الخميس، 31 يناير 2013

البلاك بلوك .. والجمعة السوداء - عبد الرازق أحمد الشاعر


عقب مظاهرة بروكدورف الحاشدة عام 1977، أفرطت الشرطة الألمانية في استخدام العنف ضد النشطاء الذين تظاهروا سلميا ضد انتشار الأسلحة النووية. وعلى إثر ذلك، قام الانفصاليون في أربع مدن ألمانية بإقامة مؤسسات خاصة تحكمها المبادئ الاشتراكية ردا على العنف. ومن جانبها ردت الشرطة، عام 1980، باقتحام معسكر جورلبين مما أسفر عن مقتل خمسة آلاف متظاهر سلمي، مما حدا ببعض المسالمين إلى حمل السلاح في وجه الحكومة. 
وفي ديسمبر عام 1980، قامت السلطات البرلينية بحملة موسعة لمطاردة الانفصاليين وإلقاء القبض عليهم، وهو بالضبط ما فعلته سائر السلطات في المغرب الألماني. يومها قاوم الانفصاليون بشراسة عن مستعمراتهم، وقاموا ببناء مستعمرات جديدة ردا على حملات الدهم، مما اضطر السلطات يومها إلى التوسع في أنشطتها القمعية ضد المتظاهرين والمتعاطفين معهم وهو ما أدى بدوره إلى خروج ما يناهز العشرين ألف متظاهر ليجوبوا الشوارع في زي أسود متسترين خلف أقنعة سوداء مما عرف في التاريخ الألماني بالجمعة السوداء. وقد أطلق الإعلاميون الألمان على تلك العصابة جماعة "البلاك بلوك" أي "الكتلة السوداء".
وبنهاية مارس 1986، تحول البلاك بلوك إلى واقع مرعب، إذ تمكنت تلك الجماعة من فرض وجودها على أرض الواقع بعد أن تمكنت من دحر الشرطة الألمانية وإجبارها على التقهقر أمام وابل رصاصها المنهمر. وفي اليوم التالي لتلك الموقعة التي ذهب فيها عدد لا يستهان به من الضحايا، قامت جماعة البلاك بلوك بحرق ثلاثة عشر متجرا كبيرا في هامبورج، وقد تجاوزت الخسائر حاجز العشرة مليون دولار أمريكي حينها. 
وفي عام 1987، قامت الشرطة الألمانية بمهاجمة بعض الأراضي التي احتلتها الجماعة الانفصالية، لكنها لم تستطع تجاوز المتاريس التي أقامها المتمردون حول مغتصباتهم، وظلت رحى الحرب تدور بين شرطة عاجزة وجماعة أعدت في غفلة من الحكومة عدتها، حتى انتهى الاقتتال بعد أربع وعشرين ساعة باعتراف مخز من قبل السلطات الألمانية بأحقية الانفصاليين في تلك الأراضي. 
وفي عام 1988، خرجت الصحافة الألمانية بمانشيتات أزعجت جموع الألمان تضع فيها برلين وبيروت في سلة رعب واحدة بعد أن قامت جماعة يسارية بإقامة مظاهرات شاغبة استخدمت فيها المولوتوف والقنابل ضد الشرطة الألمانية. وقد تحولت ظواهر الشغب تلك إلى تاريخ يحتفل به الخارجون على السلطات والقانون هناك في الأول من مايو من كل عام.
وكما تحولت الحركة من التظاهر السلمي إلى العنف وفرض اللون الأسود على الميادين والمدن، تحول نشاطها إلى خارج البلاد، فغزت أمريكا وأوروبا وبعض دول العالم المسكونة بالقمع والاستبداد. 
واليوم ينتشر سرطان العصابات السوداء في مياديننا الثورية ليصبغ نضالنا الأبيض بالقرمزي ويختم أكفان الشهداء في بلد الأمن والأمان بالختم الأحمر في ظل غياب غير مبرر وغير مسئول من قوى الجيش والشرطة في كافة الساحات. لهذا اغتالوا صندوق مخابراتنا الأسود هناك إذن حتى لا يكشف مخططات التفتيت السوداء لسان لطالما عرف وسكت. 
ليس مستغربا أن يخرج الثائرون في المحلة وبور سعيد وغيرها من المدن الثائرة جدا بلافتات عريضة تدعو لإقامة المتاريس والحواجز الجمركية على حواف المدن، وليس مستبعدا أن يطالب الموتورون في مدن القنال بالخروج من عصمة القاهرة. لكن الغريب فعلا أن لا يرى الوطنيون في تلك المدن وغيرها مخطط التقسيم محمولا على أكتاف صبية البلاك بلوك وهم يطوفون شوارعنا محملين بأسلحتهم وعجزنا. العجيب أن تقف النخبة الثائرة فوق مبضع التقسيم بكافة ثقلها رافضة الحوار، والأعجب أن تتشبث الحكومة بمقاعدها فوق وطن مقدم على التحلل والذوبان تحت متاريس تدق في نعشه كل يوم. والأغرب من كل هذا وذاك أن يعتقد الطيبون أن صلحا مستبعدا بين فرقاء الجهالة قادر على لم شمل مدن تتفسخ كل يوم ذات اليمين وذات الشمال.

أديب مصري مقيم بالإمارات
Shaer129@me.com
إرسال تعليق