السبت، 27 يوليو، 2013

محمد محسن ابو النور يكتب : عندما كشفوا أنهم دبروا للانقلاب في أكتوبر من حيث لم يخطر لهم على بال!!


قبل أيام نشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية ذائعة الصيت تقريرا مطولا كشفت فيه أن الجيش المصري دبر للانقلاب قبل 30 يونيو/تموز بسبعة أشهر، وبالنظر إلى المصداقية العالية التي تتمتع بها الجريدة وسمعتها في كونها تحصول على معلوماتها من مصدارها الموثوقة فإن الأمر كان خطيرا جدا حتى بالنسبة لأكثر المتحمسين لحركة الفريق أول عبد الفتاح السيسي والتي أطاح خلالها بالرئيس الوحيد المنتخب ديمقراطيا في تاريخ المصريين.

وبعدها بيوم واحد نقلت الصحيفة البرلينية الشهيرة "ددويتشه تسايتونغ" ـ وهي الصحيفة الأكثر شهر للناطقين بالألمانية حول العالم ـ عن مصادرها الموثوقة أن السيسي أصدر أوامره لوزراء الكهرباء والطاقة والبترول بإغلاق صنبور الكهرباء ووقود السيارات عن المصريين، لتأليب الناس على حكم الرئيس محمد مرسي، وهو ما فعله الوزيران بامتياز ونالنا مكافأتهما بأن استمرا في حكومة الببلاوي المعينة بعد الانقلاب.
كل هذا لم يكن مهما لي فقد اعترفت صحافة العالم من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق بأن ما حدث في 3 يوليو/تموز 2013 كان انقلابا مكتمل الأركان.
لكن الأمر اللافت للنظر والجدير بالملاحظة والتامل هي الاعترافات شديدة الخطورة التي كتبها ياسر رزق رئيس تحرير "المصري اليوم" أمس الخميس تحت عنوان "السيسي الذي أعرفه".
كتب رزق مقاله الذي جاء في (2777) كلمة ليعبر فيها عن ولائه الخاص لشخص الفريق أول عبد الفتاح السيسي أو بمعنى أدق كتب المقال في سياق استحضار نموذج محمد حسنين هيكل عند الكتابة عن شخص الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.
وهو حر في آرائه على كل الأحوال؛ لكن ياسر الذي أراد أن يجند قلمة في خدمة السيسي اعترف هذه المرة ومن حيث لا يدري بأن ما حدث كان انقلابا دبر له الجيش منذ الأسابيع الأولى من حكم الرئيس المدني المنتخب الدكتور محمد مرسي.
ومن خلال هذا المقال يجب الإشارة إلى النقاط العشر التالية والتي اعترف فيها ياسر رزق بخطوات ومراحل انقلاب السيسي ورفاقه على شرعية الدكتور محمد مرسي:
1. يقول ياسر رزق: "حينما فاز مرسي بالرئاسة، سألت اللواء السيسي: هل تعتقد أن مرسي قادر على التحرر من سيطرة الجماعة ومكتب إرشادها ومرشدها العام؟!. وكانت إجابته ذات المغزى العميق: «المسألة ليست هل هو قادر.. إنما هل هو يريد؟".
وفي تلك الفقرة يجب الالتفات إلى أن السيسي كان مهتما منذ البداية بعلاقة الرئيس مرسي بجماعته، أو بمعنى أدق يمكن القول إن رضى السيسي عن رئيسه المنتخب محمد مرسي كان مرهونا بتخلص الأخير من انتمائه للجماعة.
2. ناقض ياسر رزق نفسه عندما كنتب: "تردد المشير طنطاوي في اتخاذ قراره بالترجل يوم 30 يونيو 2012، وأحجم عن الاعتزال وهو في ذروة مجده، حاكماً يسلم السلطة لرئيس منتخب، ولم يكن يتخيل أنه يترك مهمة كتابة ورقة النهاية في مشواره العسكري للرئيس مرسي الذي صور الأمر على أنه يوم النصر المؤزر لجماعة الإخوان على حكم العسكريين الذي دام 60 عاما. وفي يوم 12 أغسطس، أصدر مرسي قراراً بتعيين الفريق أول عبدالفتاح السيسي قائداً عاماً ووزيراً للدفاع والفريق صدقي صبحي "قائد الجيش الثالث" رئيساً للأركان، والحقيقة أن مرسي وضع توقيعه على قرار المؤسسة العسكرية باختيارها قائدها ورئيس أركانها الجديدين" وفي موضع آخر قال "إن خروج المشير طنطاوي كان بشكل غير كريم".
