الأحد، 22 سبتمبر، 2013

مصر: رحل العسكر رجع العسكر! / حمـد نـزال

في جغرافيا الأمس القريب كان سقوط بغداد إيذانا بسقوط دمشق، وكانت ”المحروسة” السد المنيع الذي يوقف تدحرج المدائن في قبضة الغزاة. ومن غير إغفال لعوامل اليوم الجديدة (بترو-دولار/ غاز)، فإن مبتغى الطامع يظل ثابتا: من شرب ليترا من ”برميل” المنطقة أراده كله.
هوية المنتصر في حرب سوريا تشكلت فعلا لتصب في مصلحة أعداء هذا البلد، وبصرف النظر عمن سيجهز على الثاني أولا (الجيش أم المعارضة المسلحة)، فإن افضل سيناريو ممكن سيكون تحول دمشق لبغداد جديدة يكون الدم فيه عنوانا تلفزيونيا مكررا لسنين عجاف. لقد سقطت بغداد ودمشق وهما تحت حكم العسكر.
لامني أصدقاء من دول ”الربيع” كوني لا أتابع سوى تفاصيل الشأن المصري. وتبريري تمحور حول دور مصر وأثرها في المنطقة. قلت حينها إن متابعة أمر أرض الكنانة هو فرض عين.
اليوم، وانا أحدق بفتور في قاهرة الأعداء أراها شاحبة منقسمة يعيد ساستها خطاياهم، فتدب الحكومة الرعب في قلوب الناس وتخوفهم، ويعود البوليس فيضرب ويقتل المعتقلين أمام الكاميرات. وتحرق الكنائس والمساجد، ويقتل بعض الإسلامويون من الناس ما يقتلون، ويدوس العسكر صور مرسي المعزول بالبسطار، ويطبل نجوم الرياضة والإعلام للنسخة المصرية من الفيلم الأميركي الطويل ”الحرب على الإرهاب”، ويصور المعتقلون بطريقة مهينة، وتتسارع النخبة والنشطاء لتأييد الطوارئ، ويبايع ”علية” القوم لقائد الجيش سلفا بكرسي الرئيس.
في خضم البحث المحموم عن بطل، يظهر الجنرال السيسي. فيخلص الناس من ”هبل” الإخوان البين والإقصاء والتكويش وسذاجة الرؤية والتربيطات الدولية المريبة؛ فتفرح الناس وتنقسم ايضا ليشيطن كل طرف خصمه أو ليلغيه؛ ويكشف إعلام القاهرة أنه بضغطة زر يسير في أي إتجاه تريده، ويسير معه القطيع؛ ويهتف الجميع: يحيا العسكر يحيا العسكر!
من الذي أفتى بحصول تبدل جذري في عقيدة ومصالح كبار الجند لتصبح ملتصقة بأحلام الناس وجموعها المسحوقة؟ لماذا يصر العسكر على منع تحديد حد أعلى للأجور ( بضعة ألوف من كبار الموظفين والعسكر يتقاضون مليون جنيه شهريا) وما هي علامات التحول في نهج قيادة وزارة الدفاع المصرية ذات المزايا الطائلة؟ وهل يستقيم أمر مصر بتسليمها مجددا لمن جرب جيدا في عهد الجنرال مبارك وولاته اللواءات أو مجلس الجنرال طنطاوي؟ أوليس صحيحا أن لب النزاع بين الجيش والإخوان لا يعدو كونه صراع ”ضراير” للتقرب من قلب البيت الأبيض.
لم تكن ”كامب ديفيد” السياسية خطيئة الجنرال السادات الكبرى، بل تلك التفاهمات الاقتصادية التي انتهكت قلاع التصنيع المصرية (بدأت بمحمد علي واحياها عبدالناصر)، ودمرت قلاع القطن والقمح والتقاوي / البذور. إنها السياسات التي كان الجنرال مبارك وفيا لها فتابع الإنفتاح محولا اقتصاد مصر لسمسرة وخصخصة واستجداء جعل جموع الناس إما فقراء وتائهين ومغتربين أوبلاطجة ومختلسين ناهيك عن ملايين أطفال الشوارع ومثلهم عددا مرضى الكلى والسرطان والفساد الشامل.
منذ 1978 قدم الجنرال أنور السادات لقيادات جيشه ”ضرعهم” الجديد المجيد (البنتاغون)، لقد آمن الرجل بأن لواشنطن 99 بالمئة من أوراق الربط والحل، وبأنها هي لا الشعب مصدر السيادة. وكان سلفه مقلدا حريصا على الوفاء لإلتزمات سابقه. ن
إن كل ما نحلم به أن يشذ الجنرال السيسي عن إرث عسكر اليوم وأن يحافظ على صورة القاهرة القلعة التي لا تسقط، بل وتوقف سقوط العواصم.
*صحفي مستقل
إرسال تعليق