السبت، 23 نوفمبر، 2013

سليم عزوز: التسلل في "عز الظهر" إلى فلسطين!

 
الراية
صرنا لا نعرف من أين تأتي المصائب، فقد صارت كل الجبهات مخترقة، على نحو
صرنا فيه نلدغ من مأمننا، أو ما كنا نظن أنه المأمن والملاذ الآمن!.
ففي مصر أزمة جديدة، سببها قيام خمسة عشر صحفياً بزيارة الضفة والقدس، خرقاً لقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بتجريم التطبيع مع إسرائيل، وهو القرار الصادر من أعلى سلطة في النقابة وهي جمعيتها العمومية، في سنة 1980، رداً على توقيع الرئيس السادات لمعاهدة السلام مع إسرائيل، وهو القرار الذي دشن لتجريم التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وأحيل من اخترقه للتحقيق والإدانة وقد بنى نقيب الصحفيين الحالي ضياء رشوان شهرته بالهجوم على رئيسه المباشر في العمل الدكتور عبد المنعم سعيد رئيس مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة "الأهرام"، والذي طبع، وأدار المركز في هذا الاتجاه، على نحو جعله عرضة لحملة صحفية قامت بها جريدة "الأسبوع" ورئيس تحريرها مصطفى بكري، جرى وصف المركز فيها بـ " المستوطنة"!.
لم أصدق عيني، عندما شاهدت أحد الصحفيين الشبان، ينشر صوراً له أمام المسجد الأقصى، بما عرف عنه من طموح جارف في زمن الحزب الوطني، وقد توقف نمو طموحه بقيام الثورة، لكن ربما عاد الطموح متمدداً بالثورة المضادة!.
ثم كان الحديث عن أن هناك وفداً كاملاً سافر الى الضفة والقدس، وليس مجرد شخص واحد، ربما لا يعرف عاقبة ما أقدم عليه، وإذا بنا نستيقظ ذات صباح على أن الوفد يضم 15 صحفياً، وأن من بينهم ثلاثة من أعضاء مجلس النقابة، وبدا لي الأمر كله مؤامرة، لحلحلة قضية التطبيع، وهو أمر فشلت فيه الحكومة المصرية نفسها، على مدى ثلاثين عاماً، وكان رد أهل الحكم حتى في زمن الانبطاح، على شكوى إسرائيل الدائمة بعدم تنفيذ بند مهم من اتفاقية السلام والخاص بالتطبيع الكامل بين الشعبين، بأن هذا خارج عن إرادتها، بل إن وزارة الزراعة إذا كانت تقوم بالتطبيع فإن وزارة أخرى كوزارة الثقافة سارت في اتجاه الرأي العام، والرأي الغالب للمثقفين، فرفضت التطبيع في المجال الثقافي وعضت على موقفها بالنواجذ!.
كانت هناك محاولات دائمة طيلة السنوات الماضية، لاختراق الإجماع الشعبي برفض التطبيع، لكن هذه المحاولات كانت تنتهي بنبذ من يقومون بها، وقد أنهت على كاتب بحجم علي سالم، وصارت زيارته للأراضي العربية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي تدفع المثقفين للفرار منه فرارهم من المجزوم، وكل من فعل ذلك من الصحفيين جرى التحقيق معه، وإدانته، وأحدهم صدر قرار مجلس النقابة بمنعه من ممارسة مهنة الصحافة لعدة شهور، جزاء وفاقاً على مخالفته لقرار الجمعية العمومية، وهو القرار الأهم في تاريخ هذه النقابة العريقة.
لقد تذكرت عندما علمت بأمر الوفد الزائر للأراضي العربية المحتلة، كيف فوجئنا بظهور المفتي السابق" علي جمعة" في القدس، وبدون سابق إعلان، وكانت البلاد في حالة انقسام سياسي، لم تجعل الناس يتصدون لخرقه لما استقر عليه الإجماع الوطني، وإن كانت حالة الشحن السياسي لم تمنعني من التساؤل عن سر هذه الزيارة الآن، وما هي الدوافع؟!
ولما لم يكن متاحاً في ظل الحالة الضبابية التي تعيشها البلاد أن يتوصل المرء إلى إجابة مقنعة من الزائر، فكان طبيعياً أن نجتهد للتوصل الى إجابات، وما توصلنا إليه يجعلنا ندور في فلك المؤامرة، فالرجل ليس ساذجاً لكي يقدم على ما فعل بطيبة نية وسلامة طوية.. وفتاوى الدم وإباحة القتل التي صدرت عنه في الآونة الأخيرة كاشفة عن أنه جزء من مؤامرة كبرى، ولا تنسى أنه صار مفتي الفريق السيسي، وأحد أركان انقلابه بفتاواه المنحازة!.
لقد بدا واضحاً أن إسرائيل، وعبر دوائر فلسطينية مقربة، سعت لاستغلال حالة اشتباك القوى الحية في مصر، لتمرير قضية التطبيع حتى إذا عادت الأمور إلى طبيعتها، صار التطبيع هو تحصيل حاصل، وصار حظره ينتمي إلى التاريخ، وجاءت الضربة الموجعة من ثلاثة من أعضاء مجلس النقابة التي كانت على مر تاريخها هي صاحبة الصوت الأعلى في مواجهة من سعوا للالتفاف على ما استقر عليه الإجماع الوطني من رفض التطبيع، وباعتبار أن هذه قسمتنا فيما نملك كشعوب مغلوبة على أمرها، فليعذرنا الجميع فيما لا نملك متمثلاً في توجه سلطة الحكم، وتم اعتماد مقولة:"للحكومات خياراتها وللشعوب إرادتها".
