الجمعة، 22 يونيو 2012

عقيدة الصدمة بالأزمات د.مهند العزاوي*



عقيدة الصدمة بالأزمات

د.مهند العزاوي*

يدخل الشرق الاوسط مرحلة خطيرة من فوضى الصراع الجيوقاري , ونشهد تنافس رباعية التوافق والأضداد المتمثلة بالولايات المتحدة وأوربا من جهة وروسيا والصين من جهة اخرى , وباستخدام المخالب الاقليمية وذلك ضمن سياسة الوصول الدولي الى خزين الثروات الاستراتيجية وغزو السوق الاوسطي , وقد اغفل كافة الاطراف المحظورات الاستراتيجية المتعلقة بالأمن والسلم الدوليين , وخرقوا بذلك كافة القيم السياسية والمعايير الانسانية وتجاهلوا السياقات العلمية والعملية للنظم السياسية والسيادة الوطنية والمنظومات القيمية , مما اشاع ظواهر الفوضى والحروب الخاصة والقتل خارج القانون وتهديم الدول وتمزيق المجتمعات , وأتاح هذا المناخ الحرب الديموغرافية وباستخدام سلاح الطائفية الخطير الذي يجتاح عالمنا العربي بشكل غير مسبوق.
 وجهان لعملة واحدة
 يعاني العالم العربي من ظواهر الفوضى وحرب الهويات الفرعية السائدة اليوم ,  ويفتح مسارح الصراع الإيديولوجي عبر مخططات طويلة الأمد وبمراحل إستراتيجية اعتمدت في جوهرها على "نظرية الإزاحة" للمحاور الجيوسياسية العربية  وتقطيع الكعكة العربية بين اسرائيل وإيران (وجهان لعملة "تفكيك الدول العربية وتمزيقها ) ولو اجرينا احصائيات رقمية لحجم الضحايا من المجتمعات العربية نتيجة السياسات والسلوكيات التدميرية الايرانية تحت رايات التشيع السياسي والتصدي لإسرائيل سنجدها ارقام فلكية "العراق انموذجا " , ويبدوا انه دور متفق عليه  لتهديم الامة العربية الاسلامية بغض النظر عن الضجيج الاعلامي وصخب الدعاية الايرانية , وكانت ايران قد تخطت كافة المحظورات الاستراتيجية في العراق , وتنذر سلوكياتها بنتائج كارثية على الصعيد السياسي والقانوني والاقتصادي والإنساني , خصوصا بعد أن أسهمت في تقسيم الاسلام وعسكرته وتفكيك المجتمعات العربية , وتجسد ذلك عمليا بالضخ الطائفي الموجه ودعم الارهاب والمليشيات والتنظيمات المسلحة لتنعش تجارة الطوائف وخلق الاضطرابات السياسية والأمنية .

وليد غير شرعي
تؤكد الأحداث المضطربة في المنطقة والمناخ الطائفي السياسي وجود ازمة مفاهيم وقيم , وتكمن الاسباب في الخطيئة الاستراتيجية المتمثلة بغزو العراق والتقارب المثير للجدل والتخادم الامريكي الايراني في العراق والمنطقة , والذي يمكن وصفه بـ " وليد غير شرعي لزواج المتعة الامريكي الايراني "  ويجسده النظام الطائفي القائم الذي تخطى كافة القيم السياسية والدستورية والقانونية والإنسانية وانشغل بإرضاء الطرفين على حساب المصلحة العليا للعراق , ويقول الباحث الاميركي " اريانا هوفنغتون "  في دراسته المنشورة على صفحات " هوفمان بوست " ((ان مشكلة اليوم في معالجة العديد من العقبات في المنطقة وهي بالطبع من صنعنا نحن ؟ فقد اعطى غزونا للعراق لإيران  حليفا كبيرا وسلمناه اليها على طبق من نفط)) مبديا مخاوف واقعية من سيطرة ايران على السياسة النفطية بالعراق ناهيك عن تدخلها السافر بكافة الشؤون العراقية وإطلاقها التهديدات الحربية ضد الجوار العربي وكان اخر تهديد صدر عن سفير ايران السابق في فرنسا "صادق خرازي " وقال ((إذا كانت إيران تريد احتلال البحرين فإن الأمر لن يستغرق بضع ساعات للسيطرة عليها باستخدام قوات الرد السريع الإيرانية)) وبذلك نلمس هوس القوة والتخطي الواضح للنسق الاقليمي العربي  .

