السبت، 22 فبراير 2014

المناضل اليساري كارم يحيي يكتب : رأيت الفاشية بعيني

(9) سيل أسوان

عصر يوم السبت 5إبريل 2014 طالعت ـ وأنا مروع ـ الصورة القادمة من منطقة " السيل الريفي" بأسوان لعربة الكارو التي ضاقت بجثث قتلي الصراع الدموي بين " النوبيين " و " الهلايلة ". وقد تناثرت جثث ضحايا في عمر الصبا والشباب الى جوارها. 
كان المشهد صادما الى حد أنني أخذت مفزوعا مستفهما في الاتصال باصدقاء من أهل النوبة والصعيد .ولقد لفت نظري بداية ما أشيع عن أن الصراع الدموي اندلع على خلفية خلاف سياسي بين مناصري " السيسي " و" مرسي". وقيل ان هناك من الهلالية من كتب عبارات تهاجم " المشير" فأستفز المحتمسين له من أهل النوبة . خصوصا وأن المرشح المشيري كان قد التقي قبلها بايام معدودة بقيادات نوبية . لكنني فيما بعد استمعت الى روايات اخرى ـ وعلى عكس المنطق السابق السائد في وسائل الإعلام ـ تذهب الى ان "الهلالية " ينتشر بينهم بالأصل بلطجية الحزب الوطني من مناهضي الإخوان والإسلاميين ومؤيدي كل سلطة . نهاية بسلطة " السيسي". ولقد انتهيت الى نتيجة مفادها أن الصراع لم يبدأ ( سيسي ـ مرسي). لكن الأرجح ان أطرافا هنا وهناك سعت الى تسيسه على هذا النحو عبر وضع الخصم في مواجهة دولة "السيسي" والى جانب الاخوان وحلفائهم .وكي تستجلب للخصم عداء سلطات الدولة بكاملها و سخط إعلامها من فضائيات وصحف .
وعلى هامش هذه المكائد الرخيصة . سارع المتحدث العسكري العقيد " أحمد علي" باتهام الإخوان بالمسئولية عن اشعال نيران الفتنة بين النوبيين والهلاليين . لكن بعد ساعات قدم بيان لوزارة الداخلية رواية تنسف هذا الاتهام . وتفيد هذه الرواية ان الاحداث بدأت بحادثة معاكسة فتاة وكتابة شعارات قبيلة مسيئة على سور مدرسة .لكن تورط المؤسسة العسكرية في السياسة الى هذا الحد وفي كيل الاتهامات على خلفيات سياسية لم يجد من يتوقف عنده .
أدركت في مساء يوم هذا السبت بأن غالبية ضحايا الصراع الدموي وقعوا بين الهلاليين و أن التصور الذهني عن وداعة أهل النوبة رغم ماتعرضوا له من ظلم ومحن وتهجير منذ عهد عبد الناصر يستحق الآن المراجعة . ومعه هذا التصور عن طيبة أهل أسوان ووداعة المنطقة . وزاد من صدمتي تصريح نشرته صحيفة " المصري اليوم " يوم الإثنين 7 إبريل 2014 للأديب النوبي "حجاج أدول " .تحدث فيه عن هجوم "الغير" على بيوت النوبيين وسرقتها علنا .وتبريره للمذبحة التي اارتكبها نوبيون مع الاغارة على بيوت الهلاليين :" أضطر الشباب للرد على الشراسة بالشراسة ". وأضاف :" القضية ليست قضية معركة . بل قضية شعب يتعرض لمؤامرة التذويب . ويتعرض للاهانة طوال قرن ". ولم تكن صدمتي في مثل هذه التصريحات العنصرية التي ح التى تقارب تعبيرات الصهيونية في الحديث عن " الأغيار" لأن "أدول" أديب . بل والأهم لأن صاحب هذه التصريحات الصادمة عضو لجنة الخمسين التي وضعت دستور 2014 والمفترض انه أفضل دستور في رعاية حقوق أهل النوبة .
غياب التنمية وضعف الأمن الذي تسبب في انتشار الجهل والقبلية و السلاح في أسوان وكافة مناطق وجهات الحدود المصرية هو الأمر الأكثر إيلاما .وقد ظل يشغلني ومازال وأنا أتابع قلقا سيل الدم القادم من أسوان . لكن لا الحل الأمني وحده هو طوق النجاة . تماما مثل محاولات التسيسس عبر المكائد الرخيصة والتحريض المبتذل ضد الإخوان والإسلامييين. ولا حل في مغازلة النوازع القبلية والعصبيات . 
لكنني عندما كنت اقلب صفحات صحف القاهرة في هذا الاسبوع الحزين لفت نظري خبر أعتنى به القائمون على شئون الأخبار . هو تأييد مؤتمر القبائل العربية المنعقد في مطروح على حدود مصر الغربية هذه المرة لترشيح المشير السيسي للرئاسة . وفقط تذكرت ان السيسي وبعد كل هذه الأيام لم يذهب جنوبا حيث سيل الدم في أسوان . وكذلك لم يفعل منافسه الأهم المرشح الرئاسي "حمدين صباحي ".
وبصرف النظر عن الذهاب الى الجنوب .ظل يلح على الذهن هذا السؤال : أليست هناك صلة بين كل هذا العنف والقسوة في أسوان الطيبة الوادعة وبين كل مايشاهده المصريون من دماء منذ 3 يوليو 2013؟. وهل مولد فاشية جديدة مبتذلة رثة " وهفق" وشيج القربى بتغذية كل هذه النزاعات الطائفية العنصرية في انحاء البلد ؟.
صباح السبت 12 إبريل 2014

8
لو فاز السيسي

التفكير فى المستقبل ليس رفاهية . وعلى الأقل لدينا علم معتبر يطلق عليه «المستقبليات» ويستهدف فى حالة المجتمعات وضع سيناريوهات لتطور الظواهر لعقود مقبلة ولا يخلو الأمر من وضع أكثر من سيناريو وعلى فترات زمنية طويلة ومتوسطة وقصيرة .
ولسنا فى وارد وضع هذه السيناريوهات المتعددة فى هذه العجالة الزمنية ومحدودية المساحة. فهذه الأمور تقوم عليها فرق بحثية تأخذ وقتها من العمل لشهور وربما لسنوات. ومع ذلك، فان التفكير فى المستقبل بشأن مصر مع مرشح رئاسى كالسيد“عبد الفتاح السيسي” يبدو أكثر جدوى من استطلاعات رأى مشكوك فى مصداقيتها نظرا لتحيزات من يقومون بها وانتماءاتهم وولاءاتهم الحالية والسابقة . كما لا يعنى اختيار مرشح بعينة للتفكير فى مستقبل البلاد فى حال فوزه أن هذا الفوز محسوم . فنتائج الانتخابات ـ أى انتخابات لو توافرت لها السلامة والنزاهة وحيدة أجهزةالدولة ـ لا يحسمها كثرة منافقى السلطة حول هذا المرشح وتصدرهم وسائل الإعلام .
ولعل الاعتبار الأول المتعلق بهذا التفكير فى المستقبل هو هذا التعويل المبالغ فيه على دور الحاكم الفرد ممثلا فى منصب “الرئيس” . ولقد كان من المفترض مع شعبثار على حاكمين وطغيانهما وخلعهما ان يلحق بعصر المؤسسية والنظم الجمهورية البرلمانية . لكن ما زلنا نراوح المكان ذاته . ولايملك “السيسي” ولاغيره عصا سحرية لحل مشكلات غياب العدالة الإجتماعية وسيطرة الإقتصاد الريعى على حساب الانتاج و تدهور الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وإسكان . وفى ظل حساسية عامل الوقت ونفاد صبر الجماهير بعد عقود طويلة من الركود والاستقرار على الظلم والفساد ، سرعان ما سيزداد السخط على المرشح الفائز . وسيكون السخط أشد تجاه هذا المرشح الذى جرى تقديمه للرأى العام بوصفه “ البطل المنقذ”. وسيكون السخط عاجلا وحادا إذا ماوضعنا فى الحسبان ما بينه الدكتور “نادر فرجاني” فى مقاله المهم بجريدة الأهرام “المشير وتوجهات الثورة “ من خلال تحليل خطاب “ السيسى “ وعن غياب العدالة الإجتماعية و إعادة انتاج نظام مبارك فى الإقتصاد .
وبالضرورة يقودنا الاعتبار الأول الى الاعتبار الثانى المتعلق بسطوة هاجس الأمن والتأمين لحياة “السيسي” ونظامه . ففى ظل غياب الحلول للمشكلات لا مفر من الإعتماد أكثر فأكثر على الأمن . ويصبح هاجس الرئيس والنظام هو الأمن والتأمين ولشخصه أيضا . هذا بصرف النظر عن فرص النجاح فى إشاعة الأمن بالمجتمع . فقد علمت التجارب المصريين انه كلما ساد هوس الاهتمام بالأمن السياسى وبأمن الحاكم ورجاله انخفض منسوب الاهتمام بأمن المجتمع والمواطنين . وفى حالة المرشح “ السيسى “ تحديدا يضاف الى ماسبق كون الرجل طرفا أصيلا فى استقطاب سياسى حاد . وهو على هذا النحو أقل المرشحين فرصا فى الوصول الى مصالحة وطنية تخرج البلاد من هذه الدائرة الشريرة . وتفتح الباب أمام سلم أهلى يدفع بأجندة وهاجس الأمن الى الخلف، حيث موضعها الطبيعى فى المجتمعات الساعية الى التنمية والديموقراطية .
والإعتبار الثالث يتعلق بدور العسكريين فى السياسة . والأمر هنا يتجاوز ما قد يذهب اليه البعض عن ترسيخ الانطباع بأن ما جرى فى 3 يوليو انقلاب قاده وزير دفاع على رئيسه ليحل محله فى السلطة . فالترشح لمنصب سياسى ومنصب سياسى رفيع بمقام رئيس الجمهورية ـ دون فاصل زمنى معتبر مع إرتداء البدلة العسكرية بل وتقلد أعلى المناصب فى الجيش يكسر الحاجز بين عالمى العسكرية والسياسة على نحو قد يفتح صندوق شرور يغرى المزيد من الضباط بالانخراط فى السياسة . بل وربما فى معارضة النظام الحاكم. وهو أمر لا يمكن حصار عواقبه فى المستقبل . ناهيك عما يعنيه الاستمرار فى كسر الحاجز بين عالمى العسكرية والسياسة من طعن وإهدار لمدنية الدولة فى القرن الحادى والعشرين.
ويتصل الاعتبار الرابع بالتحسب لسداد “السيسي” لفواتير جميل رجال مبارك وحزبه الوطنى الذين يساندونه فى حملته الرئاسية . وقراءة المشهد الانتخابى الراهن تفيد بأنها نفس الوجوه ونفس الأساليب . وهو ما قد يفتح الباب فى حال فوز السيسى أمام مطالبات “ رد جميل “ ، بما فى ذلك رجال رأسمالية المحاسيب الذين ينفقون ببذخ على أعمال الدعاية ورجال الولاءات التقليدية ورجال بيروقراطية الدولة من محترفى الانتخابات والاستفتاءات غير الديمقراطية على مدى عقود . ورد الجميل هنا يعنى حتما المزيد من الإضرار بحقوق العمال والفلاحين والطبقات الوسطى المهدرة أصلا.وقد يعنى أيضا المزيد من المحسوبية .
وآخيرا وليس آخرا، فإن فوز مرشح لم يمارس السياسة ولم يخض أى انتخابات فى حياته من قبل ولم يدخل فى جدل عام مفتوح يتحمل فيه النقد ربما تعنى “ جفاف السياسة “ فى مصر . ولأن الفوز هنا هو جزء من المشكلة وليس حلا لها.
وعلى اية حال ، فقد يكون فيما سبق السيناريو الأسوأ فى احتمالات فوز السيسي. أو قد لا يكون الأكثر سوءا .وسواء اختلفت أو إتفقت مع بعض أو كل ما جاء من اعتبارات سابقة فإن التفكير فى المستقبل فضيلة و فريضة . يتعين ألا نتركها.
(7) 