وكانت قضية التطبيع هي القضية المرجحة عند التصويت في الانتخابات المحتدمة على موقع النقيب، ولعلنا نعلم أن مكرم محمد أحمد بكل تاريخه المهني، كان ينجح في الانتخابات بصعوبة بسبب قضية التطبيع، وآخر انتخابات خاضها كانت في مواجهة ضياء رشوان، مع أن مكرم كان يردد دائماً أنه زار الأراضي العربية المحتلة في مهام مهنية وبدا أمام الرأي العام الصحفي كمن اجتهد فأخطأ، وفي كل مرة كان يعلن تمسكه بقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بحظر التطبيع!.
ومن قبل وعندما احتدمت المنافسة بين صلاح منتصر مرشح السلطة بما تملكه من امتيازات، وبين المستقل جلال عارف على منصب نقيب الصحفيين، كانت ثلاثة مقالات كتبها الرائع شفيق أحمد علي، في جريدة " العربي"، عن ارتكاب منتصر جريمة التطبيع، المنهي عنها سياسياً ونقابياً ووطنياً، كفيلة بحسم المعركة تماماً ليسقط صلاح منتصر وينجح جلال عارف.. لا أظن أن أحداً من الوفد المسافر يعرف شفيق أحمد علي، وللجميع العذر، ففي مصر تكتب غادة الشريف، صاحبة المقال التاريخي"اغمز بس بعينك" وهي تخاطب السيسي، ولا يكتب شفيق أحمد علي!.
لا أستبعد وجود دوائر الانقلاب في الموضوع، وهي التي تتقرب إلى إسرائيل بالنوافل، على نحو دفع أحد القادة الإسرائيليين للاعتراف بأن التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر في العهد الجديد أقوى مما كان عليه في عهد مبارك، ولنا أن نعلم أن الشركة المكلفة بأمن الخط الملاحي في قناة السويس يقوم عليها ضباط إسرائيليون عملوا في البحرية الإسرائيلية، كما أن شركة الدعاية التي تتولى الترويج للقوم في الولايات المتحدة لها علاقات وثيقة بالكيان الإسرئيلي، وبالمنظمات اليهودية المتطرفة!.
فلا أستبعد أن تكون حلحلة قضية التطبيع هي عربون محبة من قبل قادة الانقلاب في مصر، فإذا رضت إسرائيل عن الانقلاب رضت واشنطن بالتبعية، ومن حصل على التأييد الأمريكي فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها!.
لقد بدا مثيراً للغاية أن من ذهبوا للأراضي المحتلة يدفعون بنا في اتجاه آخر، للتغطية على موضوع الاتهام، ووصل الحال الى حد التطاول الشخصي على من ينتقدون ما ارتكبوه، لدفعهم للانشغال بالدفاع عن أنفسهم، وهو أسلوب يوجد في الأمثال الشعبية ما يفسره ويمثل إطاراً فكرياً له.
لقد أضحكونا وهم يؤكدون أن المعترضين عليهم قاموا بالتآمر على "دورهم الوطني" وكشفوا أمرهم للأمن الإسرائيلي بالنشر، وهم الذين ذهبوا إلى هناك متسللين، وعلى أطراف أصابعهم، مع أن الإعلان عن الزيارة المنكوبة، كان من قبل أعضاء بالوفد، فهم الذين نشروا صورهم ربما جهلاً، وربما لأن أحداً من الداعين والمنظمين لا يقبل أن تكون الزيارة سرية!.
نغمة " التسلل على أطراف الأصابع" شاعت عندما قيل إن السماح للوفد بالدخول للأراضي المحتلة لا يكون سوى بتأشيرة إسرائيلية إذا لم توضع على وثيقة السفر، فإن الكيان الإسرائيلي يضعها في ورقة منفصلة، وهو إجراء تفعله إسرائيل مع العملاء، على حد تعبير زميلنا ناصر حجازي، فكان حديث التسلل الذي أكد خرافة الأمن الإسرائيلي، فخمسة عشر صحفياً ليس لهم خبرة في التسلل، وإن شئت فقل إنهم متسللون "تحت التمرين"، ومع هذا فقد صفعوا الأمن الإسرائيلي على قفاه، في عز الظهر!.
المؤسف هو ظن المتسللين أن الأزمة في التأشيرة، فما داموا تسللوا ليلاً، ودخلوا الأراضي المحتلة تحت جنح الظلام الدامس، والناس نائمة، فلا تثريب عليهم ولا يكونون بالتالي قد ارتكبوا المحرم، ولو سلمنا بمبدأ حسن النية، لوقفنا على الجهل التام بمفهوم التطبيع المستقر لأكثر من ثلاثين عاماً، ولا بأس فليس من بين الذين نعرف من أعضاء الوفد من كان مشغولاً يوماً بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وليس من بينهم من كانت القضية الفلسطينية مطروحة على جدول أعماله يوماً.
لقد أوقف البابا شنودة شعيرة دينية، وهي الحج لبيت المقدس، لأنه يعلم أن السفر - مجرد السفر - بصرف النظر عن التأشيرة هو التطبيع، فالإجماع منعقد على أن السفر للأراضي الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، هو تطبيع، وقال لن أزور القدس إلا بعد جلاء الاحتلال ويدي في يد شيخ الأزهر!.
انتبه، الصديقة الكبرى إسرائيل على الأبواب، وهذه واحدة من إفرازات الانقلاب العسكري في مصر.
كاتب وصحفي مصري
azouz1966@gmail.com
إرسال تعليق