الثلاثاء، 19 يونيو، 2012

الرئيس .. والإستبداد !!



بقلم د . رفعت سيد أحمد
أياً ما كان اسم الرئيس القادم ، أو اتجاهه الفكرى والسياسى ، فإن أخطر ما سيواجهه هو كيف يقضى على ثقافة (الاستبداد) المتأصلة للأسف فى قلوب وعقول العديد من القوى والمؤسسات فى بلداننا ، إن المهمة الكبرى للرئيس الجديد هى اقتلاع ثقافة الاستبداد من قلب الوطن ، لأنها وببساطة لا تدمر مؤسسات هذا الوطن فحسب ، بل تدمر روحه أيضاً .
(1)
وحين يذكر الاستبداد كمفهوم نتذكر المقولة الخالدة لأرسطو : (أن المستبد لا يقاوم والعبيد لا يقاتلون) ، والتى إن سحبناها كمعنى على واقعنا العربى والمصرى بخاصة خلال حكم الرئيس المخلوع (حسنى مبارك) سنجدها صحيحة تماماً ، حيث اتفاقات العار مع العدو الصهيونى وحيث الخنوع الكامل لواشنطن فى كل ما يتصل بمصالح مصر والأمة ، وحيث النظام تحول إلى (سمسار) من أجل مصلحة تل أبيب وواشنطن ليس إلا وضاعت حقوقنا وديست بالأقدام الإسرائيلية .
(2)
* وللاستبداد أنواعه المختلفة منها الاقتصادى – السياسى – الثقافى ، الاجتماعى ، وهو بمثابة حلقات يوصل بعضها للبعض الآخر ، إننا أمام (نظرية الأوانى المستطرقة) إذا ما بدأنا بالاستبداد السياسى أوصلنا حتماً إلى الاقتصادى والاجتماعى والثقافى ، فالحاكم المستبد ، يسير على خطى استبداده ، الرعية ، وينخر (سوس الاستبداد) فى عظم تقدمهم الاقتصادى وحياتهم ومعاشهم ونصبح أمام كيان هش فى قيمته ودوره ، كما كانت مصر للأسف فى عهد الرئيس المخلوع ، وهنا تعن إلى ذاكرة الباحث ، الرؤية الثاقبة التى قال بها العالم والفقيه الأندلسى الشهير (أبو بكر الطرطوشى المولود عام 451 هـ ) فى مؤلفه الأشهر (سراج الملوك) والذى أصل فيه رؤية متكاملة لأصول الحكم وشروط الحاكم العادل ، والذى أعده إبان عصر الدولة الفاطمية فى مصر ، وكان يعيش وقتها فى مدينة الاسكندرية بعدما جاء من الأندلس وبعدما عاش ردحاً من الزمان فى مكة وبغداد ودمشق ثم استقر فى الاسكندرية لأكثر من ثلاثين عاماً ثم مات فيها ، جاء في كتابه المهم فى الفصل الذى عقده تحت عنوان " فضل الولاة والقضاة إذا عدلوا " أنه [ ليس فوق رتبة السلطان العادل رتبة ، كما أن خيره يعم ، كذلك ليس دون رتبة السلطان الجائر الشرير رتبة لشرير لأن شره يعم ، وكما أن بالسلطان العادل تصلح البلاد والعباد ، كذلك بالسلطان الجائر تفسد البلاد والعباد ، وتقترف المعاصى والآثام ، وذلك أن السلطان إذا عدل انتشر العدل فى رعيته فأقاموا الوزن بالقسط ، وتعاطوا الحق فيما بينهم وإذا جار السلطان انتشر الجور وعم العباد ، فرقت أديانهم واضمحلت مروءاتهم ففشت فيهم المعاصى ، وذهبت أمانتهم ، فضعفت النفوس وقنطت القلوب ، فمنعوا الحقوق ، وتعاطوا الباطل ، وبخسوا المكيال والميزان .. فرفعت منهم البركة ، وأمسكت السماء غيثها .
ويروى الطرطوشى حادثة من مشاهدات بالإسكندرية للدلالة على أن السلطان إذا جار وظلم انتشر الجور وعم البلاد ، فرفعت البركة وقل الرزق ، يقول : وشهدت أنا بالاسكندرية والصيد فى الخليج مطلق للرعية والسمك فيه يغلى الماء به كثرة ، ويصيده الأطفال بالخرق ثم حجره الوالى ومنع الناس من صيده ، فذهب السمك حتى لا يكاد يرى فيه إلا الواحدة إلى يومنا هذا ، ويعلق على هذا الخبر مرة أخرى بقوله : " وهكذا تتعدى سرائر الملوك وعزائمهم ومكنون ضمائرهم إلى الرعية إن خيراً فخير ، وان شراً فشر " .
ومن كلماته القيمة فى وصف خطورة منصب السلطان والمهام الملقاة على عاتقه : " الخلق فى شغل عنه وهو مشغول بهم ، والرجل يخاف عدواً واحداً وهو يخاف ألف عدو ، والرجل يضيق بتدبير أهل بيته وإيالة ضيعته وهو مدفوع لسياسة أهل مملكته ، وكلما رتق فتقاً من حواشى مملكته انفتق آخر ، وكلما لم منها شاعثاً رث آخر " ] .
* هذا هو الاستبداد ، ثقافة وحياة ، فهل يدرك الرئيس القادم لحكم مصر دلالاته ؟! أم أنه سيعيد إنتاج ذات الثقافة المستبدة ولكن بأشكال أخرى ؟ أسئلة برسم المستقبل .

إرسال تعليق