تنصيب الأخ الكبير

لا حظت انتشار رواية "1984" لـ "جورج أورويل " بين يدي الشباب. في الأسابيع الأخيرة شاهدت أكثر من نسخة لطبعة عربية مصورة يتصدر غلافها شارب "ستالين" وخلفه وجهه الريفي الغشوم.. أو الطيب.. لاأدري . صباح يوم إعلان السيسي ترشحه للرئاسة وهو يلبس ذي المشير العسكري وعلى صدره كلمة " الجيش المصري " مررت بالصدفة الى جوار سور الجامعة الأمريكية عند مدخل شارع "محمد محمود" . لفت نظري سيارة شرطة كحلية اللون مرابطة متيقظة عند بداية السور من ناحية ميدان التحرير، فيما سدت الأسلاك الشائكة الطريق بين الحاجز الحديدي والحائط الجرافيتي الشهير .
وعلى أية حال ، فقد استهزأ الفنانون بكل هذه الاحتياطات الأمنية . وأضافوا على نحو عبقري رسما لشامبانزي يرفع صورة ضابط . وقد حاكت طريقة طباعة الصورة باللون الأسود الفاحم تماما "ستالين " على غلاف رواية " 1984". وعندما بلغت شارع "الشيخ ريحان" من مدخل القصر العيني شدني الى الحائط الحجري الذي يغلق الشارع عبارة مكتوبة بخط عفوي :" عندما يكون الظلم قانونا يصبح التمرد واجبا". 
في ليل الأربعاء 27 مارس 2014 توالت اخبار إجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة على شاشة التليفزيون . ثم ظهر المشير " السيسي" على شاشات التلفزيون في زيه العسكري متزينا برتبه الجديدة وبنياشينه .و قال وخلفه علم مصر :" أنا بكل تواضع أتقدم لكم معلنا اعتزامي الترشح لرئاسة جمهورية مصر العربية ". وأضاف:" إنني امتثل لنداء جماهير واسعة من الشعب المصري طلبت مني التقدم لنيل هذا الشرف". و تكرر في بيان " السيسي " كلمة :" الأمن " .. "الأمن". 
وكان وجه صاحب البيان واضحا على الشاشات . أوضح من العلم الذي أطل ساكنا منكسرا من خلف كتفه الأيمن . وعلى نحو كشف عن "زبيبة" تتوسط هامة المشير المرشح . وحينها تذكرت نقل القناة الأولى للتليفزيون الرسمي لصلاة جمعة قريبة لقادة القوات المسلحة يتقدمهم المشير نفسه .وتتقدم الجميع الزبيبة نفسها التي لمعت تحت أضواء بيان الترشح للرئاسة. 
وهكذا فإن الأمر لا يقتصر على دور حزب "النور" السلفي و مشايخ الدعوة السلفية في تأييد 3 يوليو 2013 . ثم رئاسة قائد 3 يوليو للبلاد بعد ان انقلب على رئيسه "محمد مرسي" وجالبه الى موقع وزير الدفاع . لكن كان على ذهني الذي لم يعد يحتمل كل هذه الحمولات الدينية في عالم السياسة شديد البؤس والدموية والغدر ان يطرد بصعوبة ما سمعته من صديق حين قال :" سيجمع الرجل أسوأ ما في عبد الناصر والسادات ومبارك . وسيضيف الى كل السوءات خزعبلات حسن التهامي ". وكان الصديق يشير على نحو خاص الى ظهور " السيسي " الفريق أول حينها في تسريب وهو يتحدث عن كرامات رؤياه في المنام ، وأنه حلم بالسادات ـ وليس عبد الناصر ـ يأتيه في المنام ويبشره بملك مصر . هذا فضلا عن الساعة " الأومجا" . أما إشارة الصديق الى " حسن التهامي " فهي تتعلق بأشهر ضباط ثورة يوليو " الأحرار" اقترابا من عالم الجن والعفاريت وادعاءا برؤية ومناجاة سيدنا " الخضر".
وعلى أي حال ، فقد أعادني لمعان زبيبة "المرشح مشيرا" الى غلاف مجلة " النيوزويك " الأمريكية بعددها 16 أغسطس 2013 تحت عنوان :"الجنرال الهادئ ". وقد كتب الصحفيان " مايك جيجليو" و" كريستوفر ديكي" العائدان من زيارة "محل السيسي" للأنتيكات في "خان الخليلي" بجوار مسجد " سيدنا الحسين " عن الأسرة المتدينة وعن آية " لا إله إلا الله" التي تتصدر محل أسرة الجنرال التي قالت عنه المجلة أنه " أصبح رجل مصر القوي". وقتها كان "الجنرال الهادئ" ومن حوله يملأون باللغة العربية وسائل الإعلام بتصريحات بأن الرجل لا يطمح في الرئاسة وانه لن يترشح لمنصب رئيس البلاد أبدا . لكن "النيوزيوك" وباللغة الإنجليزية نقلت عن شقيقه الأكبر"أحمد السيسي" عبارة إتخذت منها لازمة أو تيمة أساسية لموضوع غلافها . قال:
ـ " نحن من أسرة تقود ولاتقاد".
ومع ان المجلة الأمريكية انتبهت الى ان " الفريق أول " أي " المشير " لاحقا وبعد اقل من عام واحد لم يخض في حياته حربا واحدة إلا انها نقلت عن العاملين في محل " السيسي " قولهم :
ـ " إعتدنا ان نناديه بالجنرال عبد الفتاح منذ كان صغيرا ".
و لأن "الجنرال السيسي " أصبح " مرشح الضرورة " وفق ما قاله الصحفي العجوز قرين السادة الحكام الأستاذ " محمد حسنين هيكل " ( 90عاما ) ولأن المرشح نفسه وبطانته يعزفون بكثافة على نغمة " الأمن"، فقد لاحظت ان يوم الجمعة التالي مباشرة كان الأكثر دموية منذ أسابيع . ولعل من مقتضايات "الضرورة " أن تسقط الصحفية الشهيدة "ميادة أشرف" ( 22 عاما ) .وأيضا المواطنة الشهيدة " ماري "( 26 عاما ) .ومضرجتان في دمائهما البريئة بضاحية عين شمس بالقاهرة . لكن بحلول مساء اليوم التالي (السبت) كان بامكاني ان أعثر أمام مدخل نقابة الصحفيين في نحو الساعة الخامسة على رد فعل مختلف وإن كان هامشيا بالنسبة لما تضخه ماكينات الإعلام والصحافة الموجهة بضراوة لخدمة مرشح وزمن " الضرورة ". هنا وفي تلك اللحظة تجمع مئات من الشباب يهتفون بسقوط حكم العسكر والإخوان معا ومعهم نقيب الصحفيين " الضرورة " هو الآخر . وكان غضب لا يستثي " الداخلية البلطجية " وصحفها وقنواتها ورصاصها وزنازينها . وبين الوجوه الشابة قابلت زميلنا اليساري"كريم البحيري" الخارج للتو من الزنازين ومعه حكايته عن التعذيب في زمن " جنرال الضرورة" .وقد لفت نظرى انه يخبئ وللمرة الأولى منذ تعارفنا في إضراب عمال المحلة عام 2006 رأسه الحليق " على الزيرو" بغطاء رأس " كاسكيت" محايدة اللون . لا هو أصفر . ولا هو بني اللون .و شرعت في سؤاله عن شعره الناعم المرسل الذي كان يتيه به . لكنني إمتنعت حرجا . وربما لأنها "الضرورة ".
وبدلا من ذلك اعتزمت ان أسأل " كريم " عن احوال عمال غزل المحلة . لكن زحام الشباب الغاضب حال بيني وبينه . وللأسف كنت أريد ان استفهم عما إذا كانت حكومة "المقاول محلب"المكلفة بالإعداد لتنصيب " المشير " رئيسا قد اقالت رئيس الشركة القابضة الذي يتهمه العمال بالفساد أم أنه باق كما كان عليه الحال قبل ثورة 25 يناير 2011. وبالطبع أيضا قبل " ثورة" 30 يونيو 2013. وحقيقة لم أجد إجابة في يقين ما ابلغني به عامل من شركة " طنطا للكتان " قبلها بأيام . قال لي في اتصال على الهاتف المحمول ان العمال ذهبوا صباح يوم الأربعاء 19 مارس 2014 لتشغيل مصانع الشركة العائدة الى أملاك الدولة بحكم قضائي نهائي وبات .لكن :" الحكومة قطعت الكهرباء عن المصانع ". وهكذا لم يجد استنجاد العمال . لا بالقضاء . ولا بالحكومة . ولا بالسيسي .ولا بالله.
مساء الخميس اليوم التالي لخطاب الترشح " الميري" وقبل إغتيال " ميادة " و "ميري" بيوم واحد جرى الإعلان عن تولي اللواء " محمود حجازي" رئاسة أركان الجيش خلفا للواء "صبحي صالح " الذي اصبح " فريقا أول" وزيرا للدفاع . وهكذا كان يجرى استكمال ترتيب الأوضاع داخل القوات المسلحة كما قالت القنوات الفضائية في الليل. لكن بحلول الصباح وعندما طالعت " الفيس بوك " كانت صورة دعوة زفاف نجلي "المشير السيسي " و" الفريق حجازي " في 15 يوليو 2010 بدار الدفاع الجوي من الصعب تجاهلها . ولأنني كنت استكمل قراءة كتاب " البعث السوري : تاريخ موجز" للكاتب اللبناني " حازم صاغية " فقد توقفت لأقرأ مرتين فصل "طاقم بشار " مستمتعا بشبكة علاقات القرابة والسلطة ورأسمالية المحاسيب . كما لم يكن من مفر أمامي إلا العودة الى ترتيب سابق مع تعيين الجنرال " محمد فؤاد التهامي " رئيسا للجهاز المخابرات العامة في أعقاب 3 يوليو 2013 . ووجدت عونا في تقرير "ديفيد كيركباترك" مراسل صحيفة " النيويورك الأمريكية " بالقاهرة بتاريخ 30 أكتوبر 2013 .وبدلا من ان يشير " كيرباترك " الى استدعاء جنراله " التهامي " من بطاقة دعوة لحفل زفاف ميمون ،تحدث عن الاستدعاء هذه المرة من تقاعد وسط إتهامات بالفساد وحماية الفساد .وبعد ان أشار أيضا الى صلات قوية بفساد نظام مبارك، قال المراسل الصحفي ببساطة أن "السيسي " هو " صديقه وراعيه وحاميه " . كما أشار بالأصل الى ان " التهامي " كان بدوره قبل سنوات مديرا للمخابرات الحربية وهو الذي رشح " السيسي" لمنصبه هذا عند الرئيس "مبارك " ووزير الدفاع "طنطاوي". 
وبصرف النظر عن صحة ما نشره " كيركباتريك " دون ان يعلق عليه أحد في القاهرة . فإن " مبارك " من موقع ووصف " الرئيس الأسبق" كما نطقت جريدة "المصري اليوم" في 3 إبريل 2014 قال عن " المشير المرشح " عندما سئل :هل تؤيد السيسي ؟":
ـ" الشعب قال كلمته . وتم اختياره بالفعل ولذلك ليس امام الشعب على الساحة السياسية إلا هو ".
لكنني في مساء يوم السبت 29 مارس 2014 وبعدما حضرت وقفه مئات الشباب غضبا على اغتيال الزميلة "ميادة " أخذت طريقي الى محطة مترو الإسعاف " جمال عبد الناصر " . ولاحظت حينها للمرة الأولى كيف زاد ارتفاع صوت مكبر الآذان داخل المحطة .وكيف اتسعت حدود المصلاة التي ظهرت فجأة داخل حرمها العامر بالمارة . كما كان بامكاني أن ألاحظ أيضا كيف زادت اصوات باعة سلع الأرصفة والمتطوعين بالوعظ وبالتهديد بجهنم علوا وصخبا داخل عربات المترو.
إلا ان شيئا واحدا ظل يأخذني بعيدا عن هذه الضوضاء .ثم يعيدني متوترا منهكا الي كل هذا الصخب والعدوان العنيف على الأذن والروح .إذ أنني تذكرت الكلمات المنقوشة على لوحة بمدخل الجامع الأموي بدمشق تعود الى مطلع عقد السبعينات وهي تسبق "حافظ الأسد " بلقب "الرئيس المؤمن " هو الآخر . تماما كالرئيس " السادات " .وهنا أيضا من دون "حزب " ولا " أيديولوجيا". 
وكنت قد لاحظت اللوحة عندما زرت الجامع في عام 2000 . لكنني لم أخمن بأي حال وقتها أنه سيكون لمصر بعد 14 عاما "جنرالا مؤمنا " .ولديه من الأصهار والأصدقاء ما ينبئ عن "طاقمه الخاص" هو الآخر .لكن شابا كان يهدد الركاب بعذاب الجحيم لتاركي الصلاة أعادني الى القاهرة والى عربة المترو .وحيث كان شاب آخر يجلس مطالعا رواية "1984" . وهكذا تذكرت عبارة "مبارك " للمصري اليوم . وأدركت اننا نعيش أحلى أيام تنصيب " الأخ الأكبر" . لكن على الطريقة الإسلامية . بل وعلى الطريقة المصرية .