والسؤال الآن للخروج من هذا التناقض الفج: كيف لطنطاوي أن يقرر الاعتزال ثم يخرج بشكل غير كريم؟ وما الذي ينتقص من المؤسسة العسكرية لو خرج قائدهم بشكل قالت فيه الرئاسة أنها عينته مستشارا لها بعد أن احالته للتقاعد؟!!.
3. كتب ياسر يقول: "حلت ذكرى نصر السادس من أكتوبر، وكان الاحتفال الذي أقيم بهذه المناسبة كارثياً بكل المقاييس! فقد سحب مرسي تنظيم مراسم الاحتفال من القوات المسلحة وأسندها إلى وزير شبابه الإخواني، وتجاهل دعوة قيادات حرب أكتوبر إلى الاحتفال، وملأ المدرجات بأعضاء حزب الحرية والعدالة، وأجلس في المنصة الرئيسية قتلة الرئيس الراحل السادات بطل الحرب، وأبعد وزير الدفاع وقادة القوات المسلحة عن صدارة المشهد في يوم عيدهم. نكأ هذا الاحتفال جراح رجال الجيش التي لم تبرأ من صدمة الخروج غير الكريم للمشير طنطاوي والفريق سامي عنان، ووصل الغضب في صفوف القوات المسلحة إلى درجة الغليان، وبدا أمام الجميع أن مرسي فقد اعتباره كقائد أعلى للقوات المسلحة".
ووفق هذه المعلومات الخطيرة؛ فإن قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة قرروا منذ يوم السادس من أكتوبر/تشرين الأول، أن مرسي لم يعد رئيسهم وبالتالي فهو ليس رئيسا لكل المصريين، لسبب لا أعتبره خطيئة في حق القوات المسحلة، وهذا التصرف في حد ذاته انقلاب داخلي بين الـ 19 جنرالا على الشرعية حتى وإن ظل تحت الطاولة ثم انفجر يوم 30يونيو/حزيران2013م.
4. يشير ياسر رزق إلى هذا الانقلاب الداخلي بقوله: "زادت النقمة في الأيام التالية، مع ترافق عدد من الأحداث، منها نشر خبر في إحدى الصحف يسيء إلى طنطاوي وعنان، وتسابق المواقع الإلكترونية الإخوانية إلى بث كل ما يشوه صورتهما، ثم دعوة السيسي إلى اجتماع في الرئاسة لمناقشة تأمين مليونية الحساب، وتبين أن الغرض من الاجتماع هو استبعاد النائب العام، ومحاولة الزج بالجيش في صراع الرئاسة مع القضاء. ولأول مرة منذ تولي مرسي السلطة، صدر بيان باسم قادة وضباط وصف وجنود القوات المسلحة يعبر عن استيائهم من الإساءة لقادتها السابقين، وكانت تلك أول إشارة حمراء لمرسي وجماعته".
(لاحظ) يقول ياسر أن تلك كانت أول "إشارة حمراء"، وهذه الإشارة كانت قبل تكرر قطع الكهرباء أو اختفاء وقود السيارات بشكل مفاجئ أو حتى ظهور حركة تمرد من الأساس؛ وهو يؤكد مذهب أن الجيش هو من دبر للانقلاب بخطوات شديدة الذكاء والهدوء في آن.
5. يقول ياسر رزق: "في 30 يناير.. التقى السيسي بطلبة الكلية الحربية، ومن داخل هذا الصرح العلمي العسكري العريق بعث برسالة إلى الرئيس وكل القوى السياسية يحذر فيها من خطر انهيار الدولة ثم التقى السيسي بـمرسي وقال له بوضوح: "لقد فشلتم ومشروعكم قد انتهى".
وهو ما يعزز من يقين أن السيسي في تلك المقابلة قرر هدم حلم الدولة المدنية الديمقراطية على نحو لم يسبقه إليه أحد قط.
6. يقول ياسر: "أعلن الفريق صدقي صبحي، رئيس الأركان، لتليفزيون أبوظبي تصريحه القنبلة الذي قال فيه إن القوات المسلحة لا تنتمي لفصيل ولا تمارس السياسة، وعينها على ما يدور، وإذا ما احتاجها الشعب ففى أقل من ثانية ستكون موجودة في الشارع".
وهو ما يشير في وجهة نظري إلى أن الفريق صدقي صبحي ليس شريكا رئيسيا في الانقلاب العسكري فحسب بل إنه أعلن من وقته عن أن العقيدة القانونية للقوات المسلحة المصرية قد تغيرت أو أنه استبدلها من حمايتهم للشرعية الدستورية إلى حمايتهم لشرعية الهتاف والحناجر!!.