عقيدة الصدمة بالأزمات
تزدحم الايام الدموية البائسة على العراقيين مما يؤكد ان العراق يعاني من ازمة نظام وقانون , خصوصا ان العملية السياسية ( العملية الانتقالية) تخطت ثماني سنوات وفشلت في الوصول الى الحياة السياسية والدستورية وتحقيق دولة المواطنة , وقد احتكر الطائفيون الجدد السلطة باستخدام عقيدة "الصدمة بالأزمات "  لـ "ميلتين فريدمان " وباستخدام المذهب فوبيا والقاعدة فوبيا والإرهاب فوبيا والبعث فوبيا لإبقاء الشعب العراقي تحت تأثير الصدمات المتعاقبة , وقد استهدفوا بذلك كيان الدولة (الشعب الدولة الأرض) وأشيعت ظواهر طوئفة القانون واستخدامه لإغراض القمع السياسي وتكميم الافواه ,  وبالرغم من تزاحم الملفات السوداء تلوح بالأفق امراض السياسية العراقية والتي تخون الاخرين وتمجد السلطة والشخص على حساب الوطن والشعب والقيم والمصالح الوطنية العليا , وبرز جليا في جولة سحب الثقة واصطفاف الحواشي المنتفعة والأبواق الاعلامية والمال السياسي والعمليات الارهابية لتهيكل عقول الرأي العام بفلسفة القائد الاوحد والحزب الواحد وبذلك نتجه الى تطبيق عقيدة جورج دبليو بوش القطبية ((  من لم يكن معنا فهو ضدنا)) و حول مشهد سحب الثقة الزئبقي اشار الكاتب "جيمس تراوب " مؤخرا في موقع (فورين بوليسي الاميركي للسياسة الخارجية) قائلا  ان التفسير الأكثر ملائمة لسياسة المالكي الخارجية هو ما أسميه "فرضية الوغد " التي طرحها "جون الترمان " من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية حيث يقول (( ان المالكي يصنع اعداءً وانه يبحر في مسار دقيق بين إما أعداء او أصدقاء مزيفين )) ولكن هناك نظرية بديلة عما طرحه الترمان مفادها أن المالكي شخص مُرتاب بعمق , وهناك ايضا رأي آخر هو أن المالكي شخص يعتقد بتفوق الشيعة وينظر للسنة كأعداء وقد يكون شخصا تتملكه نظريات المؤامرة وهذا اقرب لواقع الطائفية السياسية ونظرية المؤامرة التي تبرر الاستئثار بالسلطة وإطلاق اليد خارج القانون.
استنتاجات واقعية
 تؤكد الاحداث الدراماتيكية الاخيرة في المشهد العراقي على عدد من الاستنتاجات الاساسية والتي تتسق تماما بالواقع العراقي المتردي وهي : -
1.    فقدان اي مظهر من مظاهر الديمقراطية والحياة السياسية والدستورية في العراق
2.    تسييس القانون بشكل غير مسبوق واستخدامه بشكل طائفي .
3.     اصطفاف رئيس الجمهورية طائفيا ضد مكونات العراق بما لا يتسق مع القيم الدستورية والإنسانية والقانونية والمفاهيم الوطنية , وتجسد برسالة الممانعة عن سحب الثقة وبرر ذلك بتحالفه وحزبه استراتيجيا مع طائفة على حساب اخرى .
4.    شياع ظواهر البطولة الطائفية لدى السياسيون والنزول بالقانون الى ساحة التصفيات الطائفية وتسفيه القانون بكافة اشكاله.
5.    شياع سياسة تلبيس الجرائم ضد الابرياء والتي حدثت بشكل مفبرك لبسط الترويع وتلفيق التهم ضد ممارسي السياسة والوظائف المتقدمة والمجتمع .
6.      استباحة المكون الاساسي الشريك الوطني الاجتماعي والسياسي والديني والقومي وسلبهم كل مظاهر الحياة الاساسية والتمثيل السياسي .
7.    محاولة السلطة تحويل العرب لفتيل احتراب مع الكرد من خلال تحريك ملفي كركوك والموصل وتدخل ضمن صناعة الازمات.
8.    وجود بوادر تحرك سياسي اخر خارج العملية السياسية من قبل النخب داخل وخارج العراق للوصول الى المكافئ السياسي البديل وصناعة موجة سياسية ولو انها ضعيفة لافتقارها للتنظيم والدعم والقمع الحكومي .
9.    تتطور واتساع الحرب الطائفية بقياده ايران والتي تمتد من العراق مرورا بسوريا وصولا الى نقطة انطلاقها من لبنان وتصل تهديداتها الى البحرين واليمن والكويت.

نستخلص من المعطيات أن العراق يعاني من ازمة نظام ويفتقر للحياة السياسية والدستورية ويعيش فيه المواطن بين سندان الطائفية ومطرقة الفوضى , وقد  خضع العراق للتجريف الديموغرافي والقضم الجيوبليتيكي واحتراب الهويات الفرعية وفق أيديولوجيات تعتمد على أساطير وهمية يروجها تجار الطوائف , لتعزيز الفوضى والاضطراب السياسي اللذان يساهمان في تنفيذ المخططات الهدامة للعراق وتعزز المنافع لطائفيون الجدد .
يتجاهل المجتمع الدولي والنظام الرسمي العربي تداعيات الازمة في العراق وخطورتها , ولا خيارات متاحة أمام الشعب العراقي على الصعيد الدولي والعربي في انتشاله من مستنقع البؤس والفوضى والأزمات المفتعلة , ولذا يستوجب وحدة الشعب العراقي وحشد الموارد والتكامل ونكران الذات والعمل على التأهيل السياسي لشريحة الشباب وتعزيز المنظومة القيمية الوطنية والخروج بمكافئ سياسي وطني يستعيد المبادأة الإستراتيجية , ليعود العراق موحدا قويا كما كان.
 * مدير مركز صقر للدراسات الإستراتيجية

saqarc@yahoo.com
‏‏الجمعة ‏،  22‏  حزيران ‏، 2012

إرسال تعليق