(6) 


دواجن "وطنية"

دخلت زوجتى " السوبر ماركت" وخرجت تحكي . قالت أنها توجهت لشراء زوج من الدجاج . سألت عن " البرازيلية ". فقدموا لها " الوطنية ". فألحت على السؤال . فصرخت فيها سيدات كن على مقربة :
ـ " دي بتاعة القوات المسلحة .. ما ينفعش نقول لأ". 
وما حدث ان زوجتى خضعت للأمر رغم انها لم تكن مقتنعة لأسباب مطبخية فنية غير سياسية وعصية على إدراك العبد لله . وهكذا حملت دجاج " الوطنية "عائدة الى بيتنا . لكن صراخ السيدات المتحمسات لإنتاج القوات المسلحة من اللحم الأبيض ظل يفزعها حتى بعد ان استقر الدجاج في برد الثلاجة . وقالت لي بصراحة إنها اضطرت للشراء تحت ضغط الحرج أن تتهمها إحداهن بمعاداة الجيش ومعه " السيسي "وبأنها من " الإخوان الخرفان " أو " بالعمالة للأمريكان " والعياذ بالله. وببساطة كان عليها ان تتجنب مشاكل هذه الأيام.
أما بالنسبة لي فقد كان أمر "دجاج وطنية " له وقع خاص في هذا اليوم .كنت قد انتهيت من قراءة الصحيفة عندما حكت زوجتى . وعلى الرغم من انه من العسير في هذه الأيام ان يعلق بالذهن شئ مما تقرأه في الصحف. إلا ان خبرا في مكان بارز مميز في جريدة "الأهرام" بعدد 19 فبراير 2014 ظل يلح على خاطري . كان عنوانه هو :" حصاد مرسي زيادة النسل .. إهمال المعزول أدي لأكبر زيادة سكانية في تاريخ مصر ". ولا أدرى لماذا احتفظت بعدد الصحيفة وعدت الى قراءة الخبر بعدها بأيام ولأكثر من مرة . وكأنني وددت لو اثبت لنفسي أن الخبر موجود بالفعل وليس أضغاث أحلام. وكلما قرأت تأكدت أنه لا يستند الى أي معلومة معتبرة موثقة أو مصدر مختص . ناهيك أصلا عن غياب المنطق في أن " المعزول" لم يحكم إلا عاما واحدا .نصفه الأول في 2012 ونصفه الثاني في 2013 .والمعروف ان التغييرات الديموغرافية الكبرى لاتحدث بسرعة هكذا.اللهم إلا في حالات الهجرات الكثيفة المفاجئة . 
وعلى اي حال ، فإن المصدر الوحيد في الخبر هو الدكتور" ماجد عثمان " مدير مركز "بصيرة " لاستطلاعات الرأي وعضو لجنة سياسات "جمال مبارك " المشبوهة . وإذا تغاضينا عن الشبهات حول الرجل والمركز . فإن إستطلاعات الرأي شئ ومؤشرات الزيادة السكانية شئ آخر . لكن بفضل مثل هذا الخبر العبقري عاد الى الخاطر بقوة سيل من فضائح اللاعقل و اللامنطق في قنوات الفضائيات الدينية الإسلامية خلال عهد الرئيس " مرسي "نفسه وعن كرامات الرجل . ولقد استرحنا والحمد لله منها . لكن بحملة عسكرية أمنية على هذه القنوات مساء يوم 3 يوليو 2014 كي توقف سلطة الإنقلاب منافذ توزيع البلاهة والخرافات والتحريض الطائفي ، وبعدما قامت القنوات الدينية بما يجب عليها من تفزيع المجتمع بأسره والأقباط على نحو خاص. ولقد اتضح لاحقا ان اجراء الإغلاق والمنع ـ غير الديموقراطي بالقطع ـ لم يكن إلا لكي تحتكر هذه السلطة ترويج نفس السلع : البلاهة و الخرافات والتحريض الطائفي العنصري .. ضد الإسلاميين والإخوان هذه المرة و" الكأس دوار".
في يوم "دجاج الوطنية " هذا. ما إن فتحت التليفزيون على القناة الأولى الرسمية إلا وطالعني لواءات جيش في حضور الرئيس المؤقت المعين " عادلي منصور " و وزير الدفاع " الدائم المنتخب" عبد الفتاح السيسي يعلنون دخول مصر "أم الدنيا وقد الدنيا " عصر الإكتشافات العلمية العظمى بجهاز عبقري يشفي مرضي الكبد الوبائي ( فيروس سي) و الأيدز ( فيروس إتش . أي . في ). ولقد اتضح لاحقا في مقابلات ملأت الصحف مع فريق الاكتشاف تحت اشراف الإدارة الهندسية للقوات المسلحة أن الجهاز نفسه متعدد المواهب والخوارق . فهو من شأنه أيضا شفاء مرضي انفلونزا الخنازير و السكر والضغط والصدفية . لكن الفريق توقف قبل ان يصرح بطرد الجن والعفاريت ،مع أن رئيسه اللواء " إبراهيم عبد العاطي " كان من نجوم قناة "الناس" الدينية المغلقة الآن بعد التجريدة العسكرية الأمنية .كان يظهر على هذه القناة معالجا ببركة القرآن و الأعشاب .وتتقدم هامته "ذبيبة "التقوى .
ولأنني لست ممن يصدقون كل ما يقال بسهولة . فقد صرفت النظر عن الاتصال بصديقي "الحسيني البجلاتي" المصاب بفيروس " سي " كي يترك عمله في الكويت وينزل الى المحروسة لتلقي العلاج الشافي المعافي . لكن كان بالامكان التنبه الى الأمل المراوغ الذي تعلق به ملايين المصريين ضحايا المرض وذووهم .إلا ان حجم الاستغلال السياسي سرعان ما افتضح أمره أمام الكافة .فالجهاز الذي يمنح الامل و الحياة للملايين المعذبة اسمه بالمختصر المفيد " سي سي". وهو أبلغ رد على عودة حملات الكتابة على الجدران :" سي سي قاتل ".أما تعميم العلاج بالجهاز فسيبدأ لاحقا بعد انتخابات الرئاسة . وتحديدا مع يوم 30 يونيو "المجيد". ولما كان مستشار رئيس الجمهورية للشئون العلمية الدكتور " عصام حجي" قد تجرأ و شذ على الإجماع القومي فانتقد الإعلان عن الجهاز العبقري على هذا النحو مشككا في علميته واصفا المسألة كلها بأنها " فضيحة علمية لمصر " فقد استجلب لنفسه اللعنات . وعلى الأقل فإن أحد قادة جبهة الإنقاذ الميمونة واستاذ العلوم السياسية بجامعة قناة السويس الدكتور "جمال زهران" وصف تصريحات "حجي " بأنها " خيانة عظمي " . وببساطة لأن الرجل يشكك في جيشنا الوطني العظيم .تماما مثلما فكرت السيدة حرمنا المصون في التشكيك في "دجاج وطنية " عند "السوبر ماركت" . وفي كل الحالات فإن الدكتور "أحمد على مؤنس" المشرف على الفريق البحثي لـ " سي . سي " قال للمشككين على صفحات جريدة " الوطن " في عدد 27 فبراير 2014 :
ـ " أتركونا نقود العالم .. ولو لمرة واحدة ". 
وعلى اية حال فان عبارة الدكتور "المؤنس " كانت ملهمة الى حد انها ذكرتني دون عناء باطمئنان وتفاؤل صديقي الكاتب الصحفي الفرنسي "ألان جريش " . قال لي في آخر زيارة للقاهرة ـ وقد تباعدت زياراته بعد 3 يوليو ـ بأنه لا يخشى على مصر كثيرا لأن النازية والفاشية في أوروبا ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي كانت تقوم على فلسفات وأفكار كبرى وجاذبة للجماهير. ولديها مشروعها . و أيضا ما تقدمه لهم. 
فاستفسرت منه متسائلا :
ـ يعنى أنت شايف إنها " فاشية هفق "؟
فلم يجب . وربما صعبت الكلمة العامية "هفق" عليه . مع انه عاش في القاهرة حتى صباه . إلا انه قال بعد برهة :
ـ لن تستمر طويلا .
لكن عبارة الدكتور " المؤنس " ظلت تقرع أذني بقوة وهي تداعب نوازعي الوطنية :
ـ " أتركونا نقود العالم .. ولو لمرة واحدة ".
ومع ذلك ، لا يفهم الناس جدوى استقالة او اقالة حكومة "الببلاوي " عضو جبهة الانقاذ الميمونة و تغييرها بحكومة "محلب" عضو لجنة سياسات المحروس نجل مبارك. وهو الرجل الذي شمله العزل السياسي وفق دستور 2012 . و لعل الأمر لا يدعوهم للتوقف كثيرا على وقع الانبهار باكتشاف علاج (سي .سي). أو لعل الناس أصبحت ترى ان " أحمد "مثل "الحاج أحمد ". ولو أن استبدال رئيس حكومة إقتصادي عتيق برئيس آخر مقاول مهندس في ظل أزمة اقتصادية خانقة فأل حسن .وعلى طريقة مواجهة الجيش لاضراب عمال النقل العام بالدفع بأتوبيساته المكيفة الى شوراع القاهرة بدلا من الدفع الى تطبيق وعد الحدين الأدني والأعلى للأجور.
و كان بامكاني شخصيا ان أتبين نجاعة هذا الفأل الحسن عندما توجهت الى جراج النقل العام في "إمبابة " فرأيت أحد العمال المضربين فوق أتوبيس 750 ( عبد المنعم رياض ـ الشيخ زايد) يرفع لافتة مكتوبة بخط اليد :" النقل العام في ذمة الله .. وتشييع الجنازة من مجلس الوزراء والقصر الجمهوري ..ولا عزاء للفقراء". وعندما أخذ أتوبيس آخر في تعديل أوضاعه داخل الجراج لاحظت "بوستر " عسكري الجيش العملاق الذي يحمل بين ذراعيه الشعب طفلا .وقد امتدت يد كي تكشط عبارتي " مصر فوق الجميع "و " الجيش والشعب أيد واحدة " ،وتمحوهما من أعلى وأسفل الصورة . ومع ان هذا "البوستر " الشهير مطروح في الشوارع منذ المجلس العسكري الأولى بقيادة المشير "طنطاوي" فقد تأملت الوجوه . وأدركت للتو أن العسكري ذي الخوذة مبتسم فيما بدا الطفل رضيعا ذاهلا .وعندما التفت الى جدار بالجراج أبصرت لافتة ملونة مكتوبة بيد خطاط محترف .وقد لخصت موقف العمال في عبارة :" حد أدني للأجور .. إحترسوا من ثورة الجياع ". 
ومع كل ذلك فإن رئيس الوزراء "المقاول" الجديد صرح للصحفيين قبل ان يعلن عن الغاء استهلاك زجاجات المياة المعدنية في إجتماعات مجلس الوزراء بأن مفهومه للعدالة الإجتماعية يتلخص في "الدعم " ..والدعم ليس إلا . هكذا وسط اضرابات عمالية تنتشر وتتسع يوما بعد يوم بعدما اخلفت الحكومة ـ التي كان فيها "محلب " وزيرا ـ في تنفيذ وعدها تطبيق الحدين الأدني والأعلى للأجور مع رواتب شهر يناير 2014.
لكن عندما قابلت جاري المسيحي القبطي في السكن .ونظرت الى عينيه أدركت كيف تتسع هي الأخرى دوائر الخوف . تبادلنا حديثا مقتضبا عن مذبحة " بني غازي" بليبيا التي راح ضحيتها سبعة من الأقباط .وقد قيل ان بعضهم اضطر الى إزالة وشم الصليب من اليد قبل ان يجرى قتلهم بدم بارد . الرجل عاشق للسيسي حتى النخاع . وطفله يراه " سبيدر سيسي " المصريين والعرب مصداقا لقول دكتورة الطب النفسي "هبة العيسوي" لجريدة "الوطن " في 27 فبراير أيضا . قالت :" الطفل بعد (سوبر بابا) يرى السيسي هو مصدر قوته . وبالتالي يحبه ويحاول ان ينطق باسمه ويراه (سبايدر مان) الذي يحمي الضعيف من القوى ". ولم يكن أمام الأب إلا ان يصدق ما تقوله صحف رجال أعمال مبارك بأن قتلة " إخوتنا في ليبيا " مدعومون من الإخوان والتنظيم الدولي . 
حقا هؤلاء " الخرفان "مصدر كل الشرور من المذابح الى القنوات التحريضية الى زيادة النسل.
هذا منطق رائج لا يمكن انكاره . لكنني عندما عدت الى المنزل قادني فضولي الى ان أفتح " فريجيدير "الثلاجة واخرج "دجاجة وطنية ". وبدأت أقرأ البيانات فوق غلاف هذا الاختراع العبقري وعلى النحو التالي :
ـ الوزن من 900 ـ 950 جرام تقريبا 
ـ دجاج مجمد فاخر 
ـ إنتاج الشركة الوطنية لمجازر الدجاج (دواجن وطنية )
ـ سجل تجاري 1090 / 2005 تحت اشراف الهيئة العامة للخدمات البيطرية .
ـ الصلاحية 12 شهرا 
ـ تحفظ مجمدة عند درجة حرارة – 18 م
ـ الشركة غير مسئولة عن سوء الحفظ والتداول 
ـ لا يعاد تجميدها بعد إذابتها
وعندما سرى الشك بأن القوات المسلحة ليست مسئولة مطلقا عن انتاج هذه الدواجن وعن اختراع جهاز الـ ( سي .سي ) طالعت عبارة :
ـ غذاؤكم ترعاه يد أمينة .

(5)