7. يقول ياسر: "في يوم 17 يناير.. سرت موجة من الشائعات عبر المواقع الإلكترونية تفيد بوجود نية لإقالة السيسي، وتتبعت أجهزة القوات المسلحة الشائعة واكتشفت أن مصدرها مواقع تابعة لجماعة الإخوان.. وصدر في اليوم التالي تصريح ناري لمصدر عسكري قال فيه: إن إقالة السيسي تعني انتحاراً سياسياً للنظام بأكمله".
ما يعني أن الجيش المصري حرم الرئيس المصري باعتباره القائد الأعلى للقوات المسحلة من حقه في تغيير وزير دفاع حكومته وهو ما يعضد فكرة أن الجيش كان منقلبا على الرئيس وأنه ـ أقصد الرئيس مرسي ـ ما كان ليقدر على عزل السيسي وأنه جنّبَ البلاد الدخول في صراع حاد مع القوات المسحلة منذ وقت باكر من فترة رئاسته.
8. يقول ياسر في موضع آخر من مقاله: "بعد اجتماع الرئيس مرسي مع المجلس عسكري يخرج وزير الدفاع لأول مرة ليتحدث جنباً إلى جنب مع الرئيس الذي وقف بين القادة مشدوداً مشدوهاً، وكأنه في وضع انتباه!".
أيُ كرامةٍ لرئيس منتخب وهو يقف كما يقول ياسر في وضع عسكري بجوار مرؤسه القائد العام الفريق أول السيسي. هل كان مرسي من وقتها رئيسا أم كان هناك انقلاب لم يعلن عنه بعد؟!
9. وفي تطور صريح لتدبير السيسي لانقلابه يقول ياسر: "في يوم 11 مايو وعلى مائدة الغداء التي جمعت قادة القوات المسلحة بشخصيات عامة، وقبل أن يغادر الحضور قاعة الطعام.. ودعهم الفريق أول السيسي بكلمة شكر رقيقة.. ثم قال لهم كلمة كان لها وقع السحر في نفوسهم: ما تستعجلوش، وكررها قائلاً: علشان خاطرى ما تستعجلوش.
وهنا يجب التنبه إلى أن خطة الانقلاب الصريح كانت جاهزة في درج مكتب الفريق أول دون أن يجاهر بها؛ وإلا لماذا نصحهم ألا يتعجلوا؟!!.
10. في موضع آخر من نفس الحدث يقول ياسر رزق: "بينما كنت أتأهب لمغادرة مكان الاحتفال.. وقفت مع قائد ميداني كبير.. وقلت له: البلد يختنق والناس في حالة إحباط.. ثم استفززته قائلاً: هل ستتركون الناس لو نزلت فريسة لميليشيات الإخوان؟.. فرد علىّ قائلاً: نحن رهن إشارة الشعب.. ثم أمسك خنصره بإبهامه، مشيراً برقم «3».. وقال: 3 أيام فقط في الشارع".
لكن ما حدث في 30 يونيو/حزيران 2013م، وما بعدها أن الإنقلابيين لم يتحملوا مشقة الصبر 3 أيام وأعلنوا من فورهم انقلابهم على الرئيس المنتخب ديمقراطيا بعد أقل من 4 ساعات من حشودهم المدفوعة بحقد الكنيسة المقدس ضد كل ما هو إسلامي، وتعطش رجال الحزب الوطني إلى خزائن العزيز، فضلا عن حشود الجنود التي أجبرت على النزول إلى الميدان في لباس مدني مستعار.
إن المتامل في تلك النقاط العشر التي اعترف في ثناياها ياسر رزق بأن الجيش دبر لانقلابه مع الأسابيع الأولى لحكم الدكتور محمد مرسي يتوصل من تلقاء نفسه إلى حقيقة لا يشوبها أدنى شك حول أن ما حدث كان انقلابا مدبرا منذ بداية تجربة المصريين الديمقراطية واستهدفت وأد التجربة في مهدها.
وبالنظر إلى أن ياسر رزق لا يكتب عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى إليه من مكتب الفريق أول؛ فإن المعلومات الواردة في تلك النقاط مسلم بصحتها ابتداءً، ثم إنه بتلك المعلومات أوقع قائده في فخ الاعتراف بانقلابه من حيث لم يخطر له على بال...
ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين!!.
إرسال تعليق