الأربعاء، 16 يناير 2013

جورج ابراهيم عبد الله

 13/01/2013 
د. حياة الحويك عطية

لو فكر أي منا بما عاشه من عمر الثلاثين وحتى الستين، وتخيل أنه كان من الممكن أن يمضي كل هذا الوقت فيم زنزانة سجن، لو تخيل واحدنا نفسه وحيدا غريبا أمام سجان معاد، واكتشف بعد مدة طويلة أن الرجل الذي عين محاميا له إن هو إلا عميل لجهاز استخبارات الدولة التي تحتجزه. لو بقي محروما طيلة الثلاثين عاما من رؤية إخوته التسعة، والده الذي توفي بعيدا وأمه التي سمح لها بزيارته مرة واحدة ثم ماتت. لو كان لواحدنا أن يكبر ويشيب في سجن فرنسي قصي، وكلما انتهت مدة محكوميته وطالب الدفاع بإطلاق سراحه، انهالت الضغوط وأعادته سلطات الدولة الوصية على شرعة حقوق الإنسان والمواطن إلى زنزانته!!! لو... لو قسنا الأمور بهذه المقاييس لما قابلنا تحرير الأسير البطل جورج ابراهيم عبد الله إلا بدمعة حزن. ولكن جورج سيستقبل بالفرح عندما يعود مساء الاثنين إلى لبنان، إلى القبيّات،قريته الشمالية العالية، إلى رفاقه، وقد ترك الوطن تحت احتلال الجيش الإسرائيلي وذهب إلى الغرب لينقل معركته إلى هناك كي يدق جدران الخزان الغربي، وها هو يعود ليجد الوطن محررا ،ترك رفاقه يناضلون ولا يزالون يناضلون من أجل تحرير الإنسان والأرض. يعود ليلاقي سمير القنطار. كلاهما ذهب من لبنان الاحتلال والمقاومة إلى سجنين بعيدين حليفين في فلسطين المحتلة وفي فرنسا، وكلاهما عاد إلى نقطة الانطلاق في وطن لم يكن له أن يعرف الحرية لولا وجود مقاومين أمثالهما. كثيرا ساوموه وكثيرا ضغطوا عليه، ولكنه ظل يكتب من سجنه : " إن ثبات الثوار الأسرى على مواقفهم النضالية هو الشرط الوجودي لكل آليات التضامن الثوري معهم " وفعلا ثبت جورج وثبت التضامن معه، خاصة في المرات السبع التي كان القضاء الفرنسي يرفض فيها طلب إخلاء سبيله. كان جورج فضيحة الاحتلال الصهيوني، فإذا باعتقاله يجعل منه فضيحة فرنسا وعدالتها المزيفة، فضيحة تآمر وكذب وتلفيق،لا ندري لماذا قررت الاستخبارات الفرنسية الاعتراف بهما، بدءا من اعترافات المحامي مازوريه العميل لـ «دي اس تي» وحتى اعترافات ايف بونيه المدير السابق للاستخبارات. اعتراف لم يحمل جديدا إلا تأكيد الاتهامات التي كان يسوقها محاميه جاك فيرجيس ( محامي جميلة بوحيرد وكارلوس)، فيرجيس الذي أكد أن السلطات الفرنسية كانت تطلب من جورج أن ينكر التهم المنسوبة إليه، أن يستنكر قتل ضابطي استخبارات أحدهما أمريكي والآخر إسرائيلي، وإذ يرفض، تلفق له لائحة اتهام تضم قائمة طويلة من عمليات القتل والإرهاب تكفي لأن يحكم عليه بالمؤبد. فيرجيس الذي أكد أن موكله سجن عشر سنوات إضافية على الحكم الأصلي بسبب " ضعف ونذالة بلادنا وخضوعها للضغوط الأمريكية والإسرائيلية " –كما يقول.

مفارقة أن يكون جورج قد اعتقل بجواز سفر جزائري، وأن يكون جلاده فرنسيا، أن تكون الجزائر قد طالبت بالإفراج عنه وكذب عليها الفرنسيون، أن تنظم في فرنسا عدة تجمعات يسارية تتبنى قضيته كما تبنت يوما قصة الجزائر، أن يعود رئيسا الجمهورية والحكومة اللبنانيان للمطالبة به، وأن يحرر أخيرا بناء على "صحوة ضمير" مدير مخابرات سابق. أن تنتظره في بيروت حشود تجمعت منذ إعلان الخبر، حشود من القوميين واليساريين ( بدأ حياته النضالية في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي ثم التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومع الاجتياح عام 1982 أسس " الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية " بدعم من الجبهة الشعبية لذا كانت الحشود تحمل صورا كثيرة تتقدمها صورة احمد سعادات، وصورة جورج حبش. أية قصة للنضال مع هذا الاسم: جورج ؟ للجبهة جورج حبش، للشيوعيين جورج حاوي، للقوميين جورج عبد المسيح، لكفاية جورج اسحق ولـ " للفصائل المسلحة الثورية اللبنانية" جورج ابراهيم عبد الله. ربما هو قدر اسم جرجس – الخضر وأسطورة صراعه مع التنين، تلك الأسطورة العابرة للأديان بل ولما قبل الأديان، المجسدة لصراع بطل مع القوة الغاشمة الشريرة المؤذية. ثلاثة أيام وستستقبل بيروت البطل المحرر، سيجد جورج بيروت كما هي، مفروزة سياسيا وأمنيا، مع بعض الخلط الجديد في الأوراق، ولكنه لن يجد عكار كما هي، فبعد مسقط الرأس في القبيات سيجد الشمال ساحة نزاع دام بين أنصار المعارضة السورية ومخيمات تدريب ما يسمى بالجيش الحر والجماعات السلفية التي تعلن طرابلس ولاية في الدولة الإسلامية – من جهة – والجماعات الأخرى – من جهة ثانية، سيجد أن عليه الحذر من المسلحين لأنه ماركسي علماني سيجد الشيوعيون أنفسهم وقد انقسموا بين 14 و8 آذار، وسيتساءل الكثيرون: هل سيأتي الياس عطا الله لتهنئة جورج عبد الله وماذا سيتبادلان من حديث؟ سيجد العالم العربي كله وقد اهتز وتغير، لكنه لن يفاجأ بشيء، فقد برهن طوال فترة سجنه أنه كان يتابع بدقة ولم يفقد بوصلته ولا وضوح رؤيته، في الكثير مما عبر به كتابة أو شفاها، فرأيناه يكتب برؤية استشرافية في 26-10-2011: " إن القوى الإمبريالية العاجزة عن الحد من تفاقم أزمتها البنيوية...تعي أن ما من قمع يمكن أن يحول دون تصاعد كفاح الجماهير يبقى أمامها محاولات الالتفاف على التغيير ودفع القوى نحو التآكل والتشرذم و التفتيت" لكنه يتبع هذه القراءة الواقعية بما يدفع التشاؤم عن المستقبل إذ يقول في موقع آخر: "لكن جماهير شعبنا في كل يوم، رغم كل السائد من تشويش وتشويه،تثبت أنه لديها ما يكفي من القوة والإصرار لتغيير مجرى التاريخ". إنه الإيمان الذي حمى هذا الرمز المناضل ثلاثين سنة من كل ضعف، وحوّله من رمز لبناني إلى رمز فلسطيني عربي ومن ثم عالمي. "رمز كان يدافع عن الكرامة، والكرامة تخيف في عالم الأقزام" كما يقول محاميه جالك فرجيس.
إرسال تعليق