بسكويت بالعجوة

لا يحب إبني البسكويت بالعجوة مع انني كنت اعشقه وأنا في عمره ( 9 سنوات). حاولت اغراءه اكثر من مرة .وأكثرت من شراء نوع شهير تصنعه إحدى شركات القطاع العام منذ طفولتي لكن عبثا هو لا يريد. 
لكنني قررت أن أصرف النظر كليا عندما طالعت مقال رئيس مجلس إدارة دار الهلال العريقة في عدد مجلتها الأسبوعية " المصور" .قال الرئيس مفاخرا ـ وليس المقصود رئيس مجلس ادارة شركة البسكويت بالعجوة ـ في مقاله الافتتاحي الذي يتصدر صفحات المجلة مع صورة معتبرة لشخصه الكريم مرسخا تقليد "النشر بالمناصب" في "صحافتهم" المصرية :
ـ "حرصنا بالاتفاق مع الدكتورة رئيسة تحرير مجلة سمير ان يحمل غلاف هذا العدد رسما للمشير السيسي احتفاءا بإبن مصر الأصيل الذي واجه طغيان الإخوان وحمى اطفال مصر الذين يمثلون مستقبلها الزاهر من جبروت الإرهاب و ظلام الفاشية الدينية". 
وقال أيضا الى جوار صورة عملاقة لغلاف مجلة الأطفال التي تصدر عن الدار منذ نحو ستين عاما حتى صادف طالعها الميمون أن تبدأ عهدا جديدا من "الطباعة المتطورة والورق الكوشيه الفاخر" مع بورتريه عظيم للمشير الى جوار "سمير" نفسه :
" إختيار السيسي لغلاف سمير رسالة للطفل المصري والعربي بان الجيش المصري بقيادة السيسي انقذ مصر من الضياع وشر الفتن الاخوانية وانتقام الجبابرة الإرهابيين الذين يخططون للانقضاض على الوطن بالتآمر مع أمريكا .ولأنه هو البطل الشعبي لدي الطفل المصري والعربي فمن حق المشير السيسي علينا ان يكون بطل غلاف مجلة سمير في أول عدد من التطوير". 
غلاف مجلة "المصور " في عددها هذا رقم 4661 بتاريخ 5 فبراير 2014 لا غلاف مجلة " سمير " في عددها " السيسي " رقم 3005 بتاريخ 2 فبراير 2014 يحمل الى جانب عنوان مقال السيد رئيس مجلس إدارة " الهلال" عنوانا لا يقل أهمية هو :
ـ " تأديب حماس .. أصبحت خطرا على أمننا القومي".
ومع أنني كنت دائما أفضل " ميكي " الامبريالية على "سمير" الوطنية .إلا انني لم أجد منذ طفولتي بين عقدي الستينيات والسبعينيات أي خيانة في هذا المزاج النزق الذي يشدني الى "بطوط" و"دهب" و"بندق"و"عبقرينو" ، ويجعلني لا أطيق ثقل دم وتكلف " تهته"و " سميرة "بل كان بامكاني فيما بعد ومع سنوات الجامعة ومابعدها أن أختبر "قوميتي وعروبتي .. إيماني"وكذاعدائي للصهيونية والاستعمار. فأطمئن .
وحسنا فعلت مجلة "سمير" في عددها " السيسي" حين وضعت إعلان زبادي غنى بالكالسيوم والفيتامين يطل منه نمر برتقالي فاغرا فاه بعبارة " جواك بطل " تماما أمام افتتاحية " الدكتورة" وقد جاء فيها :
ـ " عودناكم دائما ان نحتفي بكل مناسباتنا القومية والدينية ".
وحينها فقط عدت الى الغلاف فلاحظت شارة " المشير" تطل من فوق كتفي "البطل المصري الأصيل " .هكذا بعد يوم واحد من خلع " البطل " لبدلة " الفريق أول". كما كان بامكاني أن ألاحظ الى اسفل الصورة التي يطل من خلفها " سمير " علم مصر ملقي الى الأسفل .
وباستثناء ذلك اكتشفت انني ربما خسرت كثيرا عندما لم أتابع " سمير " في طفولتي البائسة مع "ميكي". فقد لفت نظري عبارة "هيا الى الفطير المشلتت" مع أخرى تقول :" الدستور الجديد أنصف الفلاح المصري ياأستاذ سمير وأعاد له كرامته ..وأعتني بأحوال الفلاح المصري الأصيل ". ولقد كانت تلك " الخلطة الممتازة" في " سيناريو "نورت البيت ياسمير " للدكتورة نفسها رئيسة التحرير . وقد أحيت هي الأخرى تقليد رئيس مجلس ادارتها في " النشر بالمناصب " ، فاحتلت بنفسها ولنفسها الصفحات الثلاث الأولى من عدد المجلة .
لكنني وجدت ماهو أكثر جذبا وإثارة في باب "كلام بنات " .جاء تحت عنوان " كيف تعالجين بقعة الصلصة ":
ـ لأن لونها الأحمر القاني يتخلل الأقمشة بسرعة وتثبت عليها خصوصا إذا كانت هذه الأقمشة مصنوعة من القطن.
ومع ذلك ظلت " الدكتورة " رئيسة التحرير تطاردني في صفحات داخلية . فكتبت في تمام ظهورها الثالث .ولكن الأكثر تواضعا في الصفحتين الثامنة والتاسعة " حكاية أكبر متحف إسلامي في العالم ".قالت :
ـ أصدقائي .. في الأسبوع الماضي تعرض متحف الفن الإسلامي بمنطقة باب الخلق للتدمير الكامل إثر انفجار استهدف مديرية أمن القاهرة ..".
ولأنني أعرف ان " التدمير الكامل " معلومة غير صحيحة مطلقا . فقد انتقلت الى خبر بعنوان " نعم للدستور " عن ورشة فنية اقامتها "سمير " كي يعبر " الأصدقاء عن تاييدهم للدستور بريشاتهم والوانهم ". لكن ما شد اهتمامي هو الألوان مع سوء الإخراج في القصة المصورة " سر غموض اليد اليسري ".ويقول ملخص الحلقات السابقة :" يحاول أشرف الشريف في هذه القصة الكشف عن أكبر محترف سرقات وشهرته الأشول خاصة بعد سرقته للمليونير عادل المغازي . فهل يستطيع أشرف الشريف القبض عليه ؟" .
ومع ذلك فإن قصة " السر " انتهت بدون الكشف عن " السر" . فقط قال "أشرف الشريف " في الختام:
ـ أشعر أن هذه اللعبة ستنتهي نهاية سيئة ".
لكن هل هذه هي النهاية حقا . كلا . فمع باب " المراسل الصحفي " تسأل الطفلة نقيب الجيش المبتسم "بهاء الدين :" كيف سيتم القضاء على الإرهاب ؟" فيجيب :
ـ بتكاتف الجميع يدا واحدة جيش وشرطة وشعب . 
وتطلب الطفلة مراسلة " سمير " التي لم يرد اسمها قط النقيب "بهاء الدين " أن يوجه كلمة لرجال الشرطة ، فيقول :
ـ نشكركم على عودة الأمن والأمان للبلاد والعباد . وشكرا على جهدكم الرائع . 
إلا ان الطفلة " إيمان شندي محروس "من القاهرة كانت أكثر حظا من " المراسلة المجهولة " فقد نسبت اليها مجلة " سمير " كلمات منظومة جاء فيها :
ـ يامصر ياأم الدنيا 
وقد الدنيا وكل الدنيا 
بجد بجد وحشتينا 
ورجعت تاني ونورتينا وآنستينا .
ولم يكن بالامكان التوقف كثيرا عند " قد الدنيا " .ولعل "تامر حسين " مؤلف قصيدة " إبن الشهيد " كان محظوظا هو الآخر عندما جاء اسمه في باب " أغنية" الى جانب كلمات منسوبة اليه مع صورة تجمع "السيسي " بشخص ما . وقد ورد بالقصيدة :
ـ عرض حياته ألف مرة للضياع 
ومايستاهلش كره أبدا أو شماتة .
لكنني ما ان فرغت من قراءة الأغنية حتى تبينت مع سوء الطباعة والألوان أن الشخص الآخر لم يكن إلا "الرئيس المؤقت". وأسمه "عادلي منصور ". كما تذكرت أنني منذ نحو تسع سنوات عندما نظمنا في حركة " صحفيون من أجل التغيير " يوما للمعتقلين خصصنا فيه وقتا لرسوم أطفالهم قد لاحظت ان العديد منهم رسم شموسا وراء غمام . وقد تكررت تلك الشموس في غالبية اللوحات لأطفال يطل البؤس والقهر من عيونهم .
وهنا أعترف بأنني في هذا السن لم استطع مقاومة إغراء غلاف " ميكي " حين أطل منه " عم دهب " منزعجا ينظر من شباك يضئ خزانة نقوده .ينظر من خلال عدسات نظارته الشفافة بتجاه الساحرة الشريرة "سونيا " .وتحملها بدورها مقشتها العجيبة . وفي قصة " قيمة القروش " قال لـ " بطوط":
ـ إنني أبحث عن قرش .. فلا تزعجني . 
ولقد اتضح في النهاية لي أن "دهب " يملك جميع عربات المثلجات في "مدينة البط" . أما "بطوط" فيعشق عصير الطماطم بالعسل . 
ولم يكن بامكاني إلا ان اتوقف عند عبارة " علمان " الى " عبقرينو " في قصة " مهمة المخترعين ". قال :
ـ هيا نخرج من هنا ونذهب الى معملي لنرى اختراعي الجديد .. أنه طفرة في عالم التكنولوجيا الايديولوجية الميتافيزيقية المتحولة . 
إلا ان بيت القصيد الذي أبحث عنه جاء في "المواجهة السحرية " حين تنكرت " سونيا " في صورة عاشق معجب كي تذهب الى الساحرة الأخرى " شمعة " في المطعم لتحصل منها على خصلة شعر .قالت لها :
ـ شمعة .. انت دائما فتاة احلامي .. أحتاج الى تذكار منك . 
فتجيب و هي تضع المعلقة في طبق الحساء :
ـ إصنع "لايك " لصفحتي على "الفيس بوك" . 
وفي نهاية القصة يتضح ان شعر " شمعة " الأصفر الطويل الجميل تحت قبعتها العالية ما هو إلا مستعار من ذيول أجمل الخيول في العالم .
وما كان لي ان أفرغ من محبوبتي " ميكي " إلا مع صفحة "معلومات غريبة " . فطالعت :
ـ جميع الثعابين تتمتع بحصانة طبيعية ضد السموم التي تفرزها .
لكنني لم اصدق . وقلبت المجلة فوجدت إعلانا لاصدار جديد للأطفال باسم :
ـ دراكولا . 
وأخذت أبحث عن " باكو" بسكويت بالعجوة كي التهمه كطفل أكلت اسنانه الحلوي . لكن عاجلني زميل في العمل يشكو ضيق الحال .ويسخط على استقطاع عشرة في المائة من رواتبنا فيما إرتفع قسط " الترم الثاني" لتعليم الأولاد ،والمؤجل أصلا مرة "للم الشمل" ومرة للبحث عن " تأمين مدني للمدارس ".وقال أيضا :
"أنظر رفعوا رواتب الشرطة 30 في المائة ..وفي الإجمال تضاعفت اجورهم مع رجال الجيش لنحو ثلاثة مرات منذ ثورة 25 يناير ".
ضقت به أنا الآخر ،فقلت له :
إسأل " سونيا " عن " دراكولا ".. أو إسأل رئيسك في العمل عن " الجبابرة الإرهابيين في ظلام الفاشية الدينية ". 
وقتها تذكرت بأن رئيس مجلس إدارة " الهلال " العريق لم يكن خالص النية تماما حين أنهى افتتاحيته الغراء برفع " طلب خاص " الى " سيادة المشير " . وهو ان تتلقي مجلة " سمير " والدار كلها من " سيادتكم " دعما ماليا . 
لكنني قررت ألا أعبأ بكل هذا .وعدت لتصفح مجلة " ميكي " يقودني شوق الى " بسكويت بالعجوة ".

(4) 

