.
العبارة صحيحة في حالة نظام الرئيس محمد مرسي، لأن القوى السياسية الفاشلة، والعاجزة عن تحقيق أي انتصار عبر صناديق الانتخاب، مثلت غطاء سياسياً لانقلاب عسكري، وهي التي شكلت ما سمي بجبهة الإنقاذ.
يرتجل عبد الفتاح السيسي فيقع في شر أعماله، فما قاله يثبت أن القوات المسلحة لم تتحرك بناء على ثورة الشعب ضد مرسي، لكنها تحالفت مع القوى السياسية منذ البداية لإسقاط الرئيس المنتخب.
في حالة ثورة كانون الثاني/يناير المجيدة، لم يكن هناك دور للقوى السياسية والجيش في الموضوع، وشهادة المشير محمد حسين طنطاوي في محاكمة مبارك، وشهادته مؤخراً المنشورة في إحدى الصحف تؤكد أنه لا دور للقوات المسلحة في الإطاحة بالرئيس المخلوع.
عقب الثورة، كانت هناك زفة منصوبة، تقول إن الجيش هو الذي حمى الثورة، وأن تعليمات صدرت من الرئيس المخلوع للجيش بأن يطلق الرصاص على الثوار، وإن المشير محمد حسين طنطاوي رفض. وفي شهادته التي أحاطتها المحكمة بالسرية، قال طنطاوي إنه ليس صحيحاً أن مبارك اصدر له هذه التعليمات، ولا يعلم أنه أصدرها لأحد ويؤكد أنه لا يمكن أن يصدرها.
وقال طنطاوي مؤخراً أنه هو أو غيره لم يطلبوا من مبارك التنحي، ولن أكتب ما كتبته كثيرا من قبل عن مشاهد مما جرى ليلة 28 كانون الثاني/يناير 2011 ، أو عن فتح مداخل ميدان التحرير لشبيحة مبارك يوم موقعة الجمل، أو المفاوضات التي أجراها السيسي بنفسه مع الدكتور محمد البلتاجي لإخلاء ميدان التحرير من الثوار لان رجال الحزب الوطني قرروا أن يأتوا للميدان لنصرة مبارك، وهذا حقهم لان الميدان ملك الجميع.
وكان هذا في يوم موقعة الجمل، وجاءت بعد ذلك الخيل والبغال والحمير والشبيحة.. ونعم الأنصار.
شهادة البلتاجي ذكرها في برنامج تلفزيوني لم ينتبه إليها أحد في حينها، لأن هذا كان والهتاف الشهير ‘الجيش والشعب إيد واحدة’ يشق عنان السماء، وقبل أن تذهب السكرة وتحل الفكرة وتخرج الجماهير للميادين تهتف: ‘يسقط .. يسقط حكم العسكر’.
والمدهش أن السيسي القائد الضرورة لثورة كانون الثاني/ يناير لم يهتم بنفي ما قاله البلتاجي، رغم أن فضائيات كثيرة تناقلتها الآن، فعلمه متصل إذن بما قيل.
الليلة الليلاء
لا أعرف مفهوم القوى السياسية لدى عبد الفتاح السيسي، لأن القوى السياسية الحزبية لم تشارك في ثورة يناير. وسامح عاشور رئيس الحزب الناصري قال إن حزبه لن يشارك في مظاهرات لا يعرف هوية الداعين إليها. وعندما أصر شباب الوفد على المشاركة كان قول رئيس الحزب من يريد أن يشارك فليشارك على مسؤوليته الشخصية. وقرأت تصريحاً منشوراً لزعيمة تاريخية لحركة السادس من نيسان/أبريل جاء فيه إنها لن تشارك. وبعد تنحي مبارك شاهدتها على احدى المنصات تخطب!
ما علينا، فقد كشفت الليلة الليلاء، أن هناك شيئاً ما في أعلى الرأس قد توقف، عندما يصر عبد الفتاح السيسي على الظهور بالزي العسكري ليعلن ترشحه، وهو أمر كاشف عن أنه لا يعيش بين ظهرانينا.
معارك كلامية نشبت بين أنصار السيسي وخصومه.. هم يقولون إنه سيخلع ‘البدلة الميري’ ويعلن ترشحه، وهم يؤكدون على أنه سيعلن ترشحه بها؟ ولو كان لا يفهم مدلول ذلك لسأل لعله يفهم.. لكن لم يسأل وربما سأل فتم تضليله، وربما ربك لم يشأ لهم الستر.. والانقلابيون كلما أقدموا على شيء فضحوا فضيحة ‘المتظاهر يوم خروجه على المعاش’.
لقد سأل أعرابي من قبل عن ‘فضيحة المتظاهر يوم خروجه على المعاش’ ولهذا نقول إن الختان، (في يوم الختان التاريخي هذا الذي بدأنا هذه الزاوية به وأنهيناها به) يتم للصغار، فانظر حفظك الله ورعاك كيف يكون حال إنسان إذا تم له ذلك بعد أن وصل إلى سن التقاعد.. أليس في هذا فضيحة تخجل المختون؟!
بالقانون العسكري، فإن ظهور السيسي بالزي العسكري يقع تحت طائلة القانون، لا سيما وأنه ظهر به بعد أن تقاعد وقدم استقالته، لكن القانون في إجازة، والسيسي صار هو أبو القوانين، فيقدم استقالته للرئيس المنتدب، في حين أن تقديمها يكون لرئيس الوزراء، ويستولي على تلفزيون الدولة على نحو كاشف عن أنه صاحب جمهورية مصر العربية، وليس فقط مرشحاً لرئاستها.
لا ضير، فهذه كلها شكليات، ففي الواقع قد استمتعنا بخلفية التلفزيون المصري الخضراء، والتي ذكرتنا بمرحلة ‘كازينو الشجرة’.. ألا ليت الشباب يعود يوماً، وان كان الشباب عندي ليس مرتبطاً بالكازينو الشهير الذي هو ملتقى العشاق، فهذا لون خاص بالطرق الصوفية.. وقلت لكم سابقاً: إنني كنت مشروع شيخ طريقة.. وفشل المشروع.
لا أعرف لمن أتوجه بالشكر فهل الخلفية من اختيار السيسي فأشكره، أم من اختيار درية شرف الدين وزيرة الإعلام فأتوجه له بخالص الشكر والعرفان؟!
أرض جو
في الليلة الليلاء، سالفة الذكر، كان حديث أنصار السيسي عن ‘المواطن عبد الفتاح السيسي’ الذي يخوض الانتخابات.. فهل ‘المواطن’ يظهر بالبدلة الميري.. وهل ‘المواطن’ يخصص له تلفزيون الدولة هذه المساحة ليخاطب الجماهير ويتصرف فيه تصر المالك في ما يملك.
في الواقع فكرة ‘الموطن’ ذكرتني بالحق الطبيعي لـ ‘المواطن’ جمال مبارك في الترشح.. باعتبار أن حق الترشح يساوي الحق في الأكل والشرب.. وفي النوم، وفي قضاء الحاجة في الخلاء.
*صحافي من مصر
إرسال تعليق