المجد للمجهولين 

ماإن بلغت الساعة تمام الخامسة مساء الثلاثاء 11 فبراير 2014 حتى توقفت الحركة في ميدان التحرير .وعلى الأسفلت شاهدت مدرعات الجيش الصفراء المسرعة من ناحية كوبري قصر النيل تنتشر في أنحاء الميدان ملتفة حول الكعكة الحجرية الفارغة لتأخذ أماكنها على مداخل كافة الشوراع المؤدية إليه . كان غزو المدرعات للميدان على هذا النحو مباغتا . و بدا بلامبرر . وقد أخذت في التمايل والاهتزاز حتى كادت ان تنخلع وهي تسرع في مناوراتها . اما الاصوات المنبعثة منها فقد جلجلت في جنبات الميدان كأجهزة خربة متهالكة أصابتها حشرجات ماقبل العطب . تكركر وهي تهتز في سعيها المسرع فوق اسفلت الميدان الأسود وكأنها تكبت أشواق العودة الى موطنها الأصلي في الصحراء ورمالها الناعمة.
انقطعت السيارات من الميدان .وتباطأ مارة متناثرون يعدون على أصابع اليد هنا وهناك. وران الصمت . وكان قد لفت نظرى منذ أن دخلت الى الميدان قادما من شارع "طلعت حرب" هذا الكم غير معهود من المخبرين المتفحصين للمارة في وسط البلد بعيون مقتحمة وقحة . بعضهم يحمل أجهزة إتصال .والآخر لا حاجة له بها . كما لا حظت عددا لا بأس به من "باشوات " و " باكوات" الأمن يجلسون في تحفز على مقاعد فوق النواصي والأرصفة. بينما كانت المحال التجارية التي جردوها من مقاعدها و سخروا امكاناتها في صنع الشاي الأسود شبه خاوية بلا زبائن . 
كان قد لفت نظرى فور أن بلغت ميدان التحرير علم البلاد يرتفع بوضوح فوق صاري يتوسط مجموعة من المواطنين .هناك فوق رصيف يقابل الكعكة الحجرية باتجاه " المجمع " الذي طليت جدرانه بلون ابيض لاخفاء أي شعارات أو خربشات معارضة . لكنني قصدت على الفور مدخل شارع "محمد محمود"، فطالعت جدار الجامعة الأمريكية .وقد تحول اليوم الى جدارية سريالية تسودها خلفية بلون أحمر خفيف " بمبي" مرقطة ببقع غير منتظمة من أحمر قان . وباللون نفسه تصدرت عبارة ممتدة :" اسحل وعري وطري مجهزنهولك مغري" .لكن كلمة "اسحل" جرى اخفاء معظم حروفها تحت الخلفية "البمبي" على نحو يتطلب من القارئ قدرا من الجهد والفطنة كي يتبينها . والى جوار العبارة البطل وباتجاه المدخل المؤدي الى مكتبة البيع بالجامعة نقش مبدعو الجدارية كلمتين هما :" المجد للمجهولين". وباستثناء ذلك كان مجهولون بالفعل قد أضافواعبارات بخط مرتجل وباللون الأسود من قبيل :" آيات مش إخوان " و " يسقط حكم العسكر "و "الداخلية بلطجية ". 
وباستثناء ذلك لم يكن مفيدا التوغل في الشارع الذي شهد أكثر من مجزرة منذ زمن "مبارك" .وقد تحولت صحف الدولة في الأيام الأخيرة عن وصفه بـ" الرئيس المخلوع"الى منحة بتوقير يناسب اقتراب الذكرى الثالثة للتنحي لقب " الرئيس الأسبق".وهو ما يتماشى تماما مع ترويج هذه الصحف لأن 25 يناير لم يكن سوى "مؤامرة" أو "أحداث" .وهكذا اتخذت طريقي عائدا الى قلب الميدان باتجاه العلم المرفوع عاليا. وحين اقتربت تبينت مجموعة من المواطنين "الشرفاء " يترقبون في وضع الانتظار وقد نصبوا المصيدة.لا يرفعون صور "مبارك" أو "السيسي" . لكن ملامحهم لاتغيب عمن خبر جيدا بلطجة رجالات ونساء الحزب الوطني في يوم الأربعاء الأسود ( 25 مايو 2005).وعلى الرصيف المقابل كانت الشرطة بملابسها الرسمية و السرية أضعاف أعدادهم . تنتظر هي الأخرى .وقد تبادل الجمعان نظرات الترقب والرعاية . وهكذا كان على أن أمر بهدوء وسلام بين الجمعين دون ان أمعن النظر فاثير الارتياب أو أبادرهم بحديث فأقع في شباكهم اللعينة .لكنني لحظتها تذكرت جيدا كم قمت مرة تلو أخرى بتوزيع "مقالات الثورة وميدان التحرير" بحرية في هذا الميدان دون ان يمسني أحد كان.و لما يزيد عن عام كامل منذ 29 يناير 2011 . وإن عجزت بعدها على نشر المقالات المجمعة في كتاب بعنوان "ورق أيه فور" بسبب حسابات الناشرين بما في ذلك المحسوبين على اليسار والثورة . 
بحسابات السياسة الباردة كان من غير المتوقع ان يحاول الشباب الوصول الى ميدان التحرير بعد قمع السبت الدامي 25 يناير 2014 . لكن وأنا في طريقي الى الميدان خال لي بين حين وآخر انني استمع الى هتافات قادمة من بعيد . أحيانا ما كانت أتبين كلماتها في عبارتي :" يسقط حسني مبارك " و " يسقط حكم العسكر ". لكني يقينا وبحسابات السياسة أيضا كنت ادرك ان هناك الآلاف بل قل عشرات او مئات الآلاف يتظاهرون بعيدا عن أضواء وسط العاصمة . هناك في الأحياء الشعبية والمدن والقرى . تلك المظاهرات النائية التي تطالب في معظمها بـ"عودة الشرعية" رافعة بالأصابع الأربع علامة مجزرة " رابعة العدوية ". وربما ترفع أيضا صور رئيسهم "مرسي". وربما لهذه المظاهر فإنها لا تثير الكثير من الاهتمام او التعاطف هنا وهناك . ولا يتوقف المثقفون كثيرا عند ضحايا القمع البوليسي لها من شهداء وجرحى بالمئات كل يوم مع انهم يدركون في قرارة النفس انها الاكثر تجذرا واستمرارية ومقاومة في وجه صعود الفاشية العسكرية الأمنية . بل ومع الأيام الأخيرة انتشرت همسا أنباء غير منشورة في وسائل الإعلام التقليدية عن انتقال قطاعات من الشباب الى تنظيم مقاومة مسلحة تضرب الضباط وممتلكاتهم وأسرهم هنا وهناك على امتداد البلاد .ولكن بعيدا عن ميدان التحرير ووسط العاصمة . كما انتشرت كالنار في الهشيم في وسائل الإعلام غير التقليدية وبخاصة صفحات الفيس بوك شهادات نشطاء سياسيين من غير الإسلاميين أو الإخوان على المدي الذي بلغته وحشية التعذيب بايدي الشرطة العائدة الى سيرتها الأولى سنوات "مبارك" أو الى الأكثر بشاعة . وإذ كانت آلة القمع الجهنمية الدائرة بأقصي سرعة قد امتدت الى شباب ثورة 25 يناير من ليبراليين ويساريين بعدما بدأت دورانها بالإسلاميين .
والى جانب كل ذلك ،بدأت المساحات المنسية الأقل أهمية في عدد من الصحف تنشر أنباء متفرقة منزوية خجول عن الإضرابات في العديد من المصانع وأماكن العمل بما في ذلك شركات القطن الكبرى بالمحلة. تلك التي حملت في 6 إبريل 2008 بشائر الثورة القادمة . هذا فيما تتسيد تحت الأضواء في المساحات الممتازة تصريحات المسئولين ومقالات رأي السادة الكتاب المعتمدين تندد بأي محاولة لإثارة " المطالب الفئوية " في وقت يجب ان "نكرس فيه كل الجهد والطاقة من أجل معركة مكافحة الإرهاب " وحيث لا يعلو صوت فوق صوت المعركة ( ضد الإخوان ). 
شعرت بتعب قدمي .وفكرت بالنزول لركوب مترو الأنفاق عائدا الى البيت . لكنني عندما بلغت منزل المترو من ناحية شارع "طلعت حرب" وجدته مغلقا وقد تراكمت أمام الباب الأتربة والقمامة . وحينها تذكرت أن محطة التحرير مغلقة منذ 14 أغسطس 2013 ومع مجزرة "رابعة " والتي لا نعرف بالضبط كم هو عدد ضحاياها .وإن قال "روبرت فيسك" في صحيفة " الاندبندنت "حينها بأنها " أكبر قتل جماعي في تاريخ مصر الحديث ". هكذا الجملة محفورة في رأسي منذ أن قرأتها على موقع الصحيفة البريطانية بشبكة الإنترنت . لا تنمحي ولاتريد. 
غادرت " التحرير " عبر " طلعت حرب " فانتبهت من شرودي الى حركة جنود الجيش بهمة لنشر أسلاك شائكة بعرض الشارع . أفلت مرة اخرى مما بدا لي مصيدة . لكنني لا حظت والجنود على مقربة أن ملابسهم متسخة ووجودهم شاحبة . ابتعدت .لكنني التفت بعد خطوات فبدا الميدان بعيدا نائيا وكئيبا من خلف تموجات الأسلاك الشائكة ومدرعتين واشباح جنود .
وكانت الشمس حينها بسبيلها الى الغروب .

(3)

ذكرى الجمل 

استيقظت صباح يوم 2 فبراير على أخبار في صفحات " الفيس بوك " عن انفجار أمام دار القضاء العالي قرب موقع عملي و حيث الصورة العملاقة للجنرال . كما طالعت أخبارا عن انفجارين آخرين في القاهرة . في العادة ما أصحو حول السادسة صباحا . لكن لا أعرف ما الذي ايقظني مبكرا عن ذلك بنحو الساعة . ربما هو القلق أو سبب لا أدركه .
حاولت التيقن من صحة أخبار الإنفجارات على المواقع الألكترونية لعدد من الصحف . لكنني وجدت أكثر من تصريح ينفي هنا وهناك . فتحت التلفزيون لكنني لم أصل الى جديد . وكان على في النهاية ان أترك الأمر كله لأن أخبار الإنفجارات ونفيها أصبحت معتادة هذه الأيام . فقط يتعين عليك ان تشعر بالخوف وبالحاجة لمن يحميك ويحمي البلد . والأهم أن تظهر هذا الشعور بلا تحفظ عندما يتحدث زملاء العمل عن المعركة مع الإرهاب . ويكيلوا أوصاف الإرهابيين المجرمين للإخوان . حينها عليك ان تتظاهر بأنك تصدق بلا تحفظ أو شك أو أية نية في طرح سؤال عن دليل غائب أو تعميم ساذج. فقط انخرط في حملة الكراهية وسباب العدو وتوكل على الله .
نهضت فجأة من أمام جهاز الكومبيوتر تدفعني رغبة ملحة في التبول . فرغت. و توجهت الى صنبور المياه فطالعت وجهي في المرآة. وتنبهت الى ان الذقن تحتاج الى حلاقة . لكنني تذكرت أن اليوم هو الذكرى الثالثة لموقعة الجمل . فصرفت النظر . لكننى عدت للتفكير في أخبار انفجارات الصباح الباكر . ثم قلت لنفسي ربما كان من الأفضل ان تحلق ذقنك قبل ان تذهب الى العمل . لكنني في النهاية ترددت . ببساطة تملكني رعب غير مبرر أن تجرحنى شفرة الحلاقة فلا أتمكن من إيقاف نزيف الدم أبدا.
عندما اقتربت من الوصول الى مقر عملي بجريدة " الأهرام " أطلت على من أعلى صورة ضخمة للمشير في زيه العسكري . كانت الصورة قد جرى زراعتها أمام سنترال الإسعاف وبعد مدخل شارع " التوفيقية " العامر بالخضار والفاكهة وقطع غيار السيارات المستعملة . والصورة تستقبل السيارات القادمة في اتجاه واحد بشارع رمسيس الوسيع . ولما حاولت مقارنة ملامح صاحبها مع صورة دار القضاء العالي عجزت . ببساطة لم أتذكر أبدا ملامح الصورة الأخرى . لكن عندما وصلت الى مدخل "الأهرام " كان على أن أمسح نعلي حذائي جيدا قبل أن أدلف الى البهو . وهكذا أضطررت الى أنظر الى أسفل كي أتبين أن مقدمة الحذاء في القدم اليسري قد غطتها طبقة من الأتربة.
مر الوقت ثقيلا . وتجنبت الحضور بين مكاتب مزدحمة للزملاء . إلا أنني عندما هممت بالخروج اصطحبت معي زميلي " محمود"بعدما دعوته للذهاب الى معرض الكتاب بمدينة نصر . وعندما بلغنا شارع رمسيس إقترحت عليه ان نذهب أولا سيرا على الأقدام الى ميدان التحرير . فاليوم ذكرى موقعة الجمل الثالثة وجريدة الأهرام التي نعمل بها لم تشر ولو بكلمة إليها . تحمس . وتبادلنا في الطريق ذكريات كلانا حول هذا اليوم الدموي الرهيب . وبالمقارنة لا حظت أن ماعلق بذاكرتي في هذا اليوم كان خاليا من المبالغة أو الإختلاق . سيارات الأجرة ومجموعات المتظاهرين المشبوهين ترفع صور "مبارك " وصولا الى ميدان الإحتجاج في التحرير . ثم النجاة من هجوم قاس شنه انصار الرئيس المتشبث بالسلطة من ناحية ميدان عبد المنعم رياض . والدور البطولي للشباب بما في ذلك الإخوان وصبية الأحياء الشعبية والورش. فذكريات ليلة مابين 2 و 3 فبراير 2011 حيث كان يجرى نقل جثث القتلي والمصابين من تلك الناحية و أصوات طلقات النار من فوق العمارات الكائنة بطرف الميدان .وكذا من أعلى الكوبري هناك . وكان على الذاكرة أن تستحضر جثة أحدهم وقد شاركت بيدي هاتين في حملها فيما غطت الدماء صدره . وتذكرت أيضا مع الصباح الباكر يوم 3 فبراير أولئك المصريون العائدون الى الميدان عبر مدخل شارع طلعت حرب يحملون الأطعمة للمعتصمين ومعها دمهم استعدادا لمزيد من الصمود و التضحيات . حقا بالنسبة لي ولمحمود لم تكن موقعة الجمل مجرد مشهد الجمال المهاجمة لمعارضي مبارك وحسب وكأنك تطالع كارت معلم سياحي التقطته عدسة مستشرق.
بلغنا الميدان من ناحية " عبد المنعم رياض " فعاينا حركة مرور طبيعية . إزدحام منتصف النهار . هممنا بالتقدم الى قلب الميدان . فصدتنا أعمال حفر في الرصيف . لكن كل شئ كان كفيلا باقناعنا بلا جدوى الاستمرار في السير . فالميدان بدا وكأنه قد تغير عما كان يوم الجمل . ولا علامة واحدة تفيد باحياء الذكرى من أي كان . أما نصب الشهداء الذي اقامته حكومة قتلت المزيد بدم بارد فقد لاح لي كحجر أصفر ملقي بلا عناية في منتصف الميدان . حجر غريب عن المكان . وأحسست وكأن قوة طاردة تدفعني بعيدا . واسرعت و"محمود" الى شارع شامبليون الجانبي كي نعود أدراجنا لنستقل حافلة الى معرض الكتاب .
ولا أدرى لماذا راودني خيال غريب بأننا عندما سنبلغة ستستقبلنا مظاهرة ضمير من شخصيات خرجت لتوها من بين دفوف الكتب تصرخ مطالبة بالحرية وبحق الشهداء وتسخط على من غدروا بالثورة وبالتضحيات والدماء الطاهرة. لكن كل شئ كان هادئا على أبواب المعرض وداخله . وقد تناهت الى السمع اصداء غمغمات غير مفهومة قادمة من ناحية سرادق " المقهى الثقافي " .كانت لمثقفين يثرثرون أمام ميكروفون وفرته لهم الهيئة العامة للكتاب. 
اشتريت بعد تردد كتابا يحمل عنوان " الجنرال المنقذ " وعليه سؤال استفهام :" من يقيل مصر من كبوتها ؟" . وقد شغلت صورة الجنرال غلافه وخلفها أسد يفتح فاه عن آخره .وقد برزت أنيابه الوحشية المخيفة. وعندما أخذت في تصفحه علي مقربة من بوابة الخروج طالعت في الصفحة الحادية عشر العبارة التالية :
" أما الفصل الخامس والأخير فهو الهدف الحقيقي من هذا الكتاب .وأتحدث فيه الى الجنرال الذي انقذ مصر ،الفريق أول عبد المنعم السيسي ، آملا أن يتقبل كلماتي والتي اعلم جيدا ان حكمته وحكمة مستشاريه تجعله في غنى عنها وعني ". 
وقلت لنفسي متسرعا في الحكم على الكتاب بأن المؤلف لا يريد منه إلا مخاطبة الفريق أول الذي أصبح "مشيرا " . لكنه هاهو يتواضع ليقول بأن " المشير" ليس في حاجة الى كلماته . إذن فلماذا الكتاب ولماذا اشتريته ؟. أليس هذا كله جنون في جنون ! .
أمام التليفزيون في منزلي كادت الرأس أن تسقط على الصدر وأنا أنظر بعيون متعبة نصف نائمة الى برنامج استضاف ابطالا صغار لموقعة " الجمل " . قالوا انهم من العاملين بالسياحة بمنطقة "نزلة السمان" في " الهرم " . وأضافوا مع تصنع البراءة انهم ما نزلوا "التحرير" إلا لأنهم يحبون الرئيس "مبارك" . ولم يرضوا باهانته . فحملوا صوره وفقط وذهبوا الى هناك. 
وببساطة قالت المذيعة في لغة حماسية لكنها غير سليمة ان موقعة الجمل وهم ولم تحدث أصلا . و أكدت : "برأ قضاؤنا العادل النزيه كل المتهمين من محبي سيادة الرئيس ورجاله بما في ذلك المستشار الجليل مرتضي منصور ".
هذا الرجل الذي رأيته يطير من الفرح وهو يرد ممتنا تحية المارة أمام سور نقابة المحامين بشارع عبد الخالق ثروت ظهيرة يوم 30 يونيو 2013 .وقد بدا وكأنه هو الآخر يقصد "التحرير" محركا ذراعيه المفتولتين بقوة وتفاخر باتجاه الميدان كي يتظاهر هو الآخر ضد حكم الإخوان وطلبا لرحيل الرئيس " محمد مرسي " . 
وأضافت المذيعة وقد لا حظت حينها أنها وضعت أحمر شفاه بلون الدم القاني :
ـ "كفانا مزايدات ".

(2)
صورة للمشير أمام دار القضاء

اليوم إجازة .. صباح الجمعة .. و كان على ان أتوجه مبكرا الى فندق " كوزموبوليتان " لمقابلة الصديق الناشر والمثقف التونسي " النوري عبيد " في التاسعة . لم يصادفني عمال نظافة في الطريق . فقط عندما صعدت من محطة أنفاق الإسعاف " جمال عبد الناصر " و أخذت في عبور شارع 26 يوليو " فؤاد" باتجاه "دار القضاء العالي" لفتت نظرى للمرة الأولى خلفية صورة عملاقة في إطار خشبي تتمدد أسفل الرصيف والى نهر الطريق ذي الإتجاه الواحد بنحو أربعة أمتار . كانت الصورة عملاقة الى حد انني من موقعي رأيتها تعلو من مستوى النظر للقادم من اتجاه شارع رمسيس مبنى دار القضاء العالي نفسه . ولأن الصورة استهدفت القادمين في سياراتهم من ناحية ميدان الأوبرا فقد كانت خلفيتها المواجهة لي بيضاء . إلا أنني وقبل أن أتمكن من النظر اليها من الجانب الآخر خمنت بحدس لم يخطئ أنها للجنرال الذي أنقلب على أول رئيس مدني للبلاد في 3 يوليو 2013 ، مستغلا كراهية شعبية للإخوان تجلت في مظاهرات 30 يونيو من العام ذاته. وأصبح هو مرشح " الإجماع الوطني " و" المفوض " من الجيش بالترشح للرئاسة . 
وهكذا حلت الصورة العملاقة محل أربع مدرعات صفراء كانت راسية أمام مدخل دار القضاء العالي تماما عند تقاطع شارعي " رمسيس " و " فؤاد" .وقد التصقت بجدران المدرعات "بوسترات" للشئون المعنوية للقوات المسلحة تتصدرها صورة الجنرال السيسي، وخلفه تتضاءل صورتان للرئيسين "جمال عبد الناصر" و"أنور السادات" . وهي بوسترات مهدت لاحقا لأن يردد الجنرال على الملأ ـ ومبكرا جدا ـ كلمتي "جيشي" و "شعبي " . 
وعندما أصبحت في وضع يسمح بتأمل وجه الصورة العملاقة المزركشة بالألوان الصارخة. ألوان القوة . بدا الرجل في ملابسه العسكرية كائنا أسطوريا لا يجاريه في فتوته أبطال السينما الأمريكية القديمة ،من أمثال "طرزان ". وقد أطل صدره نافرا الى الأمام يهجم على المارة.و الى جواره عضلات ذراعيه المفتولتين .لكنني لم أتبين إذا ماكانت الصورة على هذا النحو قد بلغت الحذاء العسكري . أم أنها توقفت الى مادون الركبتين . كما لم أتوقف لأحصى عدد النسور والسيوف و النجوم المكدسة فوق كتفيه . إذ كانت صحيفة صباحية قد انفردت بنشر صورة للجنرال في زيه العسكري محملا بما لذ وطاب من علامات وأمارات رتبة "المشير" . وقبيل سريان قرار ترقيته من رتبة الفريق أول الى الرتبة التي لا تعلوها رتبة بحلول الأول من فبراير 2014 ، و من دون إنجاز عسكري أو سنوات أقدمية.
لم أتمكن لا من هذا ولا ذاك . فقد عاجلني صوت جاء من خلفي بعبارة بدا وكأنها تحاول التفتيش في السرائر :" إمتى بقي يقلع البدلة الميري .. ويلبس الملكي .. كلنا عايزينه ريس ..مش كده ياأستاذ؟". لكن الرجل الذي أصبح في محاذاتي تماما بدا فقيرا على باب الله . هكذا هي هيئة ملابسه وحذائه المهترئ . وإن سرت في أوصالي قشعريرة من وقع اقتحامه لي بعبارته تلك .و ظننت أن الرجل ثمل بخمر متواضع الصنف لا يبيعه محل المشروبات الكحولية على الجانب الآخر من الرصيف مقابل الصورة العملاقة . خمر لا يعاقره حتى مرتادو البارات من صغار مثقفي الدولة الآكلين من فتات الدكتاتوريات المتعاقبة الملوثة بدماء وآهات شعبهم وفقرائه . وهكذا تظاهرت بالصمم . وقاومت رغبة عارمة في أن أحث الخطى . فتعمدت أن أواصل السير على نفس الوتيرة ، حريصا على كبح أي مظهر للانفعال أو الاضطراب في مشيتي . وما إن تخلصت من مرافقة الرجل واسترسال كلمات لم أعد أعيها ومعها سطوة الصورة التي لم أر مثيلا لضخامتها وإرتفاعها عندما زرت دمشق في عنفوان الرئيس الأسد الأب وعبادة الزعيم السوري قبيل وفاته في عام 2000 بشهور قليلة حتى بلغت بائع الصحف أمام مقهي " الأمريكين ". 
بعد نظرة لم تستغرق دقيقة اختصرت عناوين الصفحات الأولى في عنوان واحد طلبت صحيفة الأهرام التي أعمل بها مع صحيفتين اعتدت شراءهما. لم اتوقف عند الصفحة الأولى للأهرام بأكملها أو الصحيفة كاملة .بل تناولت "ملحق الجمعة" لأطالع حديثا أجريته مع المفكر اللبناني " كريم مروة ".وكتبت عنوانه الرئيسي من كلمات الرجل :" المرحلة القادمة من الثورات العربية طويلة وحافلة بالصراعات". ولم أندهش عندما وجدت العنوان قد جرى استبداله وتحوير كلمات الرجل لتبشر بالتفاؤل إزاء مستقبل البلد، فيما الناس يقتلون يوميا في الشوراع وقد ديست كرامة أهلهم . كما صدق حدسي هذه المرة أيضا وأنا أطالع سؤالا وجهته عما إذا كنا قد استوعبنا دروس وأخطاء انكسار حركة التحرر الوطني بما في ذلك ظاهرة الزعامة الكارزمية . فوجدت ان مايتعلق بالكاريزما جرى حذفه من السؤال ، مع أن الحوار الصحفي لم يتطرق بالاسم أو الإشارة الى "السيد الفريق أول " الذي أصبح هكذا "سيادة المشير ".
ومع ذلك فقد شعرت بغصة .ولمت نفسي لأنني لم أصر على سحب الحوار عندما شعرت بسوء نوايا وكلاء " التوجيه المعنوي".وحنقت على شاعر أصبح يمتدح العسكر ليل نهار وينصب من نفسه مدافعا عن "جيشنا" كل يوم في صحيفة أخرى، فتولى الاشراف على " ملحق الأهرام" قبل أيام وأعمل سيفا صدئا في الحوار التعس . و لم أملك إلا ان القي بالصحف التي في يدي الى أقرب سلة مهملات في الطريق . 
وحين بلغت باب الفندق كان على ان اتجرد من كل ماهو " معدني " حتى أعبر الى الداخل . ومع أن رجل الأمن على الباب كان يقاوم غفوة مبكرة . إلا أنه تأسف من تعليمات بالتشدد في مثل هذه الأيام التي وصفها بـ " الصعبة " . وعلى أية حال ، فقد شعرت بأن بهو الفندق أكثر عتامة عما كان في السابق . ولا حظت للمرة الأولى ان جانبا من الحوائط الداخلية مكسوة بخشب داكن اللون فيما صرير المصعد صعودا وهبوطا يكسر الصمت .و يضفي أجواء من الأسي بلا حدود . وحين نزل صديقي استقبلته بأحضان فيما كان على أيضا ان أتجرد من كل ماهو " هموم" صباحية . وعندما اصطحبني الى مطعم الفندق ليتناول إفطاره . لا حظت انه خال من أي رواد . بل وشعرت بمزيد من العتمة وبسطوة الصمت .
حاذرت وربما حاذرنا كلينا أن نتحدث في أوضاع البلد السياسية في مكان مغلق . ولذا انطلقنا بعدما تناول الصديق افطاره الى مقاه مجاورة مفتوحة على شوارع وسط البلد خلف " بورصة الأوراق المالية " . لكن رفيقي كان لديه حساسية زائدة ومبالغ فيها إزاء هواء نهاية يناير البارد ، مع ان كراهيته العمياء كيساري تقليدي لا تضع حاجزا بينه وبين كل من يقمع " الإخوان " حتى ولو كان ديكتاتورا في لباس رجال الأمن والعسكر. فاقترح ان نذهب الى " جروبي " ميدان طلعت حرب . وفي الطريق كان بامكاننا أن نتحدث قليلا في السياسة . لكن عندما دخلنا الى المقهى وأصبحنا خلف زجاجه لاحظت أننا أصبحنا أكثر حرصا في الحديث . وذلك مع أن أحدا لم يكن هناك . باسثناء النادل الذي انشغل في الصالة المجاورة بمتابعة شاشة التليفزيون وهي تعيد أغنية " تسلم الأيادي ".

(1)
على محطة المعادى

كنت متوجها إلى محطة مترو المعادي ظهر السبت 25 يناير الماضي قاصدا وسط البلد، في الطريق رأيت لافتات معلقة تهنئ الشرطة بعيدها في 25 يناير وعليها صور السيسي ومحمد إبراهيم، لا كلمة واحدة عن الثورة، وحتى صور الشهداء على جدران أحد المنازل في ميدان الحرية جرى محوها بعناية.
عندما وصلت إلى المحطة من ناحية شارع 7 كانت الساعة الواحدة ظهرا، لاحظت فور الدخول إلى الرصيف المؤدي إلى “المرج” طليعة تجمُّع للشباب على مدخل المحطة في الجانب الآخر (شارع 9)، وتبين لي بالكاد أعلاما بيضاء مرفوعة وعلى اثنين منها اثنان من البورتريهات للشهيدين الشيخ عماد عفت ومينا دانيال، بدا لي أن الهتافات كانت ضد العسكر والإخوان معا، دقيقة أو دقيقتان وشاهدت مجموعة من الشباب بملامح بلطجية تأتي مسرعة من خلفي لتعتلي الكوبري باتجاه الرصيف المقابل، وكان أحدهم يعلق في رقبته رباطا تتدلى منه صورة السيسي في ملابسه العسكرية، وعندما بلغوا الرصيف أخرجوا خراطيش وبدأوا في استهداف المتظاهرين.
وسرعان ما تبيّن لي أن الهجوم على المتظاهرين المعارضين كان على هيئة “كماشة “، فرغم الهجوم من الأمام فقد اندفعت أعداد منهم إلى داخل المحطة على الرصيف، فيما ظهر مطاردون لهم من شرطة بملابس رسمية وملابس غير رسمية وهم يحملون المسدسات والسلاح الآلي وبعضهم ملثم في ملابس سوداء. كان المشهد مرعبا، وأصوات طلقات الخرطوش والنار تتردد في جنبات محطة المترو، والبلطجية من حاملي الخرطوش وضاربيه يعملون في حماية الشرطة، بل ورعايتها، والناس حتى في الجانب الآخر من المحطة تبحث عما تحتمي به.
انطلق المطاردون وراء المتظاهرين الفارين على قضبان المترو باتجاه محطة ثكنات المعادي، وساد الرصيف المتجه إلى حلوان نفسه مشهد مخيف من رجال الأمن الشاهرين سلاحهم. يقينا كان الشباب المتظاهر لا يحمل أي سلاح ولا حتى الحجارة، لم يكن معهم سوى أعلامهم وحناجرهم وصور شهداء ثورة يناير.
جاءت رحلتان من المترو في اتجاه “المرج”، ولكنهما لم تتوقفا في محطة المعادي، والركاب متسمرون في أماكنهم رعبا لا يعرفون كيف يتحركون، لقد أربكتهم المفاجأة، فقط احتموا بالأعمدة والحوائط. وسنحت الفرصة لي لتبين ملامح وجوه البلطجية العائدين مظفرين من غزوة الرصيف المقابل، كانوا شبابا تحت العشرين في وجوههم آثار معارك ربما جرت بالسكاكين والمطاوي وشفرات الحلاقة، وبدت على الوجوه ملامح نشوة الانتصار، بينما صاح شرطي من الرصيف المقابل: “قبضوا على ولاد الكلب”.
فكرت في أن ألتقط بكاميرا صغيرة كانت معي أو بعدسة الهاتف المحمول، صورة للبلطجية أو أحدهم ممن عادوا للتجمع خارج المحطة باتجاه شارع 7، أو لرجال الشرطة بملثميهم على الرصيف الموازي لشارع 9، لكنني شعرت بالخوف وتحسبت للعواقب، وتذكرت زميلي “أحمد محمود” الذي قتله ضابط شرطة في ملابسه الرسمية وهو يلتقط الصور من شرفة مكتبه في شارع محمد محمود يوم 29 يناير 2011، وقمنا بتعليق صورة قاتله، التي التقطها بكاميرا هاتفه، في بهو مدخل نقابة الصحفيين لمدة نحو شهر كامل أثناء حكم المجلس العسكري الأول.
لكن عبثا لا الداخلية ولا النائب العام ولا القضاء تفضل أي منهم بالبحث عن صاحب صورة قاتل الشهيد، وتذكرت أن أيا من رجال الشرطة والجيش من قاتلي الشهداء لم يحاسب أبدا.
الرحلة الثالثة للمترو بعد مشهد الفزع هذا توقفت، ودخلْتُ إلى عربة نصف فارغة، ولفنا صمت لم يقطعه إلا نداء إثنين من الباعة الجائلين من الشباب الأقل من العشرين عاما ركبوا من المحطة التالية “حدائق المعادي”، وأخذوا في الصياح على بضاعتهم من صور السيسي وعلَّاقات في الرقبة تحمل صوره، كسروا صمت العربة وهم يجوبونها جيئة وذهابا يستحثون الركاب على شراء بضاعة “البطل” بجنيه وبجنيهين، لكن أحدا لم يشترِ، بل كان بإمكاني أن ألاحظ أن عيون الركاب الزائغة أصلا حرصت على ألا تلتقي بعيون البائعين أبدا.
هبط الشابان في المحطة التالية “دار السلام”، وحمدت الله لأن أحدا منهما لم يُخرج من ملابسه مسدسا ويفرغه في زبائن غير متجاوبين وغير متحمسين، وأكمل المترو رحلته فيما تأبد صمت العربة مختلطا بنظرات توجس بين راكبيها.
عندما عدت إلى البيت في نحو الرابعة عصرا، بعدما أخذت جرعة كافية من مظاهر “عبادة الفرد” ومعها مزيدا من الشواهد بالعين واليقين أن الشرطة تتصدى بأقسى درجات القمع والوحشية لأي صوت آخر يرتفع يخالف “مارش تسلم الأيادي”، وجدت زوجتي وقبل أن أنطق بكلمة واحدة تلح أمام إبني أن نغادر هذا البلد.
كانت هي الأخرى مرعوبة، رغم أنها لم تكن قد غادرت المنزل في هذا اليوم قط، ولم أكن قد أخبرتها بشيء مما رأيت بعيني مما جرى في محطة المعادي الواحدة ظهر يوم السبت 25 يناير 2014.
ملحوظة: الآن وأنا أكتب هذه الشهادة، تذكرت أنه كان ينبغي أن أكون متوجسا من التفجيرات، وخشية أن يكون أحدهم يستهدف المترو بالمزيد من الانفجارات، لكن ما جرى أنساني حتى هذه اللحظة الخوف الأول المفترض.
إرسال